حسام الحداد - العدالة الإلهية بين النص القرآني والحديث النبوي: قراءة تداولية في جدلية الفردية والجماعية

تُعدّ مسألة العدالة الإلهية ومسؤولية الإنسان الفردية من القضايا المحورية التي شكّلت أساس التفكير العقدي والأخلاقي في الإسلام. فهي تمسّ جوهر العلاقة بين الإنسان وربه، وتحدّد طبيعة الجزاء الأخروي في ضوء مبدأٍ قرآنيٍّ صارمٍ لا لبس فيه: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، الذي يقرّر أن كل نفس مرهونة بعملها، وأن العدالة الإلهية لا تعرف النيابة أو التوريث في الذنب. غير أن المتأمل في بعض النصوص الحديثية الصحيحة يجد في ظاهرها ما يوحي بوجود نوع من “النيابة في الجزاء”، كما في الحديث الذي يذكر أن الله «يدفع إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا فيقول: هذا فكاكك من النار». هذا التباين الظاهري بين النص القرآني القطعي والحديث الظني يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل يمكن أن تتناقض العدالة الإلهية بين القرآن والحديث؟ أم أن وراء الخطاب النبوي مقاصد بلاغية وسياقات تداولية ترفع هذا التعارض الظاهري؟
تهدف هذه القراءة إلى معالجة هذا الإشكال من خلال المنهج التداولي النقدي الذي يربط النص بظروف إنتاجه وسياقه الاتصالي، من حيث المقام والمخاطب والغاية البلاغية. فالحديث النبوي ليس بنية لغوية مغلقة، بل فعل تواصلي يهدف إلى التأثير والإقناع وبث الطمأنينة في النفوس، خصوصًا في لحظات الضعف أو الابتلاء. ومن هنا، فإن الفهم الحرفي للنص دون استحضار مقام الخطاب يُفضي إلى سوء تأويل يظلم النص والرسالة معًا
ومن خلال المقارنة بين النص القرآني القطعي في دلالته ومبدأه الأخلاقي الثابت، وبين النص الحديثي الذي يتسم بالرمزية والمجاز والتعبير الوجداني، تسعى هذه الدراسة إلى إعادة بناء المعنى في ضوء مقاصد الخطاب النبوي. فليس المقصود أن الكافر يتحمل ذنب المؤمن، بل أن مشهد النجاة والهلاك يُعرض في صورة بلاغية تُظهر غلبة الرحمة على العدل، وتؤكد في الوقت نفسه أن عدل الله لا يظلم أحدًا.
إن القراءة التداولية هنا ليست مجرد تمرين لغوي، بل محاولة لاستعادة التوازن بين النص والمعنى، بين العدل والرحمة، وبين ظاهر القول ومقاصده، لتبيّن أن الإسلام قدّم تصورًا متكاملًا للجزاء الإلهي يقوم على المسؤولية الفردية والعدل المطلق، في انسجام تام بين القرآن والحديث إذا قُرئا في ضوء السياق والمقام.

الإطار العام للمسألة
تتمحور هذه الدراسة حول واحدة من أكثر القضايا حساسية في الفكر الإسلامي، وهي إشكالية العدالة الفردية والمسؤولية الجماعية في النصوص الدينية. فالقضية تتصل جوهريًا بفهم طبيعة الجزاء الأخروي ومبدأ "لا تزر وازرة وزر أخرى"، أي أن كل إنسان مسؤول عن عمله وحده، وأن الله تعالى لا يُعاقب أحدًا بذنب غيره، ولا يُثيب أحدًا بعمل غيره. هذا المبدأ يمثل قاعدة العدل الإلهي التي يقوم عليها التصور القرآني للجزاء، ويؤكد أن الحساب فردي لا جماعي، وأن المسؤولية الأخلاقية لا تنتقل من شخص إلى آخر.
يبرز هذا المبدأ بوضوح في عدد من الآيات القرآنية التي جاءت لتقطع أي التباس في فهم العدالة الإلهية، منها قوله تعالى:
{ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الإسراء: 15)،
وهي آية جامعة تؤسس للقاعدة الكلية التي تنفي المؤاخذة بالتبعية. ويعززها قوله تعالى:
{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم: 39)،
التي تؤكد على أن الثواب والعقاب مرهونان بعمل الإنسان وجهده لا بانتسابه أو انتمائه. ويأتي أيضًا قوله سبحانه:
{وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} (فاطر: 18)،
ليقطع أي تصور عن إمكانية انتقال الذنب بين الأفراد مهما كانت صلة القربى. كما يقول جل شأنه:
{كل نفس بما كسبت رهينة} (المدثر: 38)،
ليجعل من الرهن الأخروي رمزًا للعدالة الفردية التي لا يُفلت منها أحد.
في المقابل، نجد في بعض الأحاديث النبوية نصوصًا يظهر في ظاهرها تعارض مع هذا المفهوم القرآني الصارم. ومن أبرز هذه الأحاديث ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
"إذا كان يوم القيامة، دفع الله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار."
(رواه مسلم، رقم 2767).
وكذلك الحديث الآخر الذي جاء فيه:
"لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديًا أو نصرانيًا."
(رواه مسلم أيضًا في الموضع نفسه).
وعند النظر السطحي، يبدو أن هذه الأحاديث تفتح بابًا للتناقض الدلالي والتداولي، إذ تشير إلى نوع من "التبادل" أو "النيابة في العقوبة"، وكأن الله يعاقب غير المسلم عقابًا إضافيًا مقابل نجاة المسلم، وهو ما يتعارض ظاهريًا مع القاعدة القرآنية التي تحصر الجزاء في حدود السعي الفردي.
من هنا تتولد الإشكالية التي تسعى هذه الدراسة إلى تفكيكها: كيف يمكن التوفيق بين نصوص قرآنية قطعية الدلالة تؤكد على العدالة الفردية، وأحاديث صحيحة السند قد تُفهم على نحوٍ يوحي بالعقوبة الجماعية أو النيابة في الجزاء؟ الإجابة تتطلب قراءة سياقية تداولية تأخذ في الاعتبار مقام الخطاب النبوي ومقصده البلاغي، وتفرّق بين المعنى الحرفي الظاهر والمعنى المقصدي الذي ينسجم مع كليات العدل القرآني.

التحليل السياقي للنص القرآني
تكشف الآيات القرآنية الأربع محل الدراسة عن نسق متكامل في بناء مفهوم العدالة الإلهية، يقوم على مبدأ جوهري هو أن الإنسان لا يتحمل إلا نتائج أفعاله هو، وأن المسؤولية في المنظور القرآني شخصية فردية لا تمتد إلى غيره مهما كانت الروابط العائلية أو الاجتماعية. هذه الفكرة المركزية تُعد من القواعد الكلية التي تنتظم الرؤية القرآنية للجزاء الأخروي، وتعبّر عن عدل الله المطلق الذي لا يظلم أحدًا، إذ يقول تعالى:
{ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الإسراء: 15).
فهذه الآية تأتي في سياق تقرير مبدأ العدل الإلهي الذي ينفي تمامًا أي نوع من "النيابة في العقوبة"، لتؤكد أن كل إنسان سيحاسب على عمله وحده، دون أن يتحمل تبعات أو خطايا غيره، حتى ولو كان قريبًا منه أو من نفس الجماعة الدينية.
وفي قوله تعالى:
{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم: 39)،
تُعمّق الآية السابقة بإضافة بعدٍ عمليٍّ يرتبط بمفهوم "السعي" أي الجهد الشخصي المبذول في الحياة. فالآية تؤسس لقاعدة أخلاقية واضحة مفادها أن الجزاء، خيرًا كان أم شرًا، لا يرتبط بالانتماء أو الوراثة أو التبعية، بل بالعمل الفردي. ومن الناحية التداولية، يمكن القول إن هذه الآية تنسف التصور الجاهلي القديم الذي كان يرى في الانتماء القبلي أو الديني ضمانًا للخلاص، لتؤكد أن العلاقة بين الإنسان ومصيره الأخروي علاقة ذاتية خالصة، تُبنى على العمل لا على الهوية.
أما الآية الثالثة،
{وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} (فاطر: 18)،
فتأتي لتجسّد البعد الأخلاقي في العدالة القرآنية، إذ تُبرز استحالة نقل الإثم بين الأفراد حتى في أقوى الروابط الإنسانية، وهي رابطة القرابة. فمهما بلغ القرب، لا يمكن لأحد أن يتحمل عن غيره وزره أو يخفف عنه عبء خطاياه. ومن هنا يتضح أن الخطاب القرآني لا يكتفي بالتنظير للعدالة الإلهية في بعدها المجرد، بل يُدخلها في حقل السلوك الإنساني والأخلاقي، مؤكدًا أن كل فرد مسؤول عن قراراته وأفعاله دون وساطة أو تبرير.
وأخيرًا، تأتي الآية الرابعة:
{كل نفس بما كسبت رهينة} (المدثر: 38)،
لتُوجز هذا النسق القرآني في صيغة بليغة مكثفة، تجعل النفس الإنسانية "رهينة" بما كسبت من عمل. والرهن هنا استعارة تعني الارتباط التام بالمصير الذي صنعته الأفعال الذاتية، بما يُغلق الباب أمام أي تصور للنيابة أو التبادل في الجزاء. دلاليًا، تُظهر هذه الآيات أن مفهوم العدل الإلهي في القرآن مطلق وغير قابل للتجزئة، وأنها نصوص قطعية الثبوت والدلالة تشكّل مرجعية معيارية لأي حديث أو رواية تُعرض عليها، بحيث يكون القياس دائمًا لصالح مبدأ العدالة الفردية التي لا تقبل المساس.

التحليل التداولي للحديثين
يرد الحديثان محل الدراسة في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ويصوّران مشهدًا من مشاهد يوم القيامة بصيغة مثيرة للتأمل. ففي الرواية الأولى يقول النبي ﷺ:
"إذا كان يوم القيامة، دفع الله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا فيقول: هذا فكاكك من النار."
وفي الرواية الثانية:
"لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديًا أو نصرانيًا."
وعند القراءة الأولى، يبدو أن ظاهر النص يُشير إلى نوع من المبادلة في الجزاء، أي أن الله يُعاقب الكافر نيابة عن المسلم، فيدخله النار بدلاً منه. وهذا الفهم الحرفي يثير إشكالًا دلاليًا واضحًا، لأنه يتعارض مع مبدأ العدالة الفردية الذي قرره القرآن في آيات صريحة، منها قوله تعالى:
{ولا تزر وازرة وزر أخرى}،
أي أن أحدًا لا يحمل وزر غيره. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى قراءة تداولية تأويلية تضع الحديث في سياقه المقصدي لا في معناه الحرفي المجرد.
من منظور تداولي، أي من زاوية الخطاب ومقامه، كان النبي ﷺ يخاطب جماعة المؤمنين في زمنٍ كانوا فيه أقلية محاصَرة تتعرض للاضطهاد من اليهود والنصارى والمشركين. فجاء الخطاب في مقام التثبيت الإيماني، يحمل رسالة طمأنة للمسلمين بأن الله سينجيهم من النار ويرحمهم يوم القيامة، بينما سيكون مصير الكافرين الذين كفروا عن علم هو الهلاك. وعليه، فليس المقصود بالحديث تقرير مبدأ العدالة على نحو رياضي أو منطقي، بل بثّ يقين في قلوب المؤمنين بأن عدل الله ورحمته سيجعلان مصيرهم مغايرًا لمصير من كذبوا وكفروا. هذا المقام التداولي هو مفتاح الفهم الصحيح للحديث.
أما من حيث البنية اللغوية، فإن كلمة "فكاكك" الواردة في الحديث الأول ليست تعبيرًا عن مقايضة حقيقية أو معاملة عدلية قائمة على التعويض، بل هي استعارة بلاغية تعبّر عن المفارقة في المصير بين المؤمن والكافر. فالفكاك هنا لا يعني أن الكافر يحمل عن المسلم ذنوبه، بل أن المسلم ينجو من النار في الوقت الذي يدخلها الكافر بسبب كفره. وهذا التعبير شائع في اللغة العربية، كما نقول: "نجوتَ بفلان"، أي أن نجاتك كانت مقارنة بهلاكه، لا بسبب فعله. فالتعبير إذن يقوم على المقارنة الزمنية والمآلية لا على العلاقة السببية أو المعاوضة في الذنب والعقوبة.
وعلى هذا الأساس، فإن الحديثين لا يتعارضان مع القرآن إذا قرئا في ضوء المقصد التداولي والبلاغي. فالنبي ﷺ لم يقصد تقرير فكرة "النيابة في العذاب"، وإنما استخدم لغة رمزية مكثفة لتصوير رحمة الله بالمؤمنين وشدة عقابه للكافرين. الحديث إذن ليس نصًا تشريعيًا في العقيدة، بل خطاب إيماني يرسّخ معنى النجاة للمؤمنين ويعبّر عن عدل الله في توزيع الجزاء، حيث ينال كل إنسان ما يستحقه وفق سعيه واختياره. بهذا الفهم تسقط شبهة التناقض مع الآيات القرآنية، ويستعيد النص الحديثي انسجامه مع المبدأ الكلي للعدالة الإلهية.

القراءة النقدية المقارنة
يظهر مبدأ العدالة في القرآن الكريم بوصفه مبدأً فرديًا قائمًا على المسؤولية الشخصية، إذ يقول تعالى: "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، مؤكدًا أن الحساب الأخروي لا يتجاوز حدود الفعل الفردي والنية الخاصة بكل إنسان. أما في ظاهر بعض الأحاديث النبوية، فقد يبدو أن العدالة تأخذ منحى جماعيًا، كأن يتحمل بعض الناس وزر غيرهم أو تُنقل السيئة من شخص لآخر. غير أن القراءة النقدية التداولية تفرض علينا تجاوز الفهم الحرفي للنص الحديثي، والنظر إليه ضمن بنيته البلاغية ومقامه الخطابي، إذ إن النبي ﷺ كثيرًا ما استخدم الصورة المجازية والتعبير التحفيزي لا التشريعي، بغرض التربية والتوجيه لا الإلزام القانوني.
أما في ما يخص المسؤولية الأخلاقية، فإن القرآن الكريم يجعلها مسؤولية ذاتية محضة، فكل إنسان يُحاسَب على ما قدمت يداه. بينما يبدو الحديث، بظاهره، ناقلًا للوزر أو مثقلًا للآخرين بذنوب لم يرتكبوها. وهنا يبرز التحليل النقدي الذي يرى أن النقل الحرفي للحديث باطل دلاليًا وسياقيًا، لأن اللغة النبوية تقوم على البلاغة المقاصدية لا على التقرير القضائي. فالمعنى الحقيقي للحديث ليس تحميل الذنوب للآخرين، بل التحذير من نشر الفساد أو الدعوة إلى الضلال، لما لذلك من أثر متسلسل في المجتمع، فيتحمل الداعي تبعة فعله من جهة السبب لا من جهة النيابة الأخلاقية.
ومن زاوية انسجام النصوص، نجد أن النص القرآني يتميز بكونه قطعي الدلالة ومؤسسًا للمبدأ الكلي، بينما الأحاديث النبوية بطبيعتها ظنية الثبوت والمعنى، لأنها تعتمد على النقل والرواية. ومن ثمّ، فإن القاعدة الأصولية تقتضي ردّ الظني إلى القطعي، أي أن أي حديث يتعارض ظاهرُه مع المبدأ القرآني يُفهم تأويليًا أو مجازيًا، لا على ظاهره الحرفي. فالمعيار هنا هو الاتساق المنهجي بين النصوص في ضوء مقاصد الشريعة الكبرى، لا في حدود الألفاظ المنفصلة عن سياقاتها.
وأخيرًا، عند النظر إلى المقصد الإلهي، نجد أن القرآن يجمع بين العدل المطلق والرحمة الشاملة، ولا يمكن أن يتناقضا إلا إذا أُسيءَ فهم النص. فالله تعالى لا يظلم أحدًا، ورحمته سبقت غضبه. أما الحديث النبوي، فحين يُفهم في ضوء المقام التداولي، يتضح أنه خطاب ترغيب لا تقنين، غايته تثبيت الإيمان، وتنبيه المسلمين إلى عِظم مسؤولياتهم الأخلاقية والدعوية. وهكذا، فإن المنهج النقدي التداولي يبرز كيف تتكامل العدالة والرحمة في الخطاب النبوي، من خلال فهم المقام والنية والوظيفة البلاغية، لا عبر الاقتصار على ظاهر اللفظ.

التأويل التداولي (Pragmatic Reinterpretation)
ينطلق المنهج التداولي في قراءة النصوص الدينية من فكرة أن الخطاب لا يُفهم بمعزل عن سياقه التواصلي، أي عن العلاقة بين المتكلم والمخاطَب والظروف المحيطة بالقول. فالنبي ﷺ لم يكن يوجه أحاديثه إلى فراغ، بل إلى جمهور محدد من المسلمين الأوائل الذين عاشوا في ظروف قاسية من الاضطهاد والابتلاء، وكانوا في أمسّ الحاجة إلى رسائل طمأنينة وتثبيت. وبالتالي، فإن طبيعة الخطاب النبوي في تلك المرحلة كانت ذات طابع وجداني تعبوي، تستهدف إحياء الأمل وتعزيز الصبر والإيمان بوعد الله، لا سنّ أحكام تشريعية أو تقرير قواعد نهائية عن العدل الأخروي.
ومن هنا يتضح أن الغاية التواصلية من الحديث لم تكن تحديد آلية الجزاء والعقاب في الآخرة، بل كانت بثّ الطمأنينة في قلوب المؤمنين بأن الله لا يتركهم، وأن نهاية الصراع بين الإيمان والكفر محسومة إلهيًا لصالح المؤمنين. فالمعنى المقصود هو التوكيد على أن الله سيجازي كل فريق بعدله، فيُنجِي المؤمنين ويهلك الكافرين، مما يمنح المخاطبين شعورًا بالانتصار الأخلاقي رغم ما يواجهونه من ظلم في الدنيا. بهذا المعنى، يصبح الحديث أداة تواصل روحي تعيد بناء الثقة في العدل الإلهي، لا نصًا عقائديًا يتحدث عن نقل الأوزار بين الأفراد.
أما من حيث المقام البلاغي، فهو مقام ترغيب وتثبيت لا مقام تقرير عقيدة تفصيلية في الجزاء. فالنبي ﷺ استخدم الأسلوب المجازي لتقريب الفكرة إلى الأذهان، إذ شبّه نجاة المؤمنين وهلاك الكافرين بصورة توازنية توحي بأن عدل الله يعيد التوازن الكوني بين الإيمان والكفر. وهذه اللغة التصويرية شائعة في الخطاب النبوي، حيث تُستعمل الصور البلاغية لتقوية المعنى العاطفي والإيماني لا لتأسيس قضايا لاهوتية. ومن ثمّ فإن أي قراءة حرفية تُخرج النص من مجاله التداولي وتُحيله إلى تقريرٍ عقائدي جامد تُعدّ قراءة قاصرة.
وبناءً على هذا الفهم، فإن المعنى التداولي المحتمل للحديث هو أن المؤمن يُنجى من النار بعدل الله ورحمته، بينما يدخل الكافر النار بعدل الله فقط، فيتحقق بذلك التوازن بين الرحمة والعدل. وكأنّ دخول الكافر النار يُعَدّ ـ في المشهد الكلي ـ تحقيقًا لفكاك المؤمن من العذاب، لا بمعنى أن الكافر يحمل وزر المؤمن، بل بمعنى أن العدل الإلهي يُظهِر تمايز المصيرين ليؤكد أن الإيمان لا يذهب سُدى. وهكذا يقدّم المنهج التداولي قراءة تُعيد المعنى إلى وظيفته الأصلية: خطابًا يربط العدالة الإلهية بالرحمة، ويُخاطب الإنسان في لحظة الضعف لا في مقام الحساب التفصيلي.

الخلاصة
تؤكّد النصوص القرآنية بوضوح قاطع مبدأ العدالة الفردية في الثواب والعقاب، وهو من ثوابت التصور الإسلامي للجزاء الإلهي، لا يقبل النسخ ولا التبديل. فالآيات مثل قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ [الأنعام: 164]، و*﴿كل نفس بما كسبت رهينة﴾* [المدثر: 38]، ترسّخ قاعدة المسؤولية الذاتية، بحيث لا يتحمل أحد ذنب غيره، ولا يُجازى إلا بما عمل. وهذا المبدأ يشكل الأساس الأخلاقي للتكليف في الإسلام، إذ يُقيم العلاقة بين الإنسان وربه على العدل الدقيق لا على المصادفة أو التبادل.
أما الأحاديث التي يبدو ظاهرها مخالفًا لهذا الأصل، مثل قول النبي ﷺ: «لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه النار يهوديًا أو نصرانيًا»، فإنها لا تُفهم إلا من خلال المنهج التداولي الذي يقرأ النصوص في ضوء مقاماتها الخطابية لا في حدود لغتها الحرفية. فهذه الأحاديث صدرت في سياق تواصلي محدد، هدفه بث الطمأنينة للمؤمنين والتأكيد على انتصارهم الأخروي أمام ظلم الكافرين في الدنيا، لا تقرير مبدأ أن الكافر يتحمل وزر غيره. ومن ثمّ، فإن القراءة الحرفية تفقد النص وظيفته البلاغية وتحوّله إلى تقرير لاهوتي يناقض القرآن.
إن التنافي الظاهري بين القرآن والحديث هو في حقيقته نتاج قراءة نصوصية سطحية تُهمل مقاصد الخطاب. فالنص النبوي لا يمكن أن يُناقض النص القرآني، لأن كليهما يصدر عن الوحي، وإنما قد يختلف المقام والمقصد، فحين يكون القرآن تقريرًا للعقيدة، يكون الحديث أداة ترغيب أو تثبيت أو تصوير للمآل الأخروي في صورة مجازية. ومن هنا، فإن إدخال السياق التداولي والمخاطَب والمقام يعيد الانسجام بين النصوص، ويُظهر أن المقصود هو العدالة الرحيمة لا العدالة الانتقامية.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المنهج النقدي التداولي يحقق التوازن الضروري بين العدل والرحمة، وبين النص القرآني القطعي الثبوت والدلالة، والحديث النبوي الظني الثبوت أو الدلالة. فهو يعيد إلى النص الديني ديناميته الأصلية بوصفه فعلًا تواصليًا لا جملة مغلقة، ويكشف أن النبي ﷺ استخدم لغة رمزية تستوعب العاطفة والمجاز لتثبيت الإيمان لا لتغيير قواعد العدالة. وهكذا يتضح أن المقصد النبوي كان تأكيد التفاضل الأخروي بين المؤمن والكافر، لا نفي مبدأ العدالة الفردية الذي قرّره القرآن الكريم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...