إبراهيم محمود - تأنيث السرد؟ مجنون ليلى نموذجاً !




هل يمكن التلاعب بالسرد على هوانا؟ إنما أليس هذا الذي جعل للسرد هذا الحضور " الانفجاري "، كان يستجيب لهوى معين في نفسه وروحه؟ كيف يمكن للسرد، هذا الذي لا يخفي دراميته شرْطاً لاستمراريته، أن يقبل انقساماً في اسمه، ويحمَّل بألوان تمثيلاً لحيوات قائمة؟ أليست قابليته للانقسام والتكاثر، وللظهور في هيئات، ومراتب، وحضورات وغيابات مختلفة، هي التي رفعت من رصيده وأعلتْ مقامه؟
أوليس تأنيث السرد إمكاناً من ضمن لائحة إمكانات يتقبلها هذا المميّز باسفنجيته، وامتصاصها، رفعاً له من سقفه الدلالي ولاثَبات مفهومه؟ وفي الوقت نفسه، هل يمكن الاستخفاف بالسرد كقوة فاعلة في اللغة نفسها تلك التي نعبّر بها عما يعنينا في أقوالنا وأعمالنا، سرد يكون مفعولاً به في تسميتنا له، وفاعلاً فينا بوعينا واقعاً؟
هنا ينبري فاعل السرد هذا بكامل قوامه تصريحاً أو تلميحاً، أو بالتناوب، تبعاً لنسيجه الدلالي، حيث يمكن تعقّب المؤثر المضمر في تجليه بهذه الصيغة أو تلك، من خلال اللغة المعتمدة.
لنا في " مجنون ليلى " النموذج الحي، إنه السرد الذي يضخ كما يضج أنثويةً، ولو أن الفاعل الماثل أمامنا ذكريّ، وما يكون في السرد من حيازة قوة نافذة الأثر، أبعد مما يُسمّى، مترتباً على نوعية حياتنا المعيشة!

-1-
مجنون ليلي، ماذا قبْل؟ إنها حيلة السرد في المؤرَّخ له، ولعله مغايَر لمعطياته انطلاقاً من المتردَّد باسمه!
نادرٌ جداً بروز أحدهم معرَّفاً به، ويكون له صيت، وقوام تشكيلي كذلك وملهِم، من خلال اسمه، حيث تلعب الصفة أحياناً دور الكنية اللافت هنا. حال مجنون ليلى.. وربما هناك من لا يعرف أن " قيس بن الملوح " هو مجنونـ"ـنا " وأن ليلى العامرية، هي المقصودة هنا. سوى أن مأثرة الجنون الدوّامية بأثرها تضاء باسم علم مؤنث: ليلى. أليس ما يشبه تنسيب مجنون إلى ليلى خروجاً على " الإجماع " العرْفي مجتمعياً؟
أليس " مجنون " الذي استحال اسماً وهو توصيف لحالة مشخصة، إقصاء للاسم، تحت وطأة الاعتراف بأنه لم يعد أهلاً له، بما أنه فقد كل رابط به بما هو اجتماعي، أو مجتمع " العاقلين " في نطاق ثقافة متَّفق عليها؟ أليس " مجنون ليلى " في الحالة هذه، تعميقاً لما هو خارج عن المتداول، وخفضاً من قيمة المرأة، أو تعرية لسلطة رمزية " ذكورية " تلاشت جنوناً، والدال: الربط باسم مؤنث: ليلى؟
أي سرد يهيم على وجهه، إن نظِر في أمره نشأة وانتشار أثر، في ثنائية كهذه لها صدىً مدوّ، تحت وطأة فقدان " هوية مجتمعية " لا يمكن تجديدها، لأنه تكون لمرة واحدة؟
يمكن للسرد الذي يعرَف بوجوه كثيرة، أن يتطابق مع سارده، كما لو أنه منطوقه، أو يفارقه تفاعلاً مع مستجد مختلف، أو يلتقي فيه التصريح أو التلميح، أو هما معاً، حسب متغيرات الأحوال على صعيد الواقع.
في حال مجنون، لا يظهر أنه يمكن أن يخدعنا السرد بتداخلات وجوهه، أو يتلبسه غموض، فلا نستطيع مقاربته ومكاشفته، لأن الذي قدّم لنا من خلاله هو الذي يجعل السرد حاضراً بالكثير من القوى المتباينة وقد طرَحها في المآل الذي انتهى اسماً: قيس، وقد صار صفة: مجنوناً، ليس هذا فحسب، وإنما ما يضفي على العلاقة البينية من غواية تحرّي بنية المحرّك الدلالي لها: أنه مجنون ليلى، أن ليلى التي عاشت حياتها، مهما في وسع السرد أن يطنب عن وجعها الفنين تمثّل في هواها " القيسي " فارقته، لا نعدام أي تكافؤ يكفل التفاعل الاجتماعي، وعلى صعيد مجتمعي بالكامل، وليكون " مجنون " سردية كبرى لمجتمع تحت وطأة طقوسه يقيم هذا الفصل، وبغية تعميقه في اصول اجتماعية، ما على المجنون إلا أن يوهَب ما يبعده هو نفسه، وبذاته عن مجتمعه الذي ينتمي إليه.
مجنون، ولأن مجنون هنا، يأخذ السرد في عميق " ينبوعه " المتدفق خارجاً، دمغة ليلى وديعة مجتمعها وضحيته في آن، وليكون هو الضحية التي تموت ولم تدفن، ليكون في مقدور السرد الاستمرار، في تغريبة ما كان لها أن تكون لها قائمة لولا انعطافيتها الصادمة! أي حيث يكون المجنون مشخصاً ودونه !!

-2-
مجنون الذي هو قيس كان سبباً في ذيوع صيت ليلى هنا، لتصبح هي بالتالي سبباً في ذيون صيته مجنوناً. لقد حصل صدع كبير لا يردَم بينهما، وهو في اتساع دلالياً، حيث ماضيه لا ينفد دلالةً. لأن المجتمع يؤخَذ كلاً واحداً. وهو محمول بما يعرَف به في ذاكرته الجماعية التي تنكفىء على نفسها. والحب الذي هو قيمة اجتماعية’ وثمة حظر على التعرض له عبر ربطه باسم معين، كما في حال الغزل. إنه خرق يستوجب ردعاً، في شدته يتناسب وخاصية الخرض. وبما أن " قيس " أخرج ليلى، وأضاء صفحتها في ليل مجتمعه الحالك، فإن غزله الذي ميّزها بمثابة تعريض ذاكرة جماعية كاملة لاختلال التوازن، ليكون معرَّضاً لكل ما من شأنه انهياره الداخلي، وكأنه يعرض بالجميع، والثمن حياة كاملة. وأكثر من ذلك، فالجنون في الوضعية هذه موت تشهيري بحياة من شهَّر في مجتمع من خلال قيمة مركَّزة تعني الجميع، كما لو أن مجرد تلفظها ملامسة لجسدها، أي " تدنيس " الحضور المجتمعي فيها حيث لا تحسَب في مقام الواحد المتوقف عليها.
-3-
قيس الذي بات مجنوناً لم يخطىء في حساب العلاقة، ليكون السرد مأساوياً وموقِفاً الزمن في وساعة جرح يلتهب يتهدد كل من تسول له نفسه أن يتصرف على طريقة " قيس "، أراد قيس أن يبقى باسمه، كما هي ليلى، أن يؤرخ للحظة زمنية تكون بداية لتاريخ قادم، يمكن للحب كلمة السر الجامعة لكلمات كثيرة قيمياً تدور حولها، لقد أراد لحسابه أن يكون هندسياً في منظور المصدومين به، فكان ما كان:
وما تلفّظه خارجاً، إلا لأنه أراد خروجاً على ما هو قطيعي، وما جنونه إلا ترجمان حبه، أو بالنيابة عنه، فقولة مجنون هنا، ليست أكثر من حب، بات معروفاً بحامله ومعزّزه خارجاً، وبقدر ما يكون مجنون ضحية عقل مستبد متمحور على اسمه، عقل جماعي مطمئن إلى ذاكرته الجماعية بمحفّزاتها الطقوسية والشعائرية، ويخرَج من دائرة عقل الجماعة، تنباً للوثة يخشى جانبها، أي مخافة استحالتها عدوى تعصف بالمجتمع كاملاً، تكون ليلى، كما هي باسمها، حيث السرد ينعطف عليها، ضحية دون ضحية فعلية، إنما معذّبة بجرْح الاسم الذي بات يعرَف به مجنوناً، وهو " قيس "، وليكون تأنيث السرد حريقاً مستمراً لذاكرة تهوّل الجاري، تحسباً للمتخوَّف منه، كما تقدم، وبهذا، نجد أنفسنا أمام توترات في حركة السرد، تمثيلاً لمأساة لا تحيلنا على ماض ٍ فقط، وإنما لما تزل تضعنا في مواجهة آثارها التي تستمر، وبصيغ شتى هذه المرة، وفي مقدور المعني معاينة صنوف المجنون الاجتماعي، و" ليلى " وقد تنوعت وجوهها هنا وهناك !
-4-
ماالذي يؤخَذ به جرّاء تأنيث السرد، أو السرد الذي يتقدم بصفة تأنيث، أو كما نطرحه بالصفة هذه؟ لا يزال لدى مجنون الكثير ليبوح به " تمرده " الكشاف!
ثمة الكثير الذي لا يُنتبَه إليه، ماثلاً في سريان فعل الزمن الذي يتوقف عن أن يكون فعل حياة حقاً، بما أننا داخلون في حكمه" الزمن"، حيث إن الاسم " مجنون " بحضور معناه، يغيّر كلّياً في مبناه، ويحيل الاسم الذي كان " قيس " رحالة في بنية المعنى، وقد أخضِع لسرد يتكفل به الزمن الفاعل، ومن خلال مفهوم الحب الذي يقبل الحديث فيه، وتقليبه على وجوهه، في غياب زوجه: قيس- ليلى، جرّاء فعل موجه جماعياً، في حكْمه المبرم والقاضي بفسخ عقد كان عليه أن يوقَّع عليه، ضماناً لمجتمع يكون سوياً في الزمان والمكان، لنكون إزاء" مجنون " لا ينظَر في أمره إلا بوصفه حكية نسيها الزمن، لأنه افتقد شرط العقل المتَّفق عليه بمعيار مجتمعه، وأن ليلى التي سيقت في مقام ما كان منمطاً مجتمعياً، خارج الحب المتقدم بحيويته، باسم شخصي، لا تنفك تتابع مسيرتها على ألسنة من يصبحون أنفسهم ضحايا للحب، بالطريقة هذه. إن حباً يضحى به، ينتقم على طريقته، من ذاكرة جماعية معتدة بكونها مصانة أو محمية من عوادي الزمن، بتاريخ يتهددها على مدار الساعة.
إن " نظام الزمان " إن استعنّا بكتاب كريستوف بوميان يفيدنا في معرفة حقيقة الزمن والكم الوافر من أسمائه تعبيراً عن ثرائه في المجتمع، وتقليصه في اسم محدد، يقيَّد به الزمن، هو " تبويته: إيداعه في تابوت " يعاين بوصفه المجتمع الخامل/ المعطل La Communauté désœuvrée ، بتوصيف جان لوك نانسي، هذه المرة، أي حيث يتوقف فيه كل ما يصله بالحياة، بالثقافة بالحية، والحضارة المتشكلة في نطاقها.

-5-
مجنون ليلى ليس حكاية أصلاً، أي واقعة مختلفة، إنما إشعار بحياة، بمحضر ضبط له باع أخلاقي طويل لا يعمَل به كما يجب، جهة كائن إنساني أراد لقلبه أن يكون له صوته الفردي في مجتمع، محظور فيه الظهور بالطريقة هذه، مجتمع له من الذكورة النافحة الكثير، ليجعلنا نتصور فاجعته الكبرى المتمثلة في جعل المرأة دون اسم، وإن سمّيت، ففي نطاق ضيق.لكن هذا الضمير المستتر، لا يفوَّت، لأنه حفرية وجودية ماضية في فعلها، إنها وهي ممثَّلة في غياب موجه، تمارس فعلها في حضور يعايَن في مجتمع معطَّل .
مجنون، ليس الآخر الذي يفتقر إلى التسمية الفعلية، كفاعل مبني للمجهول، بقدْر ما يكبّر مفهوم " التعمية " القيمية، في حب يشكل شبكة قيم شاهدة على مدى حضور المجتمع وأهليته للحياة. مجنون الذي أصبح حباً دون وجود تجسيد له في المجتمع، وتبعاته الفعلية: إنسالاً، يعني في الحال أن ذلك لا يكون في مصلحة المجتمع، لأنه يموت تدريجياً، طالما أنه يتكتم على العنصر المؤثر كثيراً في مده بقوى الحياة المعتبَرة .
-6-
يذكرنا مجنون ليلي، بأورفيوس ويوريديس، هذه التي ماتت، وانتقلت إلى عالم الأموات، واستطاع بلوغها، بطريقة السحرية موسيقياً، لكن شغفه بها خالف الشرط المتفق عليه: ألّا يلتفت إليها حتى مسافة معينة جرى تحديدها، فيفقدها إلى الأبد. لعل " مجنون " أورفيوس من نوع آخر، وهو معروف بشعره موسيقا قلبه المتيَّم بليلاه، وليلاه في عهدة مجتمع ترفض انفتاحاً كهذه، فكان هذا العقاب .
يكون صوته، صوت شعره، مثل موسيقى أورفيوس متردداً بصداه هنا وهناك، مع كل من يعيش تجربة حب تتجاوب مع طبيعته الخاصة، حب شاهد على التعددية في المجتمع، حب لا يكون " عذرياً " وهو الاسم المفتقر إلى أي ضمان يجيز لأهليه الاستمرارية في الحياة كما هي الحياة الثرية، لأن العذرية تعني الانغلاق على زمان دائري، وقيمة منزوعة القوة التي تتكفل لها بالنماء، إنما هو الحب : الإيروس وليس الثاناتوس" ما يهدّم الحب كقوة حياتية "، وفي حب كهذا، يمكن للمجتمع أن يتابع مسيرته في التاريخ المحتفى به .
-7-
بما أننا موجودون في الزمان، فنحن نخضع لمؤثراته المختلفة. والسرد المعبّر عن خاصيته حركياً، ينفتح على قواه التي تكون داخلاً، وهو السرد الذي يتنوع بمساراته، وتأنيث السرد هنا، يبقينا على تماس مباشر مع الشاهد على حضوره لا غيابه، جهة المرأة، الأكثر تمثيلاً بما هو طبيعي. فيكون مجنون في كل الذي استشعره صوتها وهي في وضعية غياب، وارتحاله هائماً على وجهه في الصحراء، حيث لا أحد، إنما كل " أحد " لأن برّية كهذه تعرية للمجتمع الذي نبذه ليصبح هو نفسه منبوذاً جرّاء عنف يرتد عليه. مجنون سرد مؤنث، ويضخ قوة مرهوبة الجانب، بقدر ما نشهد اختلالاً في التوازن المجتمعي، وما ليلى التي أصبحت في ذمة آخر ليس أكثر من تسمية عددية لا خصوصية اجتماعية وقيمية لها، تحيلنا إلى حداد مجتمعي ميت دون أن يدَفن، ليعاين في الكارثة الذاتية جرّاء حب يمثَّل فيه .
-8-
لا زلت أتذكر ما كنت أسمعه وأتذكره من خلال جداتنا بالذات، عندما كنا ضغاراً، وفي ليالي الصيف، وهن يشرن إلى نجمتين تومضان في السماء، باسم: ليلى- مجنون ، هذه المرة. لا يهم السؤال حول حقيقة المسمّى عالياً، إنما الرمز المعبّر والذي يرينا مجتمعاً يشار إليه في شبكة علاقاته الاجتماعية والثقافية، في سرديته الحياتية الكبرى، لأن تينك النجمتين تعنيان عملياً شهادة صارخة بمجتمع معطَّل، مجتمع لا يمكنه الزعم أنه يمارس حياته ويسهم في بنائها سوياً، وقد أصبح في حكاية، والحكاية تعني أن المأمول في المجتمع مؤجَّل، طالما أنه- بالطريقة هذه- معطَّل. إن مرونتنا وانفتاحنا على السرد كمفهوم مركّب، يتيحان لنا رؤية الكثير عما نعيشه، ولا ننظر في حقيقته، حقيقة أن كلاً منا، بصورة ما أو باخرى، يتنفس داخلنا مجنون، يخشى البوح باسم ليلاه، لئلا يصبح مقيمَ صحراء ..!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...