خالد عطية - الضمير المقيّد : أوروبا بين العدالة و الانتقائية

لم تنتهِ الحرب في غزة حقًّا، بل غيّرت فقط سلاحها وموضعها. ما أُطفئت نيران القصف حتى اشتعلت معارك من نوعٍ آخر — معارك تُدار بصمتٍ مهيب داخل أروقة القضاء، وفي خوارزميات المنصّات، وفي أذهان الرأي العام الذي جرى ترويضه حتى لا يرى إلا ما يُسمح له برؤيته. تلك هي “المعارك التالية”، حيث تُستخدم القوانين لا لردع المعتدي، بل لتقويم الوعي العام الذي بدأ يخرج عن النص المرسوم له.

من الناحية النظرية، تشكّل القوانين الأوروبية إحدى الركائز الأخلاقية التي تفاخر بها هذه القارة أمام العالم. لكنّ التجربة الأخيرة كشفت أن العدالة حين تتقاطع مع السياسة، تصبح أداة انتقائية: تُفعَّل في أوكرانيا باسم حماية السيادة، وتُعطَّل في غزة باسم “التعقيد الجيوسياسي”. هذا الانحراف في مبدأ العدالة ليس جديدًا، لكنه بلغ مستوىً فجًّا بعد أن باتت المؤسسات القانونية نفسها تُستخدم لتكميم أصواتٍ داخلية — مواطنين أوروبيين، بعضهم من مزدوجي الجنسية، عبّروا عن رفضهم لما يرونه جرائم ضد الإنسانية.
وفي بلجيكا مثلاً، قدّم ناشطون في التضامن مع فلسطين شكاوى ضدّ استخدام “قوة مفرطة” خلال تظاهرة في بروكسل، ما يعكس كيف تُوظَّف الأجهزة الأمنية والقضائية لردع التعبير السلمي.¹
في الوقت ذاته، رُفع ملفٌ ضدّ أحد منسّقي شبكة تضامن فلسطينية في أوروبا بعد اعتقاله في بروكسل، رغم أن السلطات نفسها لم تثبت أي جرم جنائي محدد ضده.²

أوروبا التي قدّمت نفسها طوال عقود كحامية لحرية التعبير، تواجه اليوم مأزقًا بنيويًا. فهي لا تستطيع إنكار حقّ الناس في التعبير، لكنها لا تحتمل أن يُستخدم هذا الحق في نقد سياساتها أو تفنيد سرديتها الأخلاقية. تُبرّر الحكومات قراراتها بحججٍ جاهزة: “منع التحريض”، “مواجهة خطاب الكراهية”، “حماية الأطفال من الصور العنيفة”، لكنها في الحقيقة تحمي صورة الذات الأوروبية قبل كل شيء.
هذا يتجسَّد في فضاء المنصّات الرقمية: فقد وثّقت منظمة ‎Human Rights Watch (HRW) أن شركة ‎Meta Platforms (فيسبوك/إنستغرام) أزالت أو أخفت أكثر من 1050منشور داعم للفلسطينيين حول العالم، ضمن ما وصفته بأنه “نمطٌ معياري” من التصفية الانتقائية للمحتوى.³ ثم، في قرار لاحق، أقرّت هيئة الرقابة الخارجية لدى Meta بأن العبارة “From the river to the sea” ليست خطاباً محظوراً في حدّ ذاتها، لكنّ الشركة استمرّت في حذف منشورات تحويها بلا مبرّر مقبول.⁴ إنها الرقابة التي تُمارَس باسم “الحماية” بينما هي عمليًا تكميمٌ للضمير الجماعي.

الحديث عن ازدواجية المعايير ليس شعارًا، بل توصيفٌ لحالة عميقة من الانقسام داخل المنظومة الغربية نفسها. فالقيم التي قامت عليها أوروبا الحديثة — العدالة، المساواة، حرية الرأي، حماية المدنيين — لم تُبنَ على أساسٍ كوني، بل على مركزية الذات الغربية. وحين تُختبر هذه القيم خارج حدود تلك الذات، يتكشف الخلل البنيوي فيها: تُعامل الأرواح بدرجات، وتُفسَّر القوانين على ضوء الموقع السياسي لا الإنساني.
وهذا الانحراف سجّله تقرير ‎Amnesty International «Under Protected and Over Restricted» الذي وصف حالة الحق في التجمع السلمي في 21 دولة أوروبية بأنها “هجمة على الحقّ في احتجاج سلمي” نتيجة قوانينٍ قمعية وممارساتٍ أمنية مفرطة.⁵ إذًا ليست المشكلة فقط في التطبيق، بل في الفلسفة التي تجعل القانون خاضعًا لموازين القوة لا الضمير.

في الظاهر، يتحدث الغرب عن مكافحة خطاب الكراهية. لكن في العمق، ثمة حملة صامتة على خطاب الوعي ذاته — على كل من يصرّ على وصف الأشياء بأسمائها. الصحفي الذي يكتب عن تجويع المدنيين يُتهم بالتحريض، والأكاديمي الذي يتحدث عن “إبادةٍ” يُوصم بانعدام الحساسية، والفنان الذي يرسم رمزًا للمقاومة يُقصى من الفضاء العام.
في بلجيكا مرة أخرى، حُكم على أحد النشطاء بإنهاء إقامته بدعوى “تمجيد منظمات إرهابية”، رغم أن جهات الحقوق اعتبرت أن القرار تطهُّرًا سياسيًا للحركة التضامنية مع فلسطين.⁶ إن الرقابة هنا لا تُمارَس باسم الأمن، بل باسم “الحسّ الإنساني” ذاته، وكأن المشاهدة المجرّدة لضحايا الظلم باتت خطرًا على استقرار النفس الأوروبية.

ولعلّ أخطر ما في هذه الممارسات أنها تُحوّل القانون إلى أداة لإعادة تشكيل الضمير الجمعي. فبدل أن يكون القانون حارسًا للحرية، يصبح محدِّدًا لما يُسمّى حرية. وبدل أن يكون العدالة مبدأً، يصبح مرآةً تعكس مصالح الأقوياء.
ليس المقصود هنا نفي كل ما في التجربة الأوروبية من قيمٍ نبيلة أو تاريخٍ قانونيّ متقدّم، بل الإشارة إلى التناقض الصارخ بين هذه القيم وتطبيقاتها الانتقائية. أوروبا اليوم في امتحان أخلاقي قاسٍ: هل تستطيع الحفاظ على صورتها كمرجعٍ للعدالة في عالمٍ يشهدها وهي تصمت أمام المأساة؟ الاختبار لا يتعلق بفلسطين فقط، بل بمستقبل الإنسان الأوروبي نفسه. فحين يتآكل الضمير داخل حضارةٍ قامت على فكرة الإنسان، فإن انهيارها لا يكون سياسيًا بل معنويًا.
منذ سنوات، اعتمدت أوروبا على “القوة الناعمة” لتأكيد تفوقها الأخلاقي. لكن القوة الناعمة تفقد فعاليتها حين تنكشف ازدواجيتها. فالأجيال الجديدة من الأوروبيين تشاهد اليوم الصور ذاتها، وتقرأ الأخبار نفسها، وتبدأ تسأل أسئلة لا تريد الحكومات سماعها: لماذا يُجرّم التعاطف مع ضحايا غزة، بينما يُحتفى بالتعاطف مع ضحايا حربٍ أخرى؟ ولماذا تُمنح دولةٌ حق الدفاع عن النفس وهي تحتلّ غيرها منذ سبعة عقود؟
هذه الأسئلة، مهما حوصرت، بدأت تكسر جدار الصمت، وتعيد النقاش إلى جوهره: من يملك تعريف العدالة؟
ما بعد الحرب على غزة ليس زمن هدنة، بل زمن إعادة صياغة الرواية. بينما تُجرى التحقيقات في جرائم الحرب، تُشنّ حربٌ موازية على الشهود والناشطين، وعلى كل من يسعى لتثبيت الذاكرة. وهذا ما يجعل “اليوم التالي” أخطر من الحرب ذاتها: لأن السيطرة لم تعد على الأرض، بل على المعنى. من يملك رواية الحدث، يملك حقّ تأويله، وبالتالي يملك حقّ نفي الجريمة أو تثبيتها.
لكنّ التاريخ — بخلاف الإعلام — لا يخضع للخوارزميات. فالوثائق تتراكم، والأصوات تتكاثر، والوعي الإنساني بدأ يتجاوز قوالب الإعلام والسياسة. ربما تستمر ازدواجية المعايير لبعض الوقت، لكنّها لم تعد خافية كما كانت. فالضمير العالمي، رغم تشويهه، بدأ يستعيد حسّه الإنساني الأصلي: أن الظلم واحد، وأن العدالة لا تُقاس بلون الضحية، ولا تُمنح بقرار سياسي.

القانون قد يؤجّل الحقيقة، لكنه لا يدفنها. وحين يُسكت المدافعون عن الحق، لا يُطفأ صوتهم بل يُحوَّل إلى شاهدٍ على زمنٍ خان فيه العدل نفسه. ما تشهده أوروبا اليوم ليس مجرّد أزمة سياسية عابرة، بل أزمة هوية أخلاقية: هل تبقى وفيةً لما وعدت به العالم منذ قرون، أم تنغلق في براغماتيتها حتى النهاية؟
إن الإنسانية التي تُخضع الحقّ لمعادلات المصالح تفقد جوهرها. ولعل أعظم ما يفعله المدافعون عن الحقيقة اليوم، أنهم يعيدون إلى الضمير العالمي صوته الأصلي — ولو من خلف الأسوار القانونية والإعلامية. فحين يصمت الجميع، تبقى الكلمة الصادقة آخر شكلٍ من أشكال المقاومة، وأول خطوةٍ في طريق العدالة التي لا تُصنَّف، بل تُولد من وجع الإنسان نفسه.




هامش المصادر


1. ‎Amnesty International، «Europe: Sweeping pattern of systematic attacks and restrictions undermine peaceful protest» (يوليو 2024) — وثيقة تحليلية عن تقييد الحق في التجمع السلمي في 21 دولة أوروبية.
2. ‎Al Jazeera، تقرير حول توقيف ناشط فلسطيني في بلجيكا بعد مشاركته في مظاهرة (مايو 2025).
3. ‎Human Rights Watch (HRW)، «Meta’s Broken Promises: Systemic Censorship of Palestine Content on Instagram and Facebook» (ديسمبر 2023) — تحليل مفصّل لكيفية حذف/حجب المحتوى المؤيد لفلسطين على منصات Meta.
4. Human Rights Watch / Meta Oversight Board، قرار الهيئة الرقابية لـ Meta بأن عبارة «From the river to the sea» ليست خطاباً محظوراً وحدها (سبتمبر 2024).
5. Amnesty International، نفس التقرير أعلاه — صفحة التوصيف التفصيلي لجزء “تسيس التظاهرات التضامنية مع فلسطين” في أوروبا.
6. ‎Le Monde / بلجيكا، المقال عن سحب وضع الإقامة من منسّق شبكة تضامن فلسطينية واعتبارها “إرهابية” رغم غياب جرائم مثبتة (أغسطس 2025).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...