سعيد گنيش - الاحتجاجات الشبابية المغربية اليوم إلى أين؟

الاحتجاجات التي عمت شوارع المدن المغربية تمت، في البداية بمبادرة من مجموعة تدعى "مجموعة جيل Z 212 "، حيث تنادت للتظاهر في الشارع عبر المنصة الرقمية ديسكورد، يومي 27 و28 من شهر سبتمبر2025.
بسرعة تجاوزت الاحداث هذا الموعد، وتواصلت الاحتجاجات وتوسعت جغرافيا في كل جهات البلد طوال أسبوعين، ليصبح الموقف هو احتلال الشوارع كساحة للمواجهة مع قوات القمع واسماع المتظاهرين مطالبهم.
لقد اتخذت الاحتجاجات الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي في التعبئة والتنسيق التنظيمي. وعلى احتلال الشارع والساحات العامة وتنظيم المسيرات الليلية أسلوبا نضاليا للمتظاهرين من الشباب.
رفعوا مطالب شعبية مباشرة تخص توفير الصحة والتعليم للعموم مجانا، ومحاربة نهب المال العام ومحاسبة المسؤولين الفاسدين، وهي الشعارات الأساسية التي أطرت هذه الاحتجاجات.
كالمعتاد جوبهت الاحتجاجات المذكورة بالقمع القاسي والاعتقال والمحاكمات السريعة. وفي مدن محددة تعرض المحتجون لإطلاق الرصاص الحي، أدى إلى قتل ثلاثة مواطنين أحدهم طفلا (مدينة القليعة ضواحي مدينة أكادير جنوب المغرب). والتعرض للدهس بسيارة الشرطة، أسفر عن إصابات جسدية خطيرة لمواطنين (في مدينة وجدة شرق المغرب).
لقد تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورا حية لهذه الأحداث الخطيرة، وأسقط في يد السلطات المتورطة، وأصبح التغاضي عن هذه الجرائم من طرف السلطة القضائية وعدم متابعة المسؤولين المباشرين عنها، تعد جريمة أخرى تضاف إلى لوائح الإفلات من العقاب وانكار تطبيق القانون.
ظلت الأجهزة الامنية تمارس سياسة الاخضاع الدائم باسم حماية القانون والنظام، وتمنع الاحتجاجات والتجمعات الشعبية في الشارع أو الساحات العامة سواء كانت ذات توجه سلمي منظم، أو عنف عفوي يعبر عن مخزون القهر المتراكم لدى الطبقات الشعبية.
لذلك فإن نهج الاخضاع بالعنف الدائم والمباشر للطبقات الشعبية، يعتبر ثابتا لدى أجهزة الأمن الدولتية، يصل أحيانا إلى القمع الأسود والقتل الجماعي في الانتفاضات الشعبية العفوية.
لقد تولد عن ممارسة الاخضاع الدائم حالة حصار دائمة Etat de siège Permanent /، وهي التعبير الملموس عن الحرب الطبقية التي تشنها الأقلية المسيطرة ضد الأغلبية الشعبية، وتكاد تكون هذه الحرب من طرف واحد.
الاحتجاجات الشبابية المغربية لما انطلقت وبدأ يتوسع زخمها، أدرك كل من له حس نضالي مقاوم، أنها يمكن أن تدفع الطبقات الشعبية العاملة التي تشكل الأغلبية إلى النهوض، ومسح الغشاوة التي تضلل بصيرتها، والالتحام والانتظام مع المتظاهرين في الشارع الذين هم أبنائها وبناتها ورفع سقف المطالب الشعبية. أو الاحتواء والركوب وخصي جدوتها النضالية بالأوهام الليبرالية في ظل سيادة الاختراق والثورات الملونة.
الجواب جاء من خلال قرار توقيف أو تعليق الاحتجاجات والمسيرات الشبابية والمواجهات مع قوات الأمن لمدة أسبوع. ومثل خطوة تراجعية للوراء. المعطيات المتوفرة توحي بأنه قرار داخلي اتخذ من أصحاب المبادرة المسماة "مجموعة جيل Z 212 ".
توقيف الاحتجاجات مقابل لا شيء وهي في بداية الطريق. إنه أول امتحان تخضع له الحركة في أول منعطف.
توقف حركة النضالات في الشارع سمح بالتقاط أجهزة الامن لأنفاسها بعد أسبوعين من المواجهة، أما حملة الاعتقالات فقد تواصلت بشكل مركز. وصدرت الأحكام الجاهزة بقسوة وسرعة على المعتقلين المتهمين.
توقفت حركة الاحتجاج في الشارع وتركت مكانها للعديد من الأسئلة المعلقة.
- ما هي مبررات هذا التراجع؟
- لماذا ارتدت «مجموعة جيل Z 212 "، ثوب العمل السياسوي الحزبي المناقض للنضال الشعبي عندما قامت بصياغة رسالة موجهة لرأس النظام وسقطت في شراك الانتظار؟ مع العلم أنها تدعي نبذ هذا اللون من العمل الحزبي.
- هل لا زالت تملك استقلالية قرارها كما تدعي؟كيف سيكون وزن هذه المجموعة في الشارع غدا؟ فمن يرفع المطالب لابد أن يعرف إلى من توجه اليه .
بداية القول هو :
لسنا في صراع أجيال مجتمعي وهذا منطق زائف تماما، تروج له أبواق الاعلام الداخلية الرسمية والخارجية وأذنابهما.
نعم هناك اختلاف في التجارب حسب المراحل. لكن الصراع المجتمعي الرئيسي قاعدته دوما هي المصالح المادية التي تقسم المجتمع إلى قوى طبقية متناحرة ومتناقضة، ويخترق كل المستويات العمرية والجنسية، حتى الشرائح الشبابية.
إن هذا المنطق الزائف يريد أن ينشر الوهم، أن هناك بداية من الصفر وقطيعة بين الأجيال، وأن الجديد يأتي بلا ذاكرة وتاريخ نضاليين، وهما أساس لكل بناء تراكمي في الوعي التحرري.
من يتوهم أنه يبدأ تجربته من الصفر فهو لا محالة ساقط عند أول منعطف أو امتحان، وسيكون بلا جدور أو ذاكرة نضالية حية، وحتما سيكون بلا بوصلة وسيؤدي الثمن كبيرا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...