علجية عيش.. الصراع اليوم هو صراع بين المثقف الحداثي و المثقف التقليدي

حول الباتولوجيا الفكرية .. يتجدد السؤال: هل المثقف غائبٌ أم مغيّبٌ؟

أثارت المشكلة الثقافية اهتمام كثير من المفكرين ، و ربطوها بمشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، و الحديث عن الثقافة و المثقف لا تزال موضع جدل، لإيجاد حل لجذور المشكلة الثقافية، إن مشكلة المثقف العربي بل أزمته عميقة عمق البحر ، و مسؤوليته عظيمة عظم ما في الكون، لكنه ركن إلى السلبية و جعل القضايا المصيرة التي تشغل بال الأمة "طابو" لا ينبغي الكشف عنها فسدّ أذنيه و أغمض عينيه و غلق فاه، فالتصقت به الآية الكريمة :
( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فهم لا يعقلون) الآية 171 من سورة البقرة
في هذا الكتاب تشخصي دقيق لواقع المثقف العربي و المشكلة الثقافية ، يمكن أن نسميها " الباتولوجية الفكرية" و أعراضها، صدر عن دار الأيام الأردن طبعة 2025 ، و سيكون حاضرا في الصالون الدولي للكتاب الجزائر ( سيلا 2025 ) فالمشكلة الثقافية ظهرت منذ العصر الروماني ، حين فرضت روما ثقافتها على المجتمع الأمازيغي ، و الصراعات الدموية التي دارت بين الأمازيغيين و القديس أوغسطين الذي أعلن عداءه للثقافة الأمازيغية نظرا لقربهم من التوحيد خلال الفتوحات الإسلامية ثم الصراع بين دعاة الاندماج و الوطنيين في مرحلة الاستعمار الفرنسي، فالمثقف هو الصُّورة الحيّة للأمّة و ارتباطه بالمجتمع، و احتكاكه بالواقع مربوط بهذه الأمة و لا يمكن الانفصال عنها ، إلا أن الواقع يعكس ذلك.

فغياب الفعل الثقافي في الساحة عرّى بعض المثقفين و المسؤولين على قطاع الثقافة ، و هذا الغياب انعكس سلبا على الطبقة المثقفة، إذ نراها في وادٍ و الجمهور في وادٍ آخر، ما يدفعنا إلى طرح السؤال التالي: هل المثقف مُغَيَّبٌ أم أنه غيَّبَ نفسه بنفسه؟، وماهي السبل تذكير الطبقة المثقفة بدورها في البناء و الإصلاح و إشعارها بمسؤوليتها العظمى التي يجب أن تتحملها أمام الأمة، و توجيه الجهود في مختلف التخصصات لمدّ جسور التعاون بين الطبقتين المثقفة و السياسية من أجل تحقيق البناء الحضاري، لاسيما و الصِّرَاعُ اليوم هو صِرَاعٌ بين المثقف التقليدي و المثقف الحداثي ، أي صراع بين (القديم و الحديث) ، هو طبعا صراع أفكار و صراع أشخاص و صراع أشياء، من ينتج أكثر، أي من يحقق الكم، و يمكن الوقوف على واقعنا بزيارة المكتبات العمومية، و الكم الهائل من الكتب المعروضة و في مختلف المجالات و لا نجد من يبحث عن الكتب الفكرية، هذا الكتاب الفكري الذي يعتبر الغذاء الروحي للإنسان، فلم يعد هناك اهتمام بالنوع و انعدمت المقروئية ، لأن الجميع يجري وراء المادة، و جمع المال، حتى في الملتقيات نجد القاعة شبه فارغة.

فالفكرة تأتي عن طريق الشخص، و الأشياء لا تأتي إلا بوجود الفكرة، الفكرة التي يبتكرها الباحث و المثقف و يطرحها للنقاش، و من الأفكار نشأت حرب المثقفين، ربما هي الأسباب التي أدت إلى نشوء الأزمة الثقافية في العالم العربي ، لأنه غالبا ما تكون علاقة المثقف بالمجتمع علاقة مجاملة، و كثير من المثقفين يثيرون إشكاليات و لا يقدمون لها الحلول، و هناك من يتلاعب بالكلمات، يوظف المفاهيم و المصطلحات ، و يطرح أسئلة لإثارة مشكلة و لذا فهو مطالب (أي المثقف) بأن يُعَمِّقَ دوره المؤثر في المجتمع ، و مطالب أيضا بأن يقرأ التاريخ ، و يوثق الأحداث و هكذا يتحرر من سلبيته و من التبعية.

فالواقع خلق أنواع و أصناف حيث يوجد المثقف المتفرج، المتشائم، الانتهازي، الوصولي الذي يستثمر في الأحداث لتحقيق غاية يريد الوصول إليها، و هو بذلك يختلف عن المثقف الفاعل الغيور على وطنه و شعبه و أمته و يسعى إلى التغيير، و هذه الفئة من المثقفين يشكلون روح الثورة و الطغيان و التمرد على السلطة، بينما نجد صنف آخر هو المثقف الهروبي وهو المثقف المتراجع، المثقف المستعدي، و المثقف الموالي و الإعتذاري ، و مثقفو السلاطين و الحكام ، و المثقف المستخفي و هو المثقف المجهول و المستغنى عنه اجتماعيا ، و هناك من سُمِّيَ بمثقف "الإنتلجانسيا" و المثقف "النرجسي" الذي يؤكد أسبقيته على الآخر.

الأسباب عديدة ، و هي تعود إلى سياسة التهميش التي كرست الرداءة، و غياب التواصل و الحوار بين المثقفين و المجتمع و حتى المسؤولين فلا رابط يجمعهما ، فلا ملتقيات و لا ندوات ، ناعدا معارض حول ثقافة البذون و الأزياء باسم التراث، و أهملوا جانبا مهما و هو " الفكر "، حتى الفكر فهو محصور في اسماء معدودة، مما أدى بالكثير من المثقفين وحاملي الأفكار إلى الهجرة خارج الوطن ليستفيد الغير من فكرهم و خبراتهم، و آخرون فضلوا الانطواء و العزلة ، و قد دأب مالك بن نبي في كتاباته أن يعطي صورة مثالية للمثقف ، فمثلا يقول في الفصل السابع من كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" تحت عنوان جدلية "الفكرة و الشيء"، أن للعالم الثقافي بنية (ديناميكية) تتوافق مظاهرها المتتالية مع علاقات متغيرة بين العناصر الثلاثة الحركية: ( الأشياء، الأشخاص و الأفكار)، و قد شكلت هذه العناصر الثلاثة عند مالك بن نبي ثورة، و هذه الثورة - كما يقول هو- هي في جوهرها عملية تغيير، غير أن لهذا التغيير أسلوبه و طبيعته، فأما الأسلوب فيتسم بالسرعة ليبقى منسجما مع التنسيق الثوري، لكن؟

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...