محمد بشكار - أكتب وأنا بريء مما أكتب..!

أكتب دون أن أعرف ماذا ستجرُّ عليَّ الكتابة من ذيول خائبة أو فتائل ملغومة، قد تنفجر بالكراهية المجانية في أنفس أضيق من سِمِّ إبرة؛ لأنها اعتادت تلكم القراءة التي لا تتجاوز قبعة منشورة على سطح الرأس..!

أكتب في الأدب أو الثقافة طُرًّا، بمنتهى الأدب، دون أن أعني أحدا؛ ولأن الكتابة لعبٌ باللغة قد تطيش بكناية أو استعارة أو عكاز مجاز، فإني أُفاجأ ببعض الأنفس قد انفلقت لإيحاءاتها جراحاً؛ ولا يسعني إلا الجزم إن الكاتب بِحَدِّ السخرية الأشدّ مضاء ومضاضة، أشبه بالطفل الذي يلعب بالحجارة، فيبدأ بِشجِّ رأسه قبل أن تصل رُجُومه إلى الآخرين..!



أكتب على هذا النَّوْل المتوتر الذي يجعل الورقة تتألم سلخاً تحت شفرة القلم، ليس لأنسج بالكتابة زربية موشّاة وثيرة كالتي تدبجها بابتذالية، التقارير اليومية المُملاة من وكالات الأنباء، والتي يستظهر الناس أفكارها المتثائبة في المقاهي عن ظهر جريدة..!

أكتب من مسافة هذا الإنزياح الماكر، لأني أخشى على المعاني وهي تركب الأسطر الحرونة، أن يرفسها قطيع بقر الكلمات السائدة والمتشابهة، وبدل أن تترصَّع وتسطع كاللؤلؤ والذهب في الأفئدة، تصير غباراً منثوراً..!

أكتب بكل ما أوتيتُ من عنف لغوي، حتى لأكاد وأنا أُسمِّر مِجَسَّ هذه اللغة في صدر الواقع، أنتزع القلب من مكانه حيث هو كالميت مدفونٌ، عساني أعيد للحياة بعض الشعورات الإنسانية، ولا أخشى أن يتهمني سوء الفهم بالكراهية ما دامت تكتنف حبّاً في تغيير هذا الواقع..!

أكتب لأني أستمرئ لذة الإستيهام الذي حين لا يقول شيئاً، فإنه في قرارة الإبداع، يقول كل شيء لا يخطر على تخييل..!

أكتب عن ظاهرة غفيرة، فيُصاب إنسان واحد، والأليم أن يكون صديقاً أفقده مدى الكتابة..!

أكتب وأنا بريء مما أكتب، حتى لو ضرَّج دم الحبر يدي؛ فأنقذونا من سوء التقدير الذي ينطلق من مضمرات اللغة دون نحوٍ أو إعراب..!

(افتتاحية ملحق "العلم الثقافي" 2014/5/29)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...