عبد علي حسن - حرية التعبير... الضرورة والشرط الحضاري

تُعد حرية التعبير من أبرز الحقوق الأساسية التي نصّت عليها المواثيق الدولية، وأكدتها الدساتير الحديثة بوصفها حقًا طبيعيًا ملازمًا للإنسان ، وهي تعني قدرة الفرد على إبداء آرائه وأفكاره ومعتقداته بحرية، سواء بالكلمة أو الكتابة أو الفن أو أي وسيلة من وسائل التواصل، دون خوف من رقابة أو عقوبة غير مشروعة ، غير أن هذا الحق لا ينفصل عن مبدأ المسؤولية، إذ يُمارَس في إطار احترام القوانين، وحقوق الآخرين، والنظام العام ، فحرية التعبير ليست فوضى، وإنما هي آلية تتيح توازنًا بين حق الفرد في القول وحق المجتمع في صيانة كرامة أفراده .
وبما أن حرية التعبير شرط جوهري لازدهار الإبداع الإنساني ، فالمبدع سواء كان كاتبًا أو فنانًا أو مفكرًا لا يستطيع إنتاج نص أو لوحة أو رؤية فلسفية إذا كان محاطًا بالخوف والرقابة ، وان انفتاح الفضاء العام على حرية الرأي يمنح الأفراد ثقة بالنفس، ويحررهم من سطوة المنع والرقابة، فينطلق خيالهم نحو آفاق جديدة ، ولنا أن نتذكر أن أعظم الإنجازات الأدبية والفكرية في التاريخ ظهرت في بيئات منفتحة نسبيًا، حيث استطاع الأفراد التعبير عن رؤاهم بحرية. ومن دون هذه الحرية يتحول الإبداع إلى تكرار وترديد للمسموح به، لا إلى اكتشاف أو ابتكار .
ولاشك بأن المجتمع الذي يحترم حرية التعبير هو مجتمع حيّ، قادر على النقد الذاتي، وتجديد أنساقه الثقافية والسياسية ، فحرية التعبير لا تقتصر على منح الأفراد مجالًا للكلام، بل تسهم في تداول المعرفة وخلق فضاء من الحوار المستمر، وهو ما يؤدي إلى تقليص الفساد، وتعزيز الشفافية، وإرساء قواعد العدالة الاجتماعية. إن المجتمعات الديمقراطية لا تتطور إلا عبر أصوات متعددة، تعبّر عن رؤى مختلفة، ومن خلال هذا التعدد ينشأ التوازن والاستقرار.
وعلى النقيض من ذلك، فإن قمع حرية التعبير يؤدي إلى نتائج وخيمة على الفرد والمجتمع معًا. على المستوى الفردي، يولّد القمع الخوف والانكفاء، ويفضي إلى تهميش المبدعين أو هجرتهم. أما على المستوى المجتمعي، فإن إسكات الأصوات المختلفة يخلق بيئة أحادية مغلقة، تنتشر فيها ثقافة التملق والرقابة الذاتية، وتضعف فيها القدرة على الابتكار. كما يؤدي القمع السياسي والفكري إلى احتقان اجتماعي يمكن أن ينفجر في صورة عنف أو تطرف، لأن غياب الحرية يغلق قنوات الحوار السلمي، ويدفع الأفراد إلى البحث عن وسائل بديلة للتعبير قد تكون عنيفة أو غير مشروعة.
وفي المجتمعات العربية التي تشهد تحولا ديمقراطياً في نظام الحكم فإن المؤسسات الدستورية ، ولا سيما في العراق، فإن حرية التعبير تكتسب أهمية مضاعفة ، فهي من جهة شرط لتجاوز تراكمات عقود طويلة من الاستبداد والحروب، ومن جهة أخرى وسيلة لإرساء ممارسة ديمقراطية حقيقية بعد التحولات السياسية التي عرفها البلد فالعراق بلد متنوع دينيًا وقوميًا وثقافيًا، ولا يمكن أن تستقر بنيته الاجتماعية والسياسية إلا عبر الاعتراف بحق الجميع في التعبير عن رؤاهم بحرية. كما أن الإبداع العراقي – الأدبي والفني – لا يمكن أن ينهض دون فضاء مفتوح يُمكّن المبدع من مواجهة الواقع ونقده وتجاوزه.
وفي ظل التحديات الراهنة، من فساد إداري وصراعات سياسية وتدخلات خارجية، فإن حماية حرية التعبير تصبح أداة لمساءلة السلطة وكشف الانحرافات وتوجيه الرأي العام نحو الإصلاح. كذلك فإن الشباب العراقي الذي يستخدم منصات التواصل الاجتماعي ليعبر عن آرائه هو دليل على حيوية المجتمع، وعلى حاجته إلى فضاء آمن يكفل هذا الحق، بدلًا من التضييق الذي يعيد إنتاج أجواء القمع .
لذا فإن حرية التعبير ليست ترفًا أو شعارًا، بل هي شرط وجود لأي مجتمع يريد أن يتطور حضاريًا ، فهي تحرر الفرد من الخوف، وتطلق طاقاته الإبداعية، وتبني مجتمعًا أكثر شفافية وعدلًا ، بينما يقود قمعها إلى الانغلاق والفساد والاضطراب ، وفي السياق العربي والعراقي على وجه الخصوص، تمثل حرية التعبير صمام أمان ضد عودة الاستبداد، وركيزة لبناء دولة مدنية ديمقراطية تتسع لكل مكوناتها ، وجدير بالإشارة إلى أن المنصّات الرقمية ووسائل التواصل الإجتماعي قد أصبحت ادوات مهمة للتعبير عن الرأي ، إذ وفرت التكنولوجيا المعاصرة فرصاً جديدة للتعبير عن الٱراء ، خاصة للفئات المهمشة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...