بهاء المري - عادةٌ دَخيلة

الموتُ لحظة جليلة، ومَشهدٌ تهتز له النفوس، وتتصدع أمامه القلوب. هو انتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دنيا العمل إلى دار الجزاء، حيث لا ينفع مالٌ ولا جاه، وإنما ينفع ما قدَّم الإنسان من عمل صالح.
ولذا كان من تمام الأخلاق ومن لياقة الأدب مع الميت ومع شعيرة الموت أن يُشيَّع الإنسان في سكينة ووقار، تُقرأ عنده آيات الذكر الحكيم، وتُرفع له الدعوات بالرحمة والمغفرة، لا أن تختلط الجنائز بأصوات لا تليق بمقام الفقد والرحيل.
ومن أجل هذا ارتبطت الجنائز في الوعي الإسلامي بالسكينة والخشوع والدعاء، لا بالصخب أو المظاهر الغريبة عن مقام الرحيل الأبدي.
غير أنّ عادةً دخيلة تسللت إلى مجتمعنا في السنوات الأخيرة، هي الزغاريد عند دفن الموتى، بحُجة أنها تعبير عن "حُسن الخاتمة" أو "الفرح بلقاء الله". وهو أمر لا أصل له في الشرع، ولا يوافق الحكمة والمقصد، بل يشوه جلال الموقف، فالموت ليس مناسبة للفرح الدنيوي، وإنما هو مناسبة للعظة والاعتبار.
وعلى الرغم من حُسن النية لدى بعض من يفعلونها، فإنها ممارسة لا أصل لها في الشرع، ولا تتفق مع جلال الموت ومقام الميت.
وقد كان هَدي النبي ﷺ قائمًا على التوقير والهدوء عند الجنائز. فقد ورد عنه ﷺ: «إذا اتبعتم الجنائز فلا ترفعوا أصواتكم» (رواه النَسائي)، وهذا تأكيد على أن رفع الأصوات -أياً كانت -نوعها، لا يليق بالموقف.
الزغاريد عُرفٌ ارتبط بالأفراح والزينة، فإذا استُعملت عند الموت فقد وُضِعت في غير موضعها، وشابهت التناقض بين الحزن والسرور، ووضعها في سياق الجنائز قلبٌ للمفاهيم، وتضييعٌ للمقصد الذي أراده الله من مشهد الموت، وهو العظة والاعتبار.
هذا السلوك قد يجرح مشاعر من يتألمون لفقد الميت، كما قد يزرع لدى الأجيال الشابة صورة مشوشة عن الموت، فيجعله أقرب إلى مناسبة اجتماعية، بدلًا من أن يكون موقفًا يردع عن الغفلة ويوقظ الوعي بحقيقة المصير.
إنَّ الدين الإسلامي في جوهره دينُ توقير وهَيبة، وقد علَّمنا أنَّ لكل مقام مقالًا، ولكل حدَثٍ لونه المناسب من السلوك. فكما أن الأفراح لها طابعها، فإنَّ الجنائزَ لها سَمتها، وهو السكينة والخشوع والدعاء.
إنَّ القضاء على هذه البدعة لا يتوقف على إصدار الفتاوَى فحسب، بل يحتاج إلى وعي جماعي يجعل الناس يُدركونَ أنَّ الموتَ مقام وقار، وأن أعظم ما يُقدَّم للميت هو الدعاء له بالرحمة، لا الأصوات التي لا تنفعه في شيء.
إن مسؤولية المسجد والمدرسة والإعلام كبيرة في غرس هذا الوعي، وفي تربية الأجيال على توقير الموت ومشاهدته باعتباره بابًا إلى الآخرة، لا مناسبة للخلط بين الحزن والفرح.
فالموتُ ليس مناسبة دنيوية للبهجة، بل هو موعد للرحيل وموعظة للأحياء. ما أحوجنا إلى أن نحفَظ له هيبته، وأن نلتزم بالهَدي النبوي في تشييع الجنائز، فنشيِّع موتانا بالرحمة والدعاء، لا بالزغاريد والصَخَب.
الواجب على المسلمين أن يُنقُّوا شعائرهم من البدع، وأن يلتزموا بهدي النبي ﷺ في كل شأن، صغيرًا كان أو كبيرًا. والموت باب عظيم من أبواب التذكير بالآخرة، فلا يليق أن يُمتهن جلاله بأصوات الزغاريد التي لا تزيد الميت إلا بعدًا عن دعاءٍ يحتاجه، ولا تزيد الحاضرين إلا غفلة عن العبرة المقصودة. فلنحفظ للموت هيبته، ولنشيّع موتانا بالدعاء والرحمة، لا بالبدع والأهواء.
قال النبي ﷺ: «أكثروا ذِكر هادم اللذات»، أي الموت. فليكن ذِكرُ الموتِ عندنا باعثًا على التفكر، ولحظة صادقة للدعاء، لا ميدانًا للبدع والعادات الدخيلة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...