نحلق هنا مع نص هو عبارة عن تجربة وجودية بالغة العمق تحفر في الوعي الإنساني كحفار في صخر اللامعنى
إذ يواجه الشاعر ذاته وجهاً لوجه داخل المرآة التي لم تعكس الملامح لكنها ضاعفت الغياب منذ السطر الأول (مغلق أنا مذ القطفة الأولى)
إذ أن المتكلم يعلن انغلاقه بوصفه قدراً له فهو لم يعلنه كقرار أبداً
فيصبح حينها الانغلاق كحالة كونية لاتتبع الذات وحدها إنما تمتد إلى (البحر والقلم والأرض) أي إلى رموز الخلق والمعنى والخصب التي وجدت نفسها (خارج النهار)
أي باتت في مدار العتمة الوجودية
ونلمس أن النص يتخذ منحاه الفلسفي حين يحول فكرة الكينونة إلى سؤال دائم يتوالد من رحم الصمت ف(كائن الطين ذو الأشواك) بعيداً عن إنه استعارة للإنسان فنعتمده أيضاً كصورة للوعي المعذب كما رغبه الناص
فهو إذاً الوعي الذي يرى ويعي لكنه (مسجون في أفكاره بلا شموس)
وبلا يقين ولا انفتاح نحو المعنى
فنرى من خلال ذلك تتجلى المفارقة الكبرى: أن الفكر ذاته أصبح قيداً
وأن الطريق إلى الخلاص يمر عبر الأسئلة التي لا إجابة لها
من ثم تتصاعد التجربة لتصل إلى لحظة مواجهة الذات في المرآة يقول: (مغلق أنا داخل المرآة أفكر فيما لست أعلمه)
فهذه الجملة المفصلية هنا تختزل المأزق الإنساني في أصفى صوره: أي البحث عن معرفة الذات في ما يتجاوز الذات
ومن وجهة نظرنا حين نمعن أكثر بالنص العميق يلفتنا فيه تناوب مفاهيم الوجود والوحدانية فهي في تداخل صوفي وفلسفي بحيث أن السؤال عن الكينونة ماعاد بحثاً عن هوية
فهو يحال للبحث عن المعنى في العدم فالصوت الذي (يسبح في الصمت الغابر) هو الوعي وقد استحال نغمة في الفراغ
فالنغمة لا تسمع لأنها خارج التجربة الحسية ومقيمة في الغيب
ويتكرر التناوب بين الداخل والخارج إضافة للمرآة والواقع في لعبة شعرية تعكس فكرة الانعكاس المستمر بتقنية عالية
فالخروج هو دخول وأيضاً كل محاولة للتحرر تنتهي إلى سجن جديد من الأسئلة
فنجد أن النص يتجسد بل يبني جدلية الغياب والحضور بوعي عال فالمتكلم (لم يكن شاهداً على الاحتدامات) لكنه (مشاهد من خلال ملاعب الأثر) أي أنه يعيش عبر صدى الوجود لا ذاته
بمعنى عبْر ما تبقى لاعبر ماكان
وهنا نلمح أثر الفلسفة
/الهايدغرية/ في النظر إلى الوجود كـ(إقامة في الأثر) بحيث أن الإنسان ليس هو الذي من يملك الحقيقة
إنما هو من يلقى في السؤال
وحين يعلن الشاعر القدير (ليس لي أن أمحو الأثر)
فهو يسلّم بتراجيديا الإنسان المعاصر:
أي العجز عن إعادة كتابة المصير
لذا يضع (لماذا فوق كيف)
فهو ينتقل من سؤال العلم إلى سؤال الوجود بحرفية سياقية عالية نعهدها بكل نصوصه
ومن الميكانيكي إلى الميتافيزيقي ليبني في (الأين أصفاره الكثيرة) والأصفار هنا ماهي بخواء اطلاقاً
بل امتلاء بالصفر الوجودي بالصمت الذي هو نواة المعنى قبل ولادته فالفلسفة الحياتية والمعرفية لدى الناص أخذت النص إلى مشهديته العالية
ففي المقطع الثالث يتخذ النص منحى رؤيوياً شفيفاً إذ يصبح الخروج من المرآة فعلاً صوفياً أشبه بالانبعاث لكن هذا الانبعاث لا يقود إلى نور نهائي بل إلى (أصفار) تتكاثر وإلى (تيهٍ يتنقّل بين التيه والتيه) هذه الدائرية الوجودية تمنح النص بعداً
/نيتشوياً / واضحاً حيث فلا فجر بعد الليل لكن هناك عودة أبدية للأسئلة ذاتها وهنا عمق الفكرة وفلسفتها
فلو تمعنا كذلك بالختام فنجد أن المفارقة تبلغ ذروتها الفلسفية: (ليس لي في الضوء رقم) فحتى النور / وهو رمز الكشف / لا يمنح للذات وجوداً قابلاً للقياس
لأن الفكرة ذاتها حين تُرى (عارية) تتحول إلى عاصفة داخل الوعي تهز (أشجار أبجد) وتولد من اللغة عالماً موازياً
وهنا تتبدى عبقرية الشاعر في تحويل التجربة الذهنية إلى صورة شعرية محسوسة كي تصبح اللغة تجسيد دراماتيكي نابض تتدلى أغصانه من محبرة الشعر
فالنهاية إذاً بموازاة الإفتتاح تغلق الدائرة الوجودية بصرخة مكثفة: (مغلق أنا داخل المرآة / مغلق أنا خارج المرآة)
لتؤكد أن الإنغلاق لم يكن موضعاً بل حالة كونية وأن (الميزان) الذي (يعلو بكل ناقص ويهبط بكل مكتمل) هو قانون الوجود المعكوس حيث النقص شرط الكمال والكمال بوابة السقوط
ولو تأملنا هذا النص الى جانب شعريته فهو رحلة أنطولوجية في متاهة الوعي يكتبها شاعر فيلسوف يدرك أن اللغة هي المرآة الوحيدة التي لا تغلق
نص يستحق القراءة ببطء وتروي لأن كل سطر فيه يتضمن طبقة من
/الميتافيزيقيا/ مغلفة بعصب الشعر وكل استعارة فيه تفتح باباً نحو سؤال أبعد من الفهم
إن هذه السياقية ل(مغلق أنا) إلى جانب كونها قصيدة بارعة نراها بيان وجودي لشاعر يقف على تخوم العقل والروح
وبين فيزياء الضوء ومجاز الظلمة باحثاً في ضباب الأنا عن خيط صغير من (نهاره الأول)
قصيدة مغايرة تتنفس الفلسفة وتكتب العزلة بلغة من نار وندى لمبدع فيلسوف مترع بنسيجه السايكلوجي والمكتنز بثقافة لاحد لفتنها العميقة وله فلسفة الفكرة
كل الود والتحايا
مرشدة جاويش
"النص"
مغلق أنا
مذ القطفة الأولى
والبحر والقلم والأرض خارج النهار !
كائن الطين ذو الأشواك والمرارات اللامعات
مسجوناً في أفكاره بلا شموس
من يفرج عن آهات طرقاته ؟
الإجابة غائبة عن بيت السؤال .....
مغلق أنا ؛ داخل المرآة
أفكر فيما لست أعلمه
أتخبط في وجود الوحدانية ووحدانية الوجود
صوتي في الصمت الغابر يسبح
ليس شيئاً في هناك تمسكه العين !
لم أكن شاهداً على الاحتدامات
كنت مشاهداً فقط من خلال " ملاعب " الأثر
استسلمت للغيب دون سؤال
فتركني أتأرجح في ظلمة الأصداء !!؟
ليس لي أن أمحو الأثر
إنما سأتوقف ثقيلاً عند أخر راية بيضاء
أضع لماذا فوق كيف وأبني في الأين أصفاري الكثيرة
لا شيء أنا في الظواهر المقروءة والمسموعة
فلتهنأ الأرض بأسرار السماء ....
مغلق أنا ؛ داخل المرآة
أستطيع عبر الدموع الطائرة السفر للسماء
اسأل ؛ إني عاصرت الرماد المارد
وضايفت الضباب في كل أيامي
كنت صديقاً وفياً للانكسارت الكثيرة
وشجرتي المائلة للانطفاء
تحمل ستين غصناً مظلما
فمتى تنجب الأرض نهاري الأول ؟
تحطمت أجنحة الدموع
فسقط السؤال مع الإجابة
في حكمة لا علم لي بخباياها !
بلا أسئلة بلا إجابات بلا أغصان
قررت أخيراً الخروج من المرآة
محملاً بالأصفار أتنقل من تيه إلى تيه
أبحث في تفاسير الضوء عن مفتاح الحكمة
لم أجد رقماً يؤاخي أصفاري
لا شيء ... لا شيء في العصوف
لم يزل لحن الحظ تائهاً عن مسمع الباب !
ليس لي في الضوء رقم
رغم أنني حينما ألمح فكرة عارية
أتعصف جداً .... وأظل أتعصف في رأسي
حتى تهتز أشجار أبجد وتتدلى بكامل أغصانها
بمحبرة شغوفة أقطف كل ثمار الضوء
وأجلس منفرداً في بحبوحة شعر
أصنع لها ثوباً من بروق القصيد
يسترها من عيون المحو ....
مغلق أنا ؛ داخل المرآة
مغلق أنا ؛ خارج المرآة
وليس على الميزان هدى
إنه يعلو بكل ناقص
ويهبط بكل مكتمل !!!!
محمدأبوعيد
إذ يواجه الشاعر ذاته وجهاً لوجه داخل المرآة التي لم تعكس الملامح لكنها ضاعفت الغياب منذ السطر الأول (مغلق أنا مذ القطفة الأولى)
إذ أن المتكلم يعلن انغلاقه بوصفه قدراً له فهو لم يعلنه كقرار أبداً
فيصبح حينها الانغلاق كحالة كونية لاتتبع الذات وحدها إنما تمتد إلى (البحر والقلم والأرض) أي إلى رموز الخلق والمعنى والخصب التي وجدت نفسها (خارج النهار)
أي باتت في مدار العتمة الوجودية
ونلمس أن النص يتخذ منحاه الفلسفي حين يحول فكرة الكينونة إلى سؤال دائم يتوالد من رحم الصمت ف(كائن الطين ذو الأشواك) بعيداً عن إنه استعارة للإنسان فنعتمده أيضاً كصورة للوعي المعذب كما رغبه الناص
فهو إذاً الوعي الذي يرى ويعي لكنه (مسجون في أفكاره بلا شموس)
وبلا يقين ولا انفتاح نحو المعنى
فنرى من خلال ذلك تتجلى المفارقة الكبرى: أن الفكر ذاته أصبح قيداً
وأن الطريق إلى الخلاص يمر عبر الأسئلة التي لا إجابة لها
من ثم تتصاعد التجربة لتصل إلى لحظة مواجهة الذات في المرآة يقول: (مغلق أنا داخل المرآة أفكر فيما لست أعلمه)
فهذه الجملة المفصلية هنا تختزل المأزق الإنساني في أصفى صوره: أي البحث عن معرفة الذات في ما يتجاوز الذات
ومن وجهة نظرنا حين نمعن أكثر بالنص العميق يلفتنا فيه تناوب مفاهيم الوجود والوحدانية فهي في تداخل صوفي وفلسفي بحيث أن السؤال عن الكينونة ماعاد بحثاً عن هوية
فهو يحال للبحث عن المعنى في العدم فالصوت الذي (يسبح في الصمت الغابر) هو الوعي وقد استحال نغمة في الفراغ
فالنغمة لا تسمع لأنها خارج التجربة الحسية ومقيمة في الغيب
ويتكرر التناوب بين الداخل والخارج إضافة للمرآة والواقع في لعبة شعرية تعكس فكرة الانعكاس المستمر بتقنية عالية
فالخروج هو دخول وأيضاً كل محاولة للتحرر تنتهي إلى سجن جديد من الأسئلة
فنجد أن النص يتجسد بل يبني جدلية الغياب والحضور بوعي عال فالمتكلم (لم يكن شاهداً على الاحتدامات) لكنه (مشاهد من خلال ملاعب الأثر) أي أنه يعيش عبر صدى الوجود لا ذاته
بمعنى عبْر ما تبقى لاعبر ماكان
وهنا نلمح أثر الفلسفة
/الهايدغرية/ في النظر إلى الوجود كـ(إقامة في الأثر) بحيث أن الإنسان ليس هو الذي من يملك الحقيقة
إنما هو من يلقى في السؤال
وحين يعلن الشاعر القدير (ليس لي أن أمحو الأثر)
فهو يسلّم بتراجيديا الإنسان المعاصر:
أي العجز عن إعادة كتابة المصير
لذا يضع (لماذا فوق كيف)
فهو ينتقل من سؤال العلم إلى سؤال الوجود بحرفية سياقية عالية نعهدها بكل نصوصه
ومن الميكانيكي إلى الميتافيزيقي ليبني في (الأين أصفاره الكثيرة) والأصفار هنا ماهي بخواء اطلاقاً
بل امتلاء بالصفر الوجودي بالصمت الذي هو نواة المعنى قبل ولادته فالفلسفة الحياتية والمعرفية لدى الناص أخذت النص إلى مشهديته العالية
ففي المقطع الثالث يتخذ النص منحى رؤيوياً شفيفاً إذ يصبح الخروج من المرآة فعلاً صوفياً أشبه بالانبعاث لكن هذا الانبعاث لا يقود إلى نور نهائي بل إلى (أصفار) تتكاثر وإلى (تيهٍ يتنقّل بين التيه والتيه) هذه الدائرية الوجودية تمنح النص بعداً
/نيتشوياً / واضحاً حيث فلا فجر بعد الليل لكن هناك عودة أبدية للأسئلة ذاتها وهنا عمق الفكرة وفلسفتها
فلو تمعنا كذلك بالختام فنجد أن المفارقة تبلغ ذروتها الفلسفية: (ليس لي في الضوء رقم) فحتى النور / وهو رمز الكشف / لا يمنح للذات وجوداً قابلاً للقياس
لأن الفكرة ذاتها حين تُرى (عارية) تتحول إلى عاصفة داخل الوعي تهز (أشجار أبجد) وتولد من اللغة عالماً موازياً
وهنا تتبدى عبقرية الشاعر في تحويل التجربة الذهنية إلى صورة شعرية محسوسة كي تصبح اللغة تجسيد دراماتيكي نابض تتدلى أغصانه من محبرة الشعر
فالنهاية إذاً بموازاة الإفتتاح تغلق الدائرة الوجودية بصرخة مكثفة: (مغلق أنا داخل المرآة / مغلق أنا خارج المرآة)
لتؤكد أن الإنغلاق لم يكن موضعاً بل حالة كونية وأن (الميزان) الذي (يعلو بكل ناقص ويهبط بكل مكتمل) هو قانون الوجود المعكوس حيث النقص شرط الكمال والكمال بوابة السقوط
ولو تأملنا هذا النص الى جانب شعريته فهو رحلة أنطولوجية في متاهة الوعي يكتبها شاعر فيلسوف يدرك أن اللغة هي المرآة الوحيدة التي لا تغلق
نص يستحق القراءة ببطء وتروي لأن كل سطر فيه يتضمن طبقة من
/الميتافيزيقيا/ مغلفة بعصب الشعر وكل استعارة فيه تفتح باباً نحو سؤال أبعد من الفهم
إن هذه السياقية ل(مغلق أنا) إلى جانب كونها قصيدة بارعة نراها بيان وجودي لشاعر يقف على تخوم العقل والروح
وبين فيزياء الضوء ومجاز الظلمة باحثاً في ضباب الأنا عن خيط صغير من (نهاره الأول)
قصيدة مغايرة تتنفس الفلسفة وتكتب العزلة بلغة من نار وندى لمبدع فيلسوف مترع بنسيجه السايكلوجي والمكتنز بثقافة لاحد لفتنها العميقة وله فلسفة الفكرة
كل الود والتحايا
مرشدة جاويش
"النص"
مغلق أنا
مذ القطفة الأولى
والبحر والقلم والأرض خارج النهار !
كائن الطين ذو الأشواك والمرارات اللامعات
مسجوناً في أفكاره بلا شموس
من يفرج عن آهات طرقاته ؟
الإجابة غائبة عن بيت السؤال .....
مغلق أنا ؛ داخل المرآة
أفكر فيما لست أعلمه
أتخبط في وجود الوحدانية ووحدانية الوجود
صوتي في الصمت الغابر يسبح
ليس شيئاً في هناك تمسكه العين !
لم أكن شاهداً على الاحتدامات
كنت مشاهداً فقط من خلال " ملاعب " الأثر
استسلمت للغيب دون سؤال
فتركني أتأرجح في ظلمة الأصداء !!؟
ليس لي أن أمحو الأثر
إنما سأتوقف ثقيلاً عند أخر راية بيضاء
أضع لماذا فوق كيف وأبني في الأين أصفاري الكثيرة
لا شيء أنا في الظواهر المقروءة والمسموعة
فلتهنأ الأرض بأسرار السماء ....
مغلق أنا ؛ داخل المرآة
أستطيع عبر الدموع الطائرة السفر للسماء
اسأل ؛ إني عاصرت الرماد المارد
وضايفت الضباب في كل أيامي
كنت صديقاً وفياً للانكسارت الكثيرة
وشجرتي المائلة للانطفاء
تحمل ستين غصناً مظلما
فمتى تنجب الأرض نهاري الأول ؟
تحطمت أجنحة الدموع
فسقط السؤال مع الإجابة
في حكمة لا علم لي بخباياها !
بلا أسئلة بلا إجابات بلا أغصان
قررت أخيراً الخروج من المرآة
محملاً بالأصفار أتنقل من تيه إلى تيه
أبحث في تفاسير الضوء عن مفتاح الحكمة
لم أجد رقماً يؤاخي أصفاري
لا شيء ... لا شيء في العصوف
لم يزل لحن الحظ تائهاً عن مسمع الباب !
ليس لي في الضوء رقم
رغم أنني حينما ألمح فكرة عارية
أتعصف جداً .... وأظل أتعصف في رأسي
حتى تهتز أشجار أبجد وتتدلى بكامل أغصانها
بمحبرة شغوفة أقطف كل ثمار الضوء
وأجلس منفرداً في بحبوحة شعر
أصنع لها ثوباً من بروق القصيد
يسترها من عيون المحو ....
مغلق أنا ؛ داخل المرآة
مغلق أنا ؛ خارج المرآة
وليس على الميزان هدى
إنه يعلو بكل ناقص
ويهبط بكل مكتمل !!!!
محمدأبوعيد