إبراهيم محمود - لو أن الشَّعْر..



1
ماذا يحدث لو أن الشَّعر أعطي حقاً في الكلام، شهادة لشاهد لنفسه على نفسه وبنفسه، في من صيَّره ذا امتياز في تمثيل الجسد شراكةً كما لو أنه في عِدَاد ما لا يمكن الاستغناء عنه، وهو في أصله ما ينبت داخلاً، ويظهر خارجاً، ويمكن الحيلولة دون ظهوره، دون أن يطرأ تغيير جوهري على الجسد ، كما هو مقرَّر إنسانياً؟ من أضفى على الشعر علامة فارقة في التفريق الجنساني، وتمايزه النوعي، وفي تحميله دلالات لها صلة بالحياة والموت، بالاعتبار، والإهانة" عندما يحلَق، أو يشَدَّ صاحبه به " ؟
كيف ينظَر إلى ما ليس له دور حيوي، إنما ثقافي واعتقادي، في ربْطه بالجسم المعلوم جسداً، في التعريف بالجسد هذا، أن يكون له مثل هذا الدور المركَّب في المجتمع، وأن يعوَّل عليه قيمياً، وما يصله بالجمال أو الذوق، حقاً لا ينسَب إليه إلا بتوجيه محروس، كما لو أن ليس هناك من استغناء عنه ؟
هل يضير الرأس في عموم حالاته ونوعه، أن يظهر مكشوفاً دون شَعر" أصلَع "، كما نلاحظه هنا وهناك، تعبيراً عن تنوع في المواقف ؟
2
ولأن المخصص جهة الاهتمام بالشعر، في مناسبات مختلفة كالأعراس، يرينا ما هو لافت بعنف مأثوره، واختزالاً للمجتمع في قواه الحية، تكون المرأة أكثر مشاهَدة وتعرضاً لمثل هذا التخصيص المستهلِك للجسد، وفي سياقات مختلفة في مجتمعاتنا التي نعيش فيها تحديداً .لنكون إزاء حجب لحجب: حجب الرأس به، وهو في مقام الحجاب المميّز جنسانياً، وحجب مغطي الرأس: الشعر، تحت ذريعة مشدد عليه معتقداتياً، ليحول بعض مثمَّن مما هو جوهري لصالح ما ليس كذلك: أي الشعر..ماذا يحدث لو كلل الرأسُ دون شعره كلياً ؟
هذا يدفع بي إلى القول أنني بقدر ما اقتفيت أثر الشعر" شعر المرأة بالذات هنا " والأدوار التي أعطيتْ له، وما يصرَف عليه، وكيف يجري تجميله، والثناء عليه من خلال أوصاف تترى، بقدر ما تراءى رعب المشهد المجتمعي وبؤس الحياة النابضة فيه !
أليست رؤية الشعر وعبر إعلانات مركّزة عليه، وبما يتقدم به عنواناً " كاريزمياً " وبالنسبة للمرأة بالذات، وفي تلك الصالونات الكبرى بطقوسها النسوية، إشعاراً بفوات أوان حضاري، لا يستدرَك، كما يُتصوَّر؟

3
في قائمة الأوصاف المركَّزة على الشعر" شعر المرأة " وللشعر ، والمغنى منه أكثر، أن يدلي هو الآخر بشهادته المعرّية لبنية المراهَن عليه واقعاً، أن يخرج عن صمته، أن يري ما له وليس له مكانةً!
أن يكون شعرها" غجرياً مجنوناً " أو " شلال ضوء أسود " أو " ليلياً " أو " أمواجاً صاخبة " أو حريرياً" أو " ممتداً حتى الينابيع "..إلخ حيث المترادفات كثيرة في الطول المذكور، أو اللون، أو الصبغة، أو كثافته، كل ذلك يؤخّر ما يكون حقاً حياتياً، ويقدّم ما يكون جناية نافذة الأثر، بحق ما هو حياتي فعلي .
أن يظهر الشعر شاهد إذلال لصاحبه، أو للمرأة في الصميم، يكون مدرجاً في مضمار المحوَّل عليه قسراً!
إذ كيف يمكن لما يسهل تجاهله، والاهتمام بما هو حيوي في الجسم، بمنظوره الجسدي، دون أن يحدث اختلال أو اعتلال فيه، أن يروَّج له بالصوت والصورة، وأن يحتفى به، وعلى حساب قوى كامنة، فاعلة في بنية الجسم، ونوعية الحياة في المجتمع بالذات؟
إنها هذه الثقافة التي " تؤيْرس: من الإيروس "، وبشكل متهافت، ما هو قيمي وفي صميم جسدنا الإنساني، وتعميق الهوة بين جسد وآخر، لتمير جملة المؤثرات التي تسهم في إبقاء الصدع الذي يحول دون رؤية المجتمع في وحدته، ونوعية قواه المنشودة .
أي حيث نتعايش مع جسد متهافت في وضعية معينة، مفرَّغ من قواه الفعلية، ويتمثل بما هو متهافت في القيمة الجديرة باسمها، أي حيث يكون " تهافت التهافت "، وكيف يجري تضييق الخناق الحياتي عليه جمعاً !
أنها تلك الرجولة مدفوعة الأجر فحولة، وفحولة مثابة على الموقَّع باسمها في لغة منطوقة في عهدتها، ومرسومة بسلطتها الضاربة، وهي حيلة شرّعت تاريخياً وشرعِن لها بحسابات تمتد بما تقدم إلى الأمام ضماناً لامتيازات تسمّي الرجل ونوعية قواه وسلطته ، وكيف يجري التمكن من جسد المرأة من حالة التعمية لشخصيتها بتوليفات مبهرجة،تحيل داخل المرأة إلى خارج معزز ببهرجات مجازة إجرائياً !
4
يحوَّل رأسُ المرأة، وهي بشعرها الذي ينسدل على كتفيها، إلى محرَّك تنويمي لمتتاليات الزمان المفصَّل ثقافيا، دور لافت فيه، لينفث عبره" عبر خصلاته " الرجل ما يترجم ذلك الشبق الذي يميّزه ويتقدم جملة قواه الحياة هنا وهناك، تاركاً ليده بأصابعها أن " تمحر عباب " الشعر، ممهداً بطريقتها إلى ما هو منشود متعياً، وما يزيد في قابلية التعامل الإيروسي، حيث يتناثر شعرها، أو ينبسط شعرها تحت رأسها على الفراش، كما لو أن الشعر فراش لمنشود موجَّه بيد تترجم إيروسية الرغبة المتصاعدة بعنفها.
لا يعود شعرها منفصلاً عن جسمها" المرأة " أو عن الرأس" رأسها" بالعكس، يصبح الرأس نفسه، في الحالة المستشرية كعلامة مجتمعية مزكاة، ومفعلة ثقافياً، وفي مناسبات مختلفة، خارج مقامه الجسدي، كما لو أنه هو نفسه الموجَّه بالشعر، مفرغاً من تلك القوى التي تميّزه نوعاً عن غيره: رأس الرجل، كما لو أن المنشور شعراً، وقد تفرع، إحالة حية ومأساوية لجسد بكامله وديعة مملَّكة ذكورياً ؟

5
ليس الشعر ميزة يمكن التشديد عليها، جهة الرجل أو المرأة. لقد أدخِل في رهانات، وقد حمّل برموز ودلالات، هي ذاتها مصطنعة في لعبة العلاقات الاجتماعية ومن يضع قواعد لها، ومن يحدد طرق إدارتها أو تلوينها، وهي تراتبية طبعاً.
المعنى حيث يجري تصميت الداخل، حيث يكون المجتمع الفعلي معبّراً عما يكونه، وليس ما هو معلَن، ومسمى ظاهراً:
إذ لا أكثر مما نشاهد من نساء وهن يحلقن شعرهن: في الغرب، خصوصاً، ترجمان المعبَّر عنه نسوياً، وفي مسمى " الجندر " وكيفية الاهتمام به في الوسط الاجتماعي، كما لو أن حقيقة المجتمع الفعلية معرَّاة من خلاله.
وبالمقابل، لا الإبقاء على الشعر وهو مشهود له بالطول، أو وهو مغطى " محجَّب " بعلامات متمايزة. وهي تظهِر حدوداً عما هو قيمي مختلف عليه أشد الاختلاف. لأن المنطوق الجدير بالإصغاء إلى صوته هو في الداخل: هو الشعور بالاختلاف وما يجعل الاختلاف قاسماً مشتركاً لمجتمع سعيد " يوتوبيا " نشهد في داخلها ذلك السرد البهيج الذي يتعزز بما هو حياتي، ومثر ٍ للطبيعي في آن .
لا يخفي العنف آثاره هنا وهناك، ومن خلال صيغ العلاقات القائمة، وفي بنية القيم التي ينبني عليها المجتمع.
لا يعود الشعر هو " بيضة القبان " ليكون المرجع في الاحتكام إليه، عند حدوث أي اختلال توازن مجتمعي، أو شرخ في علاقة، أو قهر متنوع اجتماعياً ، سياسياً، نفسياً، وفي ثقافة يمكن تشريحها ومكاشفة القوى التي تعمل " داخلاً" وكيف تتبدى " خارجاً "
6
لو أن الشعر أعطي حق الكلام، ليسمعنا صوته النابع من طبيعته، لأرانا ما لا يراج له أن يُرى، في ضوء المتداول قيمياً، وكيف يتشابك الداخل والخارج، كيف يصبح التمييز بين " الوجه والقفا " صعباً جداً، لا بل يكون مجرد التنبيه إلى ذلك، خرقاً لمعمول مبتغى، جرّاء ألفة المبتذل، وغواية المبتذل، وسريان فعل المبتذل، كما هو المأثور في الشعر، والمعتمَد باسمه.
أي حيث يسهل النظر إلى المقدّم وجهاً، وهو لا يعدو أن يكون : القفا" القفا المجتمعي " الذي يستقطر تاريخاً طويلاً وراءه !
بناء على أي عينين يُنظَر إلى المستقبل، وقد حوّلتا خلْفاً ؟!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...