د. عادل جودة - (قصيدة خارج مسطرة الشعر.)

(قصيدة خارج مسطرة الشعر.)


سنينا على منضدتي اضع كرسيين لكما
في الليالي المطيرة
في الهزيع الذي يتعملق فيه القلق
حين تنشب بي انياب الفراغ
حين يصعب عليهم قراءتي
حين تطبق الوحدة كحجر ثقيل
تحرق لوحاتك لتكسب الدفيء
تتركهم جمهرة بمنزلك وتذهب اليه
للصديق الاشد احتداما معك
وانت الذي كلما بلغت دائرة شغلتهم عبرتها لدائرة اخرى
فمن سيجاري سلسلة لا تحد ...
حين اكتشفت الاقنعة،اكتشف ضخامة الاجساد..
وحين هويت بزرقتك،ابتكر جمال الزخرفة الشرقي. ..
لا احد سواكما سيغور بروح الفن فيما ابتكرتما..
انتما طرفة سنة 1905
( وافردت افراد البعير المعبد)،
وانت يا ماتيس كيف استعرت الصمم وهم يبتكرون ( الوحشية) نعتا للجمال
وانت يا بيكاسو كيف تحملتهم وهم يفزعون او يستخفون باقنعتك الافريقية
حتى اقرب اصدقائك.
نصف قرن مضى وانا اضع لكما كرسيين ،واحاور الفراغ
الفراغ الذي يكنزه المعنى وتتوجه الارادة.
وانت في السبعين حيث يتكئ اترابك على العصي ،تقف ليلا ساعات لتبتكر الفن العبقري ، فيما يغطون بنوم عميق.
فهل انتصرت على الضجر
هل تمكنت من تكليس خطوات الموت
هل حجّمت القبح يا بيكاسو
كان ماتيس يحبك ويخشى منك
فنظراتك تمتص ما يبتكر
وتمضي ترشحه وتعيد صهره فيكون لك وحدك..
صداقة ملغمة وفي اسمى درجات الانسجام.
العظمة ان يكون الفنان واثقا وسري الجنون...
العظمة ان يرونه بسيطا وروحه بركان
العظمة ان يجتاز الاسوار، وشبح الموت، وما ينعتون..
العظمة بتحوله اليومي والموسومي ...
العظمة ان يعبر اسوار الحزن ويكون وفيا لصديقه القلق.
بعدها يكون نبيا يستقطب الجموع.
2025

-------------



نقد بقلم د. عادل جودة



في قصيدته "قصيدة خارج مسطرة الشعر"، ينسج الشاعر كاظم حسن سعيد حواراً وجودياً مع عملاقي الفن الحديث بيكاسو وماتيس، محولاً المنضدة الشخصية إلى فضاء رمزي للقاء يتجاوز حدود الزمن والمكان.

يبدأ الشاعر بتشييد فضاء الحوار عبر كرسيين يواظب على وضعهما طوال نصف قرن، ليس كمجرد طقس رمزي، بل كإصرار على حوار مع الغياب نفسه. فالكرسيان لا يشغلهما جسدا الفنانين، بل يشغلان فراغاً مزدحماً بالمعنى، فراغاً يتحول إلى رحم تلد فيه الإرادة الإبداعية.
إنها إستراتيجية مواجهة للوحدة التي "تطبق كحجر ثقيل" ولقلق "يتعملق في الهزيع".

يصور الشاعر رحلة الفنان الوجودية كسلسلة لا تنتهي من الدوائر، كلما بلغ الفنان دائرة أثار حيرة المحيطين به لينتقل إلى دائرة أخرى، في سباق لا يجاريه أحد. هنا يلتقط الشاعر لحظتين محوريتين في تاريخ الفن: اكتشاف الأقنعة الذي كشف "ضخامة الأجساد"، والانغماس في الزرقة الذي أبدع "جمال الزخرفة الشرقي".
إنها إشارة إلى الانزياح الجذري الذي أحدثه الفنانون الحديثون في المفاهيم الجمالية.

ببراعة تشخيصية، يحفر الشاعر في لحظة تاريخية فارقة هي "طرفة سنة 1905" التي شهدت ولادة الوحشية، متسائلاً عن سر صمود الفنانين أمام سهام النقد والسخرية.
كيف تحمل بيكاسو استخفافهم بأقنعته الأفريقية؟ وكيف استعار ماتيس الصمم عن ضجيجهم؟ إنها أسئلة تكشف عن البعد التراجيدي في مسيرة المبدع.

يصل الشاعر إلى لب العلاقة بين العملاقين: صداقة ملغمة بالتنافس الخلاق، حيث تمتص نظرات بيكاسو إبداعات ماتيس لتعيد صهرها في بوتقة أسلوبه الفريد. إنها علاقة يعجز عنها إلا العظماء الذين يجمعون بين الثقة والجنون السرّي، بين البساطة الظاهرة والروح البركانية.

في القسم الأخير من القصيدة، يبلور الشاعر مفهومه للعظمة كقدرة على اجتياز أسوار الحزن والموت، والوفاء للقلق كصديق أبدي، والتحول اليومي المستمر. العظمة التي تتحول إلى نبوة تستقطب الجموع ليس بالخطاب، بل بالوجود الإبداعي نفسه.

هكذا تتحول القصيدة من حوار مع الغياب إلى تأمل في طبيعة الإبداع، ومن استحضار لشخصيتين تاريخيتين إلى نقاش مع الذات المبدعة.
إنها قصيدة عن الفن كمواجهة وجودية، وعن المبدع كمن يضع كرسيين لمواجهة الفراغ:
أحدهما للإبداع، والآخر للقلق الذي يظل رفيق الرحلة الإبداعية الأبدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...