لم يعد من الممكن صرف النظر إلى الطفرات الأدبية ـ جماليًا وتقنيًا ـ التى ظهرت إثر اندماج اتجاهات النسوية ـ ولا أقول النساء ـ بالكتابة الأدبية، بمعنى أن النسوية بوصفها توجهًا ثقافياً وفكريًا، أصبحت تجد الكتابة الأدبية نشاطًا داعمًا وملهما للتعبير عن الكثير من قضايا وهواجس وهموم النساء في العالم.
بالتأكيد كان اللجوء النسوي إلى الكتابة الأدبية أقدم أشكال التعبير التي عكست وضعيات النساء وعبرت عن مشاعرهن. ولدينا ـ الآن ـ العديد من أشكال التعبير الفني والجمالي الجديدة التي أصبحت ميادين نسوية بامتياز، حتى ليجد الرجال صعوبة فى منافستهن فيها، وهى فى مجملها أشكال من التعبير الحركى التى تعرض عبر وسائط بصرية منها: السينما ، والمسرح، والرقص التعبيرى والراياضات الإيقاعية وغيرها.
وعموما فحضور المرأة المبدعة فى الأدب قديم، ومن يدرس تاريخ القيان والغناء العربي سيقف على نماذج مدهشة لنساء اشتهرن بالفصاحة واحترفن فنون العروض في الشعر والغناء والسرد، ولعل أشهر مهنة عربية للنساء هي الحكي التي تربعت شهرازاد على عرشه بلا منازع من جنس الرجال، غير أن النظرة التي كانت سائدة، أن ممارسة النساء العربيات لفنون القول لم تكن ذات هدف اجتماعي أو سياسي إلا فيما ندر، وكانت فى الأغلب منذورة لإمتاع الرجال، أما الآن فبعد أن امتلكت المرأة درجة من الوعي بذاتها، أصبح حكيها معبرًا عنها ومعلنًا عن رغباتهًا ، أى يخدم قضاياها ورغباتها، ومن ثم يأتي ضلوع الخطاب النسوي فى الخطاب الأدبي بمثابة إثراء للتجربة الأدبية، بحيث شكلت تيارًا جارفًا من التجديد تتساوى فيه أقلام الرجال مع النساء، حين تدخل في فضاء ثقافي وجمالي واحد، أكثر تحررًا من الشروط التقليدية .
كان الأدب قد خضع لتصورات ذكورية منذ وقت قديم ، وكان على النساء الأديبات أن يدخلن أنفسهن ضمن هذه التصورات، بل ويخضعن لشروطها التى قد تكون ـ هي في حد ذاتها ـ معوقة للتعبير النسوي، أو نافية لحق النساء في التعبير عن أنفسهن . لهذا فإن سعى النسويات الآن، إلى خلخلة هذه الشروط ، وإعادة النظر فى مثل هذه التصورات القديمة لهو أهم وأبرز رهانات الكتابة النسوية، ليس فقط على مستوى الموضوع الذي تتناوله الكاتبة، بل وعلى مستوى الشكل أيضًا، إذ يصبح التخلص من سلطة الشكل والثورة عليه بمثابة هدم لرمز التحريم ، أي.. كسر للتقاليد التي أدخلت النساء الحرملك، وهكذا فانفتاح الشكل على صور من التعبير الجمالي لم يكن من قبل مسموحًا لها بالتداخل، أو الوجود فى تجربة أدبية واحدة، بسبب إنفتاح الموضوع على مساحات من القول المسكوت عنه والبوح المحرم، فلم يكن ممكنا تناوله فى التجربة الأدبية، تمامًا كما لم يكن متاحًا لشهرزاد سوى الكلام المباح، فهو رهن بشرطان لازمان من شروط الكتابة النسوية .
كانت شهرزاد تسكت عن الكلام المباح حين ينام الأمير، كانت الحكاية هى تسلية الأمير حتى ينام، وظيفة أخرى من وظائف المرأة التى تبذلها لا فى خدمة نفسها بل فى خدمة الرجل، ومن ثم لم يكن مسموحًا لها سوى بالكلام المباح. أى الذى يقبله الرجل ويسعد الأمير حتى ينام، ويدخل في تلك الوظيفة القديمة، إمتاع الرجل وتأكيد سلطته، وتقوية وعيه بفحولته، وإلا فمسرور السياف واقف على باب غرفة النوم، وربما وراء السرير مباشرة. لهذا اتخذت الكاتبات العربيات من شهرزاد رمزًا لهن يذكّر الرجال بتاريخ القمع الذي عشنه على الأسرة وفى غرف النوم، على الرغم من أنها كانت آخر الأماكن التي يمكن للمرأة أن تعبر فيها عن ذاتها كأنثى.
من الطريف أن شهرزاد تتحول إلى رمز وعلامة على كل أنماط التهميش الثقافي، ليس فقط التى تمارس على النساء، بل أيضاً تلك التى تمارس على مجتمعات بأكملها كتلك التى تمارس على الأقليات العرقية والدينية ومجتمعات الزنوج والهنود الحمر في أمريكا.
وقد رأينا كيف انتهى هذا القمع المتمثل في الرجل الأبيض النبيل بشكل مطلق إلى نوع من الانفجار والغضب الذى عبرت عنه هذه الأقليات ـ فى فرنسا ـ بالثورة والتمرد المباشر فيما يعرف بثورة الضواحى.
تتحول شهرزاد فى رواية (شهرزاد على بحيرة جنيف) للأديب المصرى جميل عطية إبراهيم ، إلى رمز لحضور الثقافة العربية فى قلب المشهد الأروبي، فهى تأتي إلى جنيف، قلب أوربا النظيف اللامع ونموذجها البراق وموطن القيم السياسية والاقتصادية والقرارات الدولية المؤثرة فى مصير العالم. تأتى شهرزاد إلى جنيف بحكاياتها الخرافية، وأدواتها السحرية من مصابيح وقماقم لحبس الجن، وأبسطة تطير لتقلب حال أوروبا بحكاياتها القديمة، وتؤثر في ثقافتها، حتى لتجد كريستينا الأوربية ( بطلة الرواية ) نفسها وقد تبنت شهرزاد وتعاطفت معها وانبهرت بثقافتها ورددت حكاياتها . وبهذا فهى رواية تتبنى موقفًا جديدًا وجريئًا لكاتب عربي على مشارف السبعين، فرأى قضية الاختلاف الثقافى بين الشرق والغرب من منظور مختلف، ليس هو منظور الحائر المتردد الذي رأيناه عند توفيق الحكيم في ( عصفور من الشرق) وهو ليس المقهور المحتمي بهويته القديمة كما نجده عن الطيب صالح، وليس هو منظور المأزوم المغترب المنفي الذى نجده عند بهاء طاهر، أو مالك حداد، وبن جلون… وغيرهم ممن خاضوا تجربة الكتابة فى موضوع العلاقة بين الشرق والغرب. إنه منظور الراغب فى الاندماج بلا خوف، المتفاعل المؤثر بثقافته ويرغب بأن يسمع الدنيا حكاياته بلا خجل منها
إن شهرزاد الجديدة ترغب فى أن تحكي كلامها هي ، ترفض أن يحدد لها الأمير ما المباح وما غير المباح في الكلام، شهرزاد الجديدة لن تسكت حتى ينام الأمير، لن تقبل بأن يظل حكيها خافتًا مهدهدًا كمجرد وظيفة لتسليته، ستفرط في الكلام، ستؤرق نومه، ستثرثر وتجلجل وتصهل ليسمع صوتها العالم .
لهذا فإن كثيرًا من كتابات النساء تخرج إلى الوجود مصحوبة بصخب، يلفت الانتباه ويثير الخلافات لفترة، بل ويثير الكثير من الأسئلة التي تراجع مفهوم الإبداع الأدبي نفسه ووظيفته وشروطه، ثم أخيرًا تثيرـ من بين ما تثيرـ غيرة الرجال.
ولعلنا قد رأينا فى الفترة الأخيرة حجم التعليقات والكتابات التى أثيرت بمجرد تردد شائعة تقول بإن الكاتبة المصرية نوال السعداوى مرشحة لجائزة نوبل في الأدب فانطلقت الحناجر بين مؤيد ومعارض من النساء والرجال معًا.
والحقيقة أن ما نقصده بالرجال ـ هنا ـ ليس جنس الرجل في حد ذاته، بقدر ما أصبح يعبر عن جماعة من المتمسكين بتقاليد الثقافة المعهودة، سواء كانوا من الرجال أو النساء، فحتى بعد أكثر من مائة عام على انطلاق النسوية كحركة سياسية واجتماعية، مازال العالم محتشد بملايين المناهضين لها، المدفوعين بمخاوف من شطحات النساء، هذا الدافع ـ نفسه ـ يدعوا كثيرًا من الكاتبات المعروفات ذوات التجارب المحافظة إلى إنكار وجود الكتابة النسوية أصلاً. ويصدّرن مقولة إن الأدب هو الأدب لا جنس له، وهو رأى يجد مساندة ودعمًا ذكوريًا، ومن ثم فهو حل مريح يدفعنا إلى نوع من الكسل الفكري، ويعكس رغبتنا المطئنة في أن يبقى الحال على ماهو علية. وهكذا فإن حالات الصخب والاحتفاء بالكتابة النسوية، قد تصيبنا أحيانًا بالقلق تجاه مستقبل الكتابة، كما تصيب بعض الكتاب بالغيرةالأدبية التي تدفعهم ـ عادة ـ إلى تحريف الحوار الأدبي والثقافي والفكري حول الكتابة النسوية، إلى حوار أخلاقي أو ديني، على اعتبار أن الدين والأخلاق هي ميادين الحماية التى تضمن لهم انتصارًا ساحقاً.
فالدين والأخلاق و(التقاليد أحيانا) هى قيم وثوابت لايمكن الجدل حولها أو التشكيك فيها. فيما يمتلك المحتكم إليها قوة يصعب اختراقها، وعلينا في هذا السياق مراعاة أمرين :
ـ أن مساحات التفكير والتخييل الأدبي ( الكتابة الأدبية ) هي المساحات الأكثر مناسبة لحرية التعبير، بل والأكثر أمنًا، والأقل تعارضًا مع الشرائع والأديان لأنها لاتدخل بالضرورة حيز الفعل والممارسة، ولقد تمتع الأدب العربي في عصر الدولة العباسية ـ التى اشتهرت بنزعتها الدينية ـ بسقف عال من حرية التعبير. ليفهم الناس أهمية الفصل بين الحيوات الخاصة للمبدعين والأدباء ـ وقد كانوا في الأغلب فقهاء ورجال دينـ وبين ما يشطح به خيالهم، وما يظهر فى أدبهم من صور وتعبيرات حول الخمر أو النساء والغلمان وغير ذلك .
ـ أن الجدل الذى يثار حول هذه القضايا ليس جدلاً بين جنسين بالضرورة (جنس الرجال وجنس النساء) بل جدل بين نمطين من التفكير، نمط يرفع سقف الحرية فى التعبير إلى أقصى حد وآخر يخفضه إلى إدنى حد.
لهذا تجد أنصارًا من الجنسين لكل منهما، لكنه لايأخذ طابعًا عنصريًا يشطر المجتمع إلى نصفين متواجهين متناحرين، يسعى كل منهما لنفى الآخر. بل كثيرًا ما يأخذ طابع الطرافة والتهكم أكثر مما ينزع إلى الغضب والعنف.
وظنى أن هذا الجدل صحي، يجب أن يمارس فى إطار من الاحترام المتبادل باعتباره جدلاً بين نمطين من التفكير لكل منهما وجاهته وقناعاته.
إن استمرار الجدل على هذا النحو الصحي هو ما يمنح المجتمعات حيويتها وقابليتها للتطوير، أو بتعبير آخر هو علامة على أنها مجتمعات حية وليست متكلسة. ومن فوائد استمرار هذا الجدل أن كل منهما يكفكف من غلواء الآخر، فيخلق صيغة متوازنة للتعايش، لأن انفراد أي منهما بالحقيقة المطلقة يعني أحد أمرين: إما الدخول في حالات من الفوضى والعشوائية السلوكية. وإما الدخول فى حالات من التقوقع على الذات بحيث يدخل الفرد في غياهب مظلمة، ويعيش حالة مونولوجية لا تمكنه من التواصل مع أفراد مجتمعه.
من المهم أن لانضيق بمثل هذا الجدل، ومن المهم أن نحرص عليه ونمارسة على أساس من الاحترام المتبادل بوصفه جدل فكري وثقافي وليس حرب إباده يمارسها كل طرف على الآخر.
بالتأكيد كان اللجوء النسوي إلى الكتابة الأدبية أقدم أشكال التعبير التي عكست وضعيات النساء وعبرت عن مشاعرهن. ولدينا ـ الآن ـ العديد من أشكال التعبير الفني والجمالي الجديدة التي أصبحت ميادين نسوية بامتياز، حتى ليجد الرجال صعوبة فى منافستهن فيها، وهى فى مجملها أشكال من التعبير الحركى التى تعرض عبر وسائط بصرية منها: السينما ، والمسرح، والرقص التعبيرى والراياضات الإيقاعية وغيرها.
وعموما فحضور المرأة المبدعة فى الأدب قديم، ومن يدرس تاريخ القيان والغناء العربي سيقف على نماذج مدهشة لنساء اشتهرن بالفصاحة واحترفن فنون العروض في الشعر والغناء والسرد، ولعل أشهر مهنة عربية للنساء هي الحكي التي تربعت شهرازاد على عرشه بلا منازع من جنس الرجال، غير أن النظرة التي كانت سائدة، أن ممارسة النساء العربيات لفنون القول لم تكن ذات هدف اجتماعي أو سياسي إلا فيما ندر، وكانت فى الأغلب منذورة لإمتاع الرجال، أما الآن فبعد أن امتلكت المرأة درجة من الوعي بذاتها، أصبح حكيها معبرًا عنها ومعلنًا عن رغباتهًا ، أى يخدم قضاياها ورغباتها، ومن ثم يأتي ضلوع الخطاب النسوي فى الخطاب الأدبي بمثابة إثراء للتجربة الأدبية، بحيث شكلت تيارًا جارفًا من التجديد تتساوى فيه أقلام الرجال مع النساء، حين تدخل في فضاء ثقافي وجمالي واحد، أكثر تحررًا من الشروط التقليدية .
كان الأدب قد خضع لتصورات ذكورية منذ وقت قديم ، وكان على النساء الأديبات أن يدخلن أنفسهن ضمن هذه التصورات، بل ويخضعن لشروطها التى قد تكون ـ هي في حد ذاتها ـ معوقة للتعبير النسوي، أو نافية لحق النساء في التعبير عن أنفسهن . لهذا فإن سعى النسويات الآن، إلى خلخلة هذه الشروط ، وإعادة النظر فى مثل هذه التصورات القديمة لهو أهم وأبرز رهانات الكتابة النسوية، ليس فقط على مستوى الموضوع الذي تتناوله الكاتبة، بل وعلى مستوى الشكل أيضًا، إذ يصبح التخلص من سلطة الشكل والثورة عليه بمثابة هدم لرمز التحريم ، أي.. كسر للتقاليد التي أدخلت النساء الحرملك، وهكذا فانفتاح الشكل على صور من التعبير الجمالي لم يكن من قبل مسموحًا لها بالتداخل، أو الوجود فى تجربة أدبية واحدة، بسبب إنفتاح الموضوع على مساحات من القول المسكوت عنه والبوح المحرم، فلم يكن ممكنا تناوله فى التجربة الأدبية، تمامًا كما لم يكن متاحًا لشهرزاد سوى الكلام المباح، فهو رهن بشرطان لازمان من شروط الكتابة النسوية .
كانت شهرزاد تسكت عن الكلام المباح حين ينام الأمير، كانت الحكاية هى تسلية الأمير حتى ينام، وظيفة أخرى من وظائف المرأة التى تبذلها لا فى خدمة نفسها بل فى خدمة الرجل، ومن ثم لم يكن مسموحًا لها سوى بالكلام المباح. أى الذى يقبله الرجل ويسعد الأمير حتى ينام، ويدخل في تلك الوظيفة القديمة، إمتاع الرجل وتأكيد سلطته، وتقوية وعيه بفحولته، وإلا فمسرور السياف واقف على باب غرفة النوم، وربما وراء السرير مباشرة. لهذا اتخذت الكاتبات العربيات من شهرزاد رمزًا لهن يذكّر الرجال بتاريخ القمع الذي عشنه على الأسرة وفى غرف النوم، على الرغم من أنها كانت آخر الأماكن التي يمكن للمرأة أن تعبر فيها عن ذاتها كأنثى.
من الطريف أن شهرزاد تتحول إلى رمز وعلامة على كل أنماط التهميش الثقافي، ليس فقط التى تمارس على النساء، بل أيضاً تلك التى تمارس على مجتمعات بأكملها كتلك التى تمارس على الأقليات العرقية والدينية ومجتمعات الزنوج والهنود الحمر في أمريكا.
وقد رأينا كيف انتهى هذا القمع المتمثل في الرجل الأبيض النبيل بشكل مطلق إلى نوع من الانفجار والغضب الذى عبرت عنه هذه الأقليات ـ فى فرنسا ـ بالثورة والتمرد المباشر فيما يعرف بثورة الضواحى.
تتحول شهرزاد فى رواية (شهرزاد على بحيرة جنيف) للأديب المصرى جميل عطية إبراهيم ، إلى رمز لحضور الثقافة العربية فى قلب المشهد الأروبي، فهى تأتي إلى جنيف، قلب أوربا النظيف اللامع ونموذجها البراق وموطن القيم السياسية والاقتصادية والقرارات الدولية المؤثرة فى مصير العالم. تأتى شهرزاد إلى جنيف بحكاياتها الخرافية، وأدواتها السحرية من مصابيح وقماقم لحبس الجن، وأبسطة تطير لتقلب حال أوروبا بحكاياتها القديمة، وتؤثر في ثقافتها، حتى لتجد كريستينا الأوربية ( بطلة الرواية ) نفسها وقد تبنت شهرزاد وتعاطفت معها وانبهرت بثقافتها ورددت حكاياتها . وبهذا فهى رواية تتبنى موقفًا جديدًا وجريئًا لكاتب عربي على مشارف السبعين، فرأى قضية الاختلاف الثقافى بين الشرق والغرب من منظور مختلف، ليس هو منظور الحائر المتردد الذي رأيناه عند توفيق الحكيم في ( عصفور من الشرق) وهو ليس المقهور المحتمي بهويته القديمة كما نجده عن الطيب صالح، وليس هو منظور المأزوم المغترب المنفي الذى نجده عند بهاء طاهر، أو مالك حداد، وبن جلون… وغيرهم ممن خاضوا تجربة الكتابة فى موضوع العلاقة بين الشرق والغرب. إنه منظور الراغب فى الاندماج بلا خوف، المتفاعل المؤثر بثقافته ويرغب بأن يسمع الدنيا حكاياته بلا خجل منها
إن شهرزاد الجديدة ترغب فى أن تحكي كلامها هي ، ترفض أن يحدد لها الأمير ما المباح وما غير المباح في الكلام، شهرزاد الجديدة لن تسكت حتى ينام الأمير، لن تقبل بأن يظل حكيها خافتًا مهدهدًا كمجرد وظيفة لتسليته، ستفرط في الكلام، ستؤرق نومه، ستثرثر وتجلجل وتصهل ليسمع صوتها العالم .
لهذا فإن كثيرًا من كتابات النساء تخرج إلى الوجود مصحوبة بصخب، يلفت الانتباه ويثير الخلافات لفترة، بل ويثير الكثير من الأسئلة التي تراجع مفهوم الإبداع الأدبي نفسه ووظيفته وشروطه، ثم أخيرًا تثيرـ من بين ما تثيرـ غيرة الرجال.
ولعلنا قد رأينا فى الفترة الأخيرة حجم التعليقات والكتابات التى أثيرت بمجرد تردد شائعة تقول بإن الكاتبة المصرية نوال السعداوى مرشحة لجائزة نوبل في الأدب فانطلقت الحناجر بين مؤيد ومعارض من النساء والرجال معًا.
والحقيقة أن ما نقصده بالرجال ـ هنا ـ ليس جنس الرجل في حد ذاته، بقدر ما أصبح يعبر عن جماعة من المتمسكين بتقاليد الثقافة المعهودة، سواء كانوا من الرجال أو النساء، فحتى بعد أكثر من مائة عام على انطلاق النسوية كحركة سياسية واجتماعية، مازال العالم محتشد بملايين المناهضين لها، المدفوعين بمخاوف من شطحات النساء، هذا الدافع ـ نفسه ـ يدعوا كثيرًا من الكاتبات المعروفات ذوات التجارب المحافظة إلى إنكار وجود الكتابة النسوية أصلاً. ويصدّرن مقولة إن الأدب هو الأدب لا جنس له، وهو رأى يجد مساندة ودعمًا ذكوريًا، ومن ثم فهو حل مريح يدفعنا إلى نوع من الكسل الفكري، ويعكس رغبتنا المطئنة في أن يبقى الحال على ماهو علية. وهكذا فإن حالات الصخب والاحتفاء بالكتابة النسوية، قد تصيبنا أحيانًا بالقلق تجاه مستقبل الكتابة، كما تصيب بعض الكتاب بالغيرةالأدبية التي تدفعهم ـ عادة ـ إلى تحريف الحوار الأدبي والثقافي والفكري حول الكتابة النسوية، إلى حوار أخلاقي أو ديني، على اعتبار أن الدين والأخلاق هي ميادين الحماية التى تضمن لهم انتصارًا ساحقاً.
فالدين والأخلاق و(التقاليد أحيانا) هى قيم وثوابت لايمكن الجدل حولها أو التشكيك فيها. فيما يمتلك المحتكم إليها قوة يصعب اختراقها، وعلينا في هذا السياق مراعاة أمرين :
ـ أن مساحات التفكير والتخييل الأدبي ( الكتابة الأدبية ) هي المساحات الأكثر مناسبة لحرية التعبير، بل والأكثر أمنًا، والأقل تعارضًا مع الشرائع والأديان لأنها لاتدخل بالضرورة حيز الفعل والممارسة، ولقد تمتع الأدب العربي في عصر الدولة العباسية ـ التى اشتهرت بنزعتها الدينية ـ بسقف عال من حرية التعبير. ليفهم الناس أهمية الفصل بين الحيوات الخاصة للمبدعين والأدباء ـ وقد كانوا في الأغلب فقهاء ورجال دينـ وبين ما يشطح به خيالهم، وما يظهر فى أدبهم من صور وتعبيرات حول الخمر أو النساء والغلمان وغير ذلك .
ـ أن الجدل الذى يثار حول هذه القضايا ليس جدلاً بين جنسين بالضرورة (جنس الرجال وجنس النساء) بل جدل بين نمطين من التفكير، نمط يرفع سقف الحرية فى التعبير إلى أقصى حد وآخر يخفضه إلى إدنى حد.
لهذا تجد أنصارًا من الجنسين لكل منهما، لكنه لايأخذ طابعًا عنصريًا يشطر المجتمع إلى نصفين متواجهين متناحرين، يسعى كل منهما لنفى الآخر. بل كثيرًا ما يأخذ طابع الطرافة والتهكم أكثر مما ينزع إلى الغضب والعنف.
وظنى أن هذا الجدل صحي، يجب أن يمارس فى إطار من الاحترام المتبادل باعتباره جدلاً بين نمطين من التفكير لكل منهما وجاهته وقناعاته.
إن استمرار الجدل على هذا النحو الصحي هو ما يمنح المجتمعات حيويتها وقابليتها للتطوير، أو بتعبير آخر هو علامة على أنها مجتمعات حية وليست متكلسة. ومن فوائد استمرار هذا الجدل أن كل منهما يكفكف من غلواء الآخر، فيخلق صيغة متوازنة للتعايش، لأن انفراد أي منهما بالحقيقة المطلقة يعني أحد أمرين: إما الدخول في حالات من الفوضى والعشوائية السلوكية. وإما الدخول فى حالات من التقوقع على الذات بحيث يدخل الفرد في غياهب مظلمة، ويعيش حالة مونولوجية لا تمكنه من التواصل مع أفراد مجتمعه.
من المهم أن لانضيق بمثل هذا الجدل، ومن المهم أن نحرص عليه ونمارسة على أساس من الاحترام المتبادل بوصفه جدل فكري وثقافي وليس حرب إباده يمارسها كل طرف على الآخر.