سعيد الزواري - النائب محمد علي على جناح أسطول النصر الحرية والكرامة

لم تكن هذه الصورة التي التقطتها للنائب محمد علي قبيل إبحار سفينة "أنس الشريف" نحو غزة مجرّد لقطة عابرة، بل كانت أشبه بومضة تختزل مشهدا رمزيا نادرا. نائب الشعب يقف متأملا، بينما جندي من الحرس الوطني يخط بقلمه كلمات ستبحر مع الموج وتحمل معها رسالة إلى قلوب محاصرة في غ.زة. لحظة جمعت المدني والعسكري، ممثل الأمة وحارسها، في مشهد يكتب بلغة بسيطة لكن عميقة: نحن معكم، وإن ضاقت بنا الأرض.

محمد علي، ابن قفصة، لم يكن في تلك اللحظة سوى مرآة لتونس التي نعرفها، تونس التي لم تنقطع يوما عن فلسطين. فجر أمس، اعتقله الاحتلال مع رفاقه على متن السفينة، وكان المشهد كصفعة على وجه كل من لا يزال يؤمن بعدالة القضايا. لا أنكر أنّني حين شاهدت لحظة اعتقاله على الشاشات شعرت بثقل غريب، لأني أعرف لحظتها، أن الرجل في داخله كان يعيش تناقضا جارحا: هو القاضي الثائر، المشبع شهامة ورجولة وإيثارا ملزم بتطبيق بروتوكل وقع عليه مسبقا، وفي الوقت نفسه الإنسان الرقيق الذي تربّى على أن فلسط.ين ليست مجرد قضية، بل قدر كتب على جيل كامل أن يحمله.



التحاقه بالقافلة لم يكن مخططا ولا جزءا من حسابات سياسية ضيقة. كان صدفة صارت قدرا، دفعته إليها غريزة النصرة، نصرة الأخ لأخيه، حين استجار به. لم يكن يبحث عن شهرة، ولم يكن يحمل حقيبة مصالح، كان يحمل فقط قلبا امتلأ بفكرة واحدة: لن أخذلكم. وربما لهذا بالذات بدا المشهد أكثر صدقا وأشد إيلاما حين قُيّد.
وما زاد مرارة للمشهد هذا المساء أن البرلمان الذي ينتمي إليه محمد علي، ذلك البرلمان المفترض أنه بيت الشعب، تردد في أن يصدر حتى بيان إدانة، وكأنّ نائبا من نوابه ( وهو النائب العربي الوحيد بالمناسبة)، ليس أسيرا لدى عدوّ الأمة. لم يتحرك إلا حين لوّح زملاؤه بالاعتصام وفرضوا على رئاسته أن تصدر بيانا باهتا، بلا روح ولا حرارة. ذلك البيان لا يزيد محمد علي شرفا، ابدا، بل على العكس، هو الذي يمنح البرلمان شرفا بانتمائه إليه. فمحمد علي وحده كفيل بأن يمنح مؤسسة كاملة معنى لم تملكه، وقد فعل.
اليوم، هو بين يدي الاhتلال. لكن أي يد هذه التي تستطيع أن تطفئ جذوة رجل مثل محمد علي؟ قد يقيدون معصميه، لكنهم لن يقيدوا قلبه. قد يضعونه في الزنزانة، لكنهم لن يضعوا صوته في الصمت. إنّه من أولئك الذين إذا سقطوا على الأرض ازدادوا علوا، وإذا سجنوا أطلقوا في الناس معنى الحرية.
اه سعيد، كان يرسلها عفوية مع كل فيديو او تسجيله يرسله لي في كل مرحلة من مراحل الرحلة، اسمعها الان رغم الاف الأميال بيننا.
هو الآن بين يدي الاح.تلال، نعم. لكنّي أراه لا يهدأ ولا يركع لهم. ولو لا قلّة السند، لكان تصرّفه معهم غير ذلك.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...