في ليل لا يعرف أولَه من آخره، كانت الصحراءُ تصغي لأنفاسها، كمن يتأمّل حكاياته المدهشة...حيث تمشطُ الريح شعر الكثبان، والقمرُ يتدلّى فوق الرمال كحكمة سرمدية ...هناك عند تخوم العدم، ينبت عُشب الليل فلا تراه العين، ولكن تُبصره الأرواح التي جرّدت نفسها من الظلال. فيتمتم أهل السرّ بان من لم يُسقَ بدمعه، لا يُسقى بسماءٍ ...العشب ينمو حيث يموت الرجاء، ويخضرّ على أنين الصمت. لا تسقيه الغيوم، يتعبّد بالظمأ ويهجر خطيئة الماء .
على كثب من رمال لا تعرف الرحمة، كان مولانا الصوفي يبحث عن تبر بريء لا تشوبه خطيئة البشر . فلم يجد امامه سوى حلم دفنته العصور ...خاض مولانا صحراءه آلاف المرات ...وعبثا صال وجال .جلس يتأمل جحود الصحراء ...فأجابته بسخاء : ابحث في نفسك ستجد تبرك المفقود الموعود ...التبر هو شوقك الأبدي لأن تعتلي الطين و تطأطئ للإله ...يتأمل مولانا حبل الصحراء .فيغدو عرّابها ...وتغدو بدورها نفساء على عباءة فيضه ....يفتتن بمولودها ويقول مندهشا :
_ ما أغربكِ أيتها الصحراء… كلما أعطيتِ، سرقتِ،
وكلما سرقتِ، أنعمتِ...!فهل السلبُ فيكِ هو العطاء؟ أم أن العطاء لا يكون إلا سلبا ؟!
ضحكت الريح، وهزّت أطراف السراب، كأنها تتهكّم على السؤال.
وأجابه الصدى من بعيد :
مولانا الواهم :
_ ما يلمع ليس ذهبا، و ماؤك يروي الاجساد ولا يروي الارواح .
تململ مولانا ...تلكّأ... غاص في صمت غريب .وفي تلك اللحظة، أدرك أن الصحراء ليست فراغا، بل مرآة للوجود...كلُّ حبّة رمل تشكّل حرفا، وكلّ نَفَسٍ يعبّر عن ريح، وكلّ سراب سؤالٌ يتيم.
ويجلس مولانا على عرش الفراغ ...فيصرخ :
_ يا ربَّ الرمال، ما خُلقتَنا لنسير، بل لنتوه .وما جعلتَ الظمأ عقابا، بل سبيلا إلى ماء لا يُرى ...فاذا ما ادركناه .ادركنا الحقيقة .
في الافق البعيد يتحوّل السراب الى نهر ضوء...ويزهر العشب الأسود ...فيزهر بنجوم الندم . يهمس مولانا للمدى ويخاطب الندم :
_لقد وجدتُ التبر أخيرا ، ليس في الأرض، بل في الحنين .
هزّ المدى برأسه مغاليا :
_ والحنين ذهب لا يصدأ .
يلحّ السراب ...وتنطفىء القافلة من بعيد ، فتبقى الصحراءُ وحدها تصلي بصمت ...تُعلّمنا أن الطريقَ ليس إلى الأمام،
ليس الى الاعلى ولا ال. اسفل سافلين ...بل ان طريق الهداية الى دواخلنا ....
رحلة مولانا الصوفي ...عرّاب الصحراء ....." ابراهيم الكوني "
على كثب من رمال لا تعرف الرحمة، كان مولانا الصوفي يبحث عن تبر بريء لا تشوبه خطيئة البشر . فلم يجد امامه سوى حلم دفنته العصور ...خاض مولانا صحراءه آلاف المرات ...وعبثا صال وجال .جلس يتأمل جحود الصحراء ...فأجابته بسخاء : ابحث في نفسك ستجد تبرك المفقود الموعود ...التبر هو شوقك الأبدي لأن تعتلي الطين و تطأطئ للإله ...يتأمل مولانا حبل الصحراء .فيغدو عرّابها ...وتغدو بدورها نفساء على عباءة فيضه ....يفتتن بمولودها ويقول مندهشا :
_ ما أغربكِ أيتها الصحراء… كلما أعطيتِ، سرقتِ،
وكلما سرقتِ، أنعمتِ...!فهل السلبُ فيكِ هو العطاء؟ أم أن العطاء لا يكون إلا سلبا ؟!
ضحكت الريح، وهزّت أطراف السراب، كأنها تتهكّم على السؤال.
وأجابه الصدى من بعيد :
مولانا الواهم :
_ ما يلمع ليس ذهبا، و ماؤك يروي الاجساد ولا يروي الارواح .
تململ مولانا ...تلكّأ... غاص في صمت غريب .وفي تلك اللحظة، أدرك أن الصحراء ليست فراغا، بل مرآة للوجود...كلُّ حبّة رمل تشكّل حرفا، وكلّ نَفَسٍ يعبّر عن ريح، وكلّ سراب سؤالٌ يتيم.
ويجلس مولانا على عرش الفراغ ...فيصرخ :
_ يا ربَّ الرمال، ما خُلقتَنا لنسير، بل لنتوه .وما جعلتَ الظمأ عقابا، بل سبيلا إلى ماء لا يُرى ...فاذا ما ادركناه .ادركنا الحقيقة .
في الافق البعيد يتحوّل السراب الى نهر ضوء...ويزهر العشب الأسود ...فيزهر بنجوم الندم . يهمس مولانا للمدى ويخاطب الندم :
_لقد وجدتُ التبر أخيرا ، ليس في الأرض، بل في الحنين .
هزّ المدى برأسه مغاليا :
_ والحنين ذهب لا يصدأ .
يلحّ السراب ...وتنطفىء القافلة من بعيد ، فتبقى الصحراءُ وحدها تصلي بصمت ...تُعلّمنا أن الطريقَ ليس إلى الأمام،
ليس الى الاعلى ولا ال. اسفل سافلين ...بل ان طريق الهداية الى دواخلنا ....
رحلة مولانا الصوفي ...عرّاب الصحراء ....." ابراهيم الكوني "