(جزء من دراسة مطولة)
المثقف الحيادي/الوعي المراقب الذي يخاف الفعل
يُمثّل المشهد التالي لحظةً مفصلية في بناء شخصية "شوقي" وفي كشف طبيعة الخطاب الذكوري المثقف الذي يقدّمه الكاتب في مقابل الخطاب الذكوري السلطوي المتمثل في شخصية "فريد سالم"؛ فالمشهد يجمع بين "كريم" الابن الممزّق بين الوراثة الأبوية والحرمان الأمومي، و"شوقي" الكاتب والمثقف الذي دخل حياة ليلى بصفته الحبيب البديل أو المنقذ الفكري، لكنه يجد نفسه في مواجهةٍ مباشرة مع الفوضى النفسية والعاطفية التي خلّفها انهيار الأسرة.
ومن الناحية السردية فإن هذا اللقاء لا يُعنى فقط بعرض اضطراب كريم، بل يكشف، على نحوٍ أعمق، وجه شوقي الحقيقي حين يخرج من دائرة التنظير إلى امتحان الواقع؛ فالكاتب يُسقط القناع عن «المثقف الإنساني» ويضعه في مواجهة الجنون، ليتحوّل الإنصاتُ إلى اختبارٍ للقدرة على الفعل، والكلمةُ إلى امتحانٍ للمسؤولية الأخلاقية، وفي هذا السياق يبرز المقطع بوصفه "مختبرًا دلاليًا للوعي المثقف" الذي يتغنّى بالعقل والتوازن، لكنه سرعان ما يتراجع أمام الخطر الحقيقي.
تبدو لغة شوقي هادئة ومهذبة، لكنها مشوبة بالتردّد والتهرّب، ويتحوّل صمته، كما يظهر في السرد، إلى ما يسميه التحليل التفكيكي «سلطة الحياد» أي القوة التي تُمارس من خلال الامتناع عن الفعل.
وهكذا يكشف المشهد عن "الحدود الهشّة بين المثقف والإنسان"، ويقدّم شوقي بوصفه مرآةً تعكس مأزق الوعي العربي المعاصر الذي يرى الجنون والاضطراب من حوله، ويكتفي بالتنظير له بدعوى الحكمة والمعرفة، جاء في الرواية:
"قال كريم، وهو ينظر حوله ووراءه:
- حضرتك كاتب معروف، أمي تمدحك كل يوم.
- الأستاذة ليلى إنسانة راقية وكاتبة عظيمة.
- يؤسفني أن أقول لك إنها أيضًا بشعة جدًّا، لست أنا وحدي الذي لا يحبها، فأختها لا تثق فيها.
- يمكنني أن أقوم بدور للإصلاح بينكم.
كريم لم يكف عن النظر إلى الخلف كأنه مجرم هارب، ثم أصابته رجفة سريعة، أتبعها شوقي برعدة خوف وقلق، تمالك نفسه بمعاناة، ثم أمسك كريم بيد شوقي الذي استسلم دون محاولة لأي رد فعل، قال كريم :
يؤسفني أن تعرف أن أمي هي التي سلمتني للمشفى، وأجزم أنها أوصت بإقامتي مع المرضى الأشد خطرًا لأنهم ضربوني باعتباري عبدًا في بلاط الملك، إنها مجرمة وتستحق القتل، طبعًا قالت لك إنني كنت في بعثة، أنت رجل طيب، وواجبي أن أمنع الأذى عنك، إياك أن تطمئن إليها.
وعلا صوته دون داعٍ، ورسم شوقي طريقًا للفرار عند الضرورة، قال شوقي ليمتص غضبه: لابد أن نصفي تلك المشكلات.
قال كريم مخالفًا توقع شوقي: هي ليست مشكلات، لكنها ترفض كل طلباتي. ثم، كيف تتصور أنها ستقتنع بكلامك أو أنني سأقتنع بكلامك؟ من أنت لكي تقوم بدور كهذا؟ يؤسفني أن لا أثق فيك، ثم لماذا تهتم أمي بك إلى هذا الحد، صارحني الآن ولا تكذب. لا أحب أن يشاركني أحد في حب أمي، إياك أن تكون حبيبها المجهول، يمكن أن أنتقم منك.
استدعى شوقي معلومة قرأها مؤخرًا مؤداها أنه عليه أن ينصت كثيرًا إلى المريض النفسي، ففي هذا راحة للمريض، كما أنها فرصة لفهم ما يفكر فيه، حتى لو كانت أفكارًا غير صحيحة أو متوهمة. وآثر الصمت ربما ينسى كريم سؤاله".
تتجلى شخصية شوقي في هذا المقطع بوصفها أحد أكثر النماذج الإنسانية تركيبًا في الرواية ؛ فهو ليس مجرد رجلٍ مثقفٍ يظهر في حياة البطلة ليلى، بل هو تمثيلٌ سرديٌّ للمثقف العربي الذي يعيش انقسامًا دائمًا بين الوعي الأخلاقي والخوف الاجتماعي.
حين يواجه شوقي كريم، ذلك الابن المريض نفسيًا الذي يختزن في خطابه فوضى الماضي الأسري واحتقانه، نراه يتصرّف بهدوءٍ حذرٍ يشبه الحياد، لكنه حياد زائف في جوهره؛ فالسارد يصف حاله بدقة كاشفة "أصابته رجفة سريعة، أتبعها شوقي برعدة خوف وقلق، تمالك نفسه بمعاناة" أي أن جسده يفضح ما تُخفيه لغته، هذه الجملة البسيطة ترسم لنا صورة مثقفٍ خائفٍ من الانكشاف، رجل تعلّم كيف يتقن تمثيل الصلابة فيما روحه تهتزّ.
والمفارقة أن شوقي، في اللحظة ذاتها التي يُمسك فيها كريم بيده لا يقاوم ولا يحتجّ، يقول النص "استسلم دون محاولة لأي رد فعل"، وهذه العبارة الصغيرة تحمل دلالاتٍ كثيفة؛ إذ تضع شوقي بين قطبين: قطب القوة الرمزية بصفته الكاتب المعروف، وقطب الضعف الفعلي أمام جنون الآخر، وهذا الاستسلام الجسدي لا يُقرأ بوصفه جبنًا فقط، بل بوصفه فعلًا رمزيًا من أفعال الطبقة المثقفة التي تحتمي دائمًا بالتهذيب والكلمة بدل المواجهة، إنه "الانسحاب الذكي" الذي يخفي عجزًا عميقًا عن الفعل؛ لأن شوقي مثل كثير من المثقفين في الرواية يملك اللغة لكنه لا يملك الشجاعة.
أما على مستوى الخطاب فنجد لغته مطموسة بالدبلوماسية والعموميات؛ فحين يتصاعد غضب كريم واتهاماته يرد شوقي بعبارةٍ باردةٍ ذات نبرةٍ مؤسسية "لابد أن نصفي تلك المشكلات»"، والجملة تبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها في عمقها مفرغة من المعنى؛ إذ تخلو من أي موقفٍ محدّد، وكأن هدفها الوحيد هو امتصاص الخطر لا مداواته، إن اختيار الفعل «نصفي» يكشف ذهنية بيروقراطية ترى العلاقات الإنسانية ملفاتٍ يمكن إنهاؤها بالتسوية، وبهذا يصبح شوقي أداة من أدوات «لغة النظام» التي تنزع العاطفة من الصراع، وتستبدل بالالتزام الأخلاقي منطق إدارة الأزمات.
ومما يضاعف هذا الطابع «الوظيفي» في شخصيته هو استناده إلى المعرفة المجرّدة ليبرّر سلوكه، كما نقرأ في قوله "استدعى شوقي معلومة قرأها مؤخرًا مؤداها أنه عليه أن ينصت كثيرًا إلى المريض النفسي..." وهنا يتحول الإنسان إلى تقنية، والعلاقة الإنسانية إلى تجربة تطبيقية؛ فشوقي لا يصغي إلى كريم لأنه يرحمه، بل لأنه يجرّب عليه نظرية سلوكية، وهذا الانفصال بين المشاعر والمعرفة يفضح البنية العميقة لشخصيته، هو رجل يعتقد أن الفكر يمكن أن يحل محل الرحمة، وأن القاعدة العلمية يمكن أن تُغني عن المشاركة الإنسانية.
ومن زاوية تفكيكية فإن هذا السلوك يكشف تناقض المثقف مع ذاته؛ فشوقي يتظاهر بالموضوعية، لكنه في الواقع يستخدم اللغة كدرعٍ واقٍ يخفف بها خوفه، والاستماع الذي يقدمه كعلاجٍ نفسيٍّ ليس حيادًا بل مناورة رمزية لحماية صورته أمام نفسه والآخرين، إنه يعيد صياغة الموقف داخل إطارٍ معرفيٍّ ليهرب من التورط الأخلاقي؛ فإنه حين يصمت متذرعًا بالإنصات لا يمنع الجريمة ولا يحمي الضحية، بل يؤجل المأزق فحسب، والصمت هنا ليس فعلَ حكمة، بل فعلَ خوفٍ متقن الصنعة، يضمن له البقاء داخل هالة المثقف الهادئ الذي لا يُخطئ لأنه لا يفعل شيئًا.
إن هذا المشهد يقدّم شوقي كمثالٍ على ما يمكن أن نسميه بـالسلطة الناعمة للمثقف؛ فهو لا يفرض رأيه بالعنف كما فعل فريد، ولا يُخضع الآخر بعاطفته كما حاول كريم، لكنه يمارس نوعًا أخطر من السيطرة، وهو السيطرة عبر الخطاب؛ فحين يختار الصمت أو يقدّم كلماتٍ عامة فهو في الحقيقة يحدد شكل النقاش وحدوده، أي أنه يتحكم في اللعبة اللغوية ذاتها، وبذلك يغدو الإنصات وسيلة للهيمنة الرمزية لا للتفهم، ومن هذا المنظور يمكن القول إن شوقي لا يختلف عن فريد إلا في الأدوات؛ ففريد يستعمل السلطة المادية، بينما يستخدم شوقي سلطة اللغة والمعرفة، وكلاهما يحافظ على النظام الاجتماعي نفسه الذي يخنق ليلى وكريم معًا.
إن القناع الذي يرتديه شوقي – قناع المثقف الواعي – لا يخفي فقط خوفه من الجنون، بل يخفي أيضًا خوفه من الانحياز الأخلاقي؛ فهو يعلم أن أي إجابة حاسمة ستضعه في مواجهة الأم أو الابن، لذلك يختار أن ينسحب إلى منطقة رمادية يبرّرها بـالعقلانية، ومن هنا تبدو شخصيته انعكاسًا لمأزق المثقف المعاصر الذي يتحدث باسم الوعي بينما يتهرب من مسؤوليته تجاه الحقيقة.
وفي المحصلة يكشف هذا المقطع أن شوقي ليس شخصية ثانوية، ولكنه مرآةٌ فكريةٌ لبنية الرواية كلها، إنه الوعي الذي يرى ولا يتدخل، ويفهم ولا يغيّر، ويحلل ولا يحسم، ويحمل في داخله تناقضًا بين الرغبة في إنقاذ الآخر والخوف من فقدان مكانته الاجتماعية، وبين العلم والرحمة، وبين اللغة والحياة.
وهكذا يتحوّل إلى رمزٍ للذكورة المثقفة التي تبرر عجزها باسم العقل، وتستبدل الفعل بالتأويل، حتى تغدو جزءًا من القهر الذي تزعم أنها تفهمه، فهو في نهاية التحليل ليس شاهدًا بريئًا على مأساة ليلى وكريم، بل هو فاعلٌ ضمنيٌّ في استمرارها؛ لأنه امتلك الوعي ولم يستخدمه إلا لحماية صورته، لا لإنقاذ الآخرين منها.
والخلاصة أن شوقي في هذا المشهد هو المثقف المراقب لا الفاعل؛ فهو يستخدم المعرفة كدرعٍ والخطاب كوسيلة سلطةٍ ناعمة، ويختبئ وراء الحياد ليحافظ على هالته، وبذلك يصبح رمزًا للوعي الذي يملك اللغة ويخاف الحقيقة، إنه عقلٌ منقسم بين الفهم والخوف، ويبرّر الصمت باسم الحكمة.
المثقف الحيادي/الوعي المراقب الذي يخاف الفعل
يُمثّل المشهد التالي لحظةً مفصلية في بناء شخصية "شوقي" وفي كشف طبيعة الخطاب الذكوري المثقف الذي يقدّمه الكاتب في مقابل الخطاب الذكوري السلطوي المتمثل في شخصية "فريد سالم"؛ فالمشهد يجمع بين "كريم" الابن الممزّق بين الوراثة الأبوية والحرمان الأمومي، و"شوقي" الكاتب والمثقف الذي دخل حياة ليلى بصفته الحبيب البديل أو المنقذ الفكري، لكنه يجد نفسه في مواجهةٍ مباشرة مع الفوضى النفسية والعاطفية التي خلّفها انهيار الأسرة.
ومن الناحية السردية فإن هذا اللقاء لا يُعنى فقط بعرض اضطراب كريم، بل يكشف، على نحوٍ أعمق، وجه شوقي الحقيقي حين يخرج من دائرة التنظير إلى امتحان الواقع؛ فالكاتب يُسقط القناع عن «المثقف الإنساني» ويضعه في مواجهة الجنون، ليتحوّل الإنصاتُ إلى اختبارٍ للقدرة على الفعل، والكلمةُ إلى امتحانٍ للمسؤولية الأخلاقية، وفي هذا السياق يبرز المقطع بوصفه "مختبرًا دلاليًا للوعي المثقف" الذي يتغنّى بالعقل والتوازن، لكنه سرعان ما يتراجع أمام الخطر الحقيقي.
تبدو لغة شوقي هادئة ومهذبة، لكنها مشوبة بالتردّد والتهرّب، ويتحوّل صمته، كما يظهر في السرد، إلى ما يسميه التحليل التفكيكي «سلطة الحياد» أي القوة التي تُمارس من خلال الامتناع عن الفعل.
وهكذا يكشف المشهد عن "الحدود الهشّة بين المثقف والإنسان"، ويقدّم شوقي بوصفه مرآةً تعكس مأزق الوعي العربي المعاصر الذي يرى الجنون والاضطراب من حوله، ويكتفي بالتنظير له بدعوى الحكمة والمعرفة، جاء في الرواية:
"قال كريم، وهو ينظر حوله ووراءه:
- حضرتك كاتب معروف، أمي تمدحك كل يوم.
- الأستاذة ليلى إنسانة راقية وكاتبة عظيمة.
- يؤسفني أن أقول لك إنها أيضًا بشعة جدًّا، لست أنا وحدي الذي لا يحبها، فأختها لا تثق فيها.
- يمكنني أن أقوم بدور للإصلاح بينكم.
كريم لم يكف عن النظر إلى الخلف كأنه مجرم هارب، ثم أصابته رجفة سريعة، أتبعها شوقي برعدة خوف وقلق، تمالك نفسه بمعاناة، ثم أمسك كريم بيد شوقي الذي استسلم دون محاولة لأي رد فعل، قال كريم :
يؤسفني أن تعرف أن أمي هي التي سلمتني للمشفى، وأجزم أنها أوصت بإقامتي مع المرضى الأشد خطرًا لأنهم ضربوني باعتباري عبدًا في بلاط الملك، إنها مجرمة وتستحق القتل، طبعًا قالت لك إنني كنت في بعثة، أنت رجل طيب، وواجبي أن أمنع الأذى عنك، إياك أن تطمئن إليها.
وعلا صوته دون داعٍ، ورسم شوقي طريقًا للفرار عند الضرورة، قال شوقي ليمتص غضبه: لابد أن نصفي تلك المشكلات.
قال كريم مخالفًا توقع شوقي: هي ليست مشكلات، لكنها ترفض كل طلباتي. ثم، كيف تتصور أنها ستقتنع بكلامك أو أنني سأقتنع بكلامك؟ من أنت لكي تقوم بدور كهذا؟ يؤسفني أن لا أثق فيك، ثم لماذا تهتم أمي بك إلى هذا الحد، صارحني الآن ولا تكذب. لا أحب أن يشاركني أحد في حب أمي، إياك أن تكون حبيبها المجهول، يمكن أن أنتقم منك.
استدعى شوقي معلومة قرأها مؤخرًا مؤداها أنه عليه أن ينصت كثيرًا إلى المريض النفسي، ففي هذا راحة للمريض، كما أنها فرصة لفهم ما يفكر فيه، حتى لو كانت أفكارًا غير صحيحة أو متوهمة. وآثر الصمت ربما ينسى كريم سؤاله".
تتجلى شخصية شوقي في هذا المقطع بوصفها أحد أكثر النماذج الإنسانية تركيبًا في الرواية ؛ فهو ليس مجرد رجلٍ مثقفٍ يظهر في حياة البطلة ليلى، بل هو تمثيلٌ سرديٌّ للمثقف العربي الذي يعيش انقسامًا دائمًا بين الوعي الأخلاقي والخوف الاجتماعي.
حين يواجه شوقي كريم، ذلك الابن المريض نفسيًا الذي يختزن في خطابه فوضى الماضي الأسري واحتقانه، نراه يتصرّف بهدوءٍ حذرٍ يشبه الحياد، لكنه حياد زائف في جوهره؛ فالسارد يصف حاله بدقة كاشفة "أصابته رجفة سريعة، أتبعها شوقي برعدة خوف وقلق، تمالك نفسه بمعاناة" أي أن جسده يفضح ما تُخفيه لغته، هذه الجملة البسيطة ترسم لنا صورة مثقفٍ خائفٍ من الانكشاف، رجل تعلّم كيف يتقن تمثيل الصلابة فيما روحه تهتزّ.
والمفارقة أن شوقي، في اللحظة ذاتها التي يُمسك فيها كريم بيده لا يقاوم ولا يحتجّ، يقول النص "استسلم دون محاولة لأي رد فعل"، وهذه العبارة الصغيرة تحمل دلالاتٍ كثيفة؛ إذ تضع شوقي بين قطبين: قطب القوة الرمزية بصفته الكاتب المعروف، وقطب الضعف الفعلي أمام جنون الآخر، وهذا الاستسلام الجسدي لا يُقرأ بوصفه جبنًا فقط، بل بوصفه فعلًا رمزيًا من أفعال الطبقة المثقفة التي تحتمي دائمًا بالتهذيب والكلمة بدل المواجهة، إنه "الانسحاب الذكي" الذي يخفي عجزًا عميقًا عن الفعل؛ لأن شوقي مثل كثير من المثقفين في الرواية يملك اللغة لكنه لا يملك الشجاعة.
أما على مستوى الخطاب فنجد لغته مطموسة بالدبلوماسية والعموميات؛ فحين يتصاعد غضب كريم واتهاماته يرد شوقي بعبارةٍ باردةٍ ذات نبرةٍ مؤسسية "لابد أن نصفي تلك المشكلات»"، والجملة تبدو في ظاهرها إيجابية، لكنها في عمقها مفرغة من المعنى؛ إذ تخلو من أي موقفٍ محدّد، وكأن هدفها الوحيد هو امتصاص الخطر لا مداواته، إن اختيار الفعل «نصفي» يكشف ذهنية بيروقراطية ترى العلاقات الإنسانية ملفاتٍ يمكن إنهاؤها بالتسوية، وبهذا يصبح شوقي أداة من أدوات «لغة النظام» التي تنزع العاطفة من الصراع، وتستبدل بالالتزام الأخلاقي منطق إدارة الأزمات.
ومما يضاعف هذا الطابع «الوظيفي» في شخصيته هو استناده إلى المعرفة المجرّدة ليبرّر سلوكه، كما نقرأ في قوله "استدعى شوقي معلومة قرأها مؤخرًا مؤداها أنه عليه أن ينصت كثيرًا إلى المريض النفسي..." وهنا يتحول الإنسان إلى تقنية، والعلاقة الإنسانية إلى تجربة تطبيقية؛ فشوقي لا يصغي إلى كريم لأنه يرحمه، بل لأنه يجرّب عليه نظرية سلوكية، وهذا الانفصال بين المشاعر والمعرفة يفضح البنية العميقة لشخصيته، هو رجل يعتقد أن الفكر يمكن أن يحل محل الرحمة، وأن القاعدة العلمية يمكن أن تُغني عن المشاركة الإنسانية.
ومن زاوية تفكيكية فإن هذا السلوك يكشف تناقض المثقف مع ذاته؛ فشوقي يتظاهر بالموضوعية، لكنه في الواقع يستخدم اللغة كدرعٍ واقٍ يخفف بها خوفه، والاستماع الذي يقدمه كعلاجٍ نفسيٍّ ليس حيادًا بل مناورة رمزية لحماية صورته أمام نفسه والآخرين، إنه يعيد صياغة الموقف داخل إطارٍ معرفيٍّ ليهرب من التورط الأخلاقي؛ فإنه حين يصمت متذرعًا بالإنصات لا يمنع الجريمة ولا يحمي الضحية، بل يؤجل المأزق فحسب، والصمت هنا ليس فعلَ حكمة، بل فعلَ خوفٍ متقن الصنعة، يضمن له البقاء داخل هالة المثقف الهادئ الذي لا يُخطئ لأنه لا يفعل شيئًا.
إن هذا المشهد يقدّم شوقي كمثالٍ على ما يمكن أن نسميه بـالسلطة الناعمة للمثقف؛ فهو لا يفرض رأيه بالعنف كما فعل فريد، ولا يُخضع الآخر بعاطفته كما حاول كريم، لكنه يمارس نوعًا أخطر من السيطرة، وهو السيطرة عبر الخطاب؛ فحين يختار الصمت أو يقدّم كلماتٍ عامة فهو في الحقيقة يحدد شكل النقاش وحدوده، أي أنه يتحكم في اللعبة اللغوية ذاتها، وبذلك يغدو الإنصات وسيلة للهيمنة الرمزية لا للتفهم، ومن هذا المنظور يمكن القول إن شوقي لا يختلف عن فريد إلا في الأدوات؛ ففريد يستعمل السلطة المادية، بينما يستخدم شوقي سلطة اللغة والمعرفة، وكلاهما يحافظ على النظام الاجتماعي نفسه الذي يخنق ليلى وكريم معًا.
إن القناع الذي يرتديه شوقي – قناع المثقف الواعي – لا يخفي فقط خوفه من الجنون، بل يخفي أيضًا خوفه من الانحياز الأخلاقي؛ فهو يعلم أن أي إجابة حاسمة ستضعه في مواجهة الأم أو الابن، لذلك يختار أن ينسحب إلى منطقة رمادية يبرّرها بـالعقلانية، ومن هنا تبدو شخصيته انعكاسًا لمأزق المثقف المعاصر الذي يتحدث باسم الوعي بينما يتهرب من مسؤوليته تجاه الحقيقة.
وفي المحصلة يكشف هذا المقطع أن شوقي ليس شخصية ثانوية، ولكنه مرآةٌ فكريةٌ لبنية الرواية كلها، إنه الوعي الذي يرى ولا يتدخل، ويفهم ولا يغيّر، ويحلل ولا يحسم، ويحمل في داخله تناقضًا بين الرغبة في إنقاذ الآخر والخوف من فقدان مكانته الاجتماعية، وبين العلم والرحمة، وبين اللغة والحياة.
وهكذا يتحوّل إلى رمزٍ للذكورة المثقفة التي تبرر عجزها باسم العقل، وتستبدل الفعل بالتأويل، حتى تغدو جزءًا من القهر الذي تزعم أنها تفهمه، فهو في نهاية التحليل ليس شاهدًا بريئًا على مأساة ليلى وكريم، بل هو فاعلٌ ضمنيٌّ في استمرارها؛ لأنه امتلك الوعي ولم يستخدمه إلا لحماية صورته، لا لإنقاذ الآخرين منها.
والخلاصة أن شوقي في هذا المشهد هو المثقف المراقب لا الفاعل؛ فهو يستخدم المعرفة كدرعٍ والخطاب كوسيلة سلطةٍ ناعمة، ويختبئ وراء الحياد ليحافظ على هالته، وبذلك يصبح رمزًا للوعي الذي يملك اللغة ويخاف الحقيقة، إنه عقلٌ منقسم بين الفهم والخوف، ويبرّر الصمت باسم الحكمة.