يأتي مقال الدكتورة غانية ملحيس «في مواجهة الوصاية: نحو استعادة الوعي والسيادة بوصفهما فعلًا تحرريًا» بوصفه بيانًا فكريًا بعديًّا للحرب، يحاول أن يؤسس لمرحلة ما بعد الإبادة في الوعي الفلسطيني والعربي. وهو نصّ كثيف الدلالة، يتقاطع فيه التاريخي بالوجودي، والسياسي بالمعرفي، ليعلن أن ما جرى في غزة لم يكن مجرّد حرب، بل محاولة لتفكيك الذات الفلسطينية واستلاب وعيها باسم الإعمار والرحمة والإنقاذ.
ومع أن المقال يمثل أحد أكثر النصوص وعيًا بخطورة «الوصاية الدولية» كاستمرار ناعم للاستعمار، إلا أنه يثير بدوره أسئلة جوهرية حول حدود هذا الوعي، وآليات تحوله من تشخيصٍ نقدي إلى مشروعٍ للتحرر الفعلي.
فملحيس تضع الوعي والسيادة في مركز الفعل التحرري، معتبرة أن معركة ما بعد الإبادة هي معركة على الوعي لا على الخراب المادي. وهي تصوغ تصورًا متماسكًا يرى في «الوصاية» امتدادًا للعقل الاستعماري الذي فشل في محو الجسد فانتقل إلى هندسة الوعي. هذا التشخيص يحمل بعدًا فلسفيًا مهمًا، يلتقط اللحظة الأخطر في التاريخ الفلسطيني: لحظة الانتقال من الإبادة إلى الإدارة، من الاحتلال العسكري إلى الاستعمار الإنساني.
لكن السؤال الذي ينهض من عمق النص هو: كيف يتحول هذا الوعي النقدي إلى وعي فاعل؟ كيف يمكن مقاومة الوصاية لا كشعار، بل كمنظومة تمتلك أدوات القوة والمال والتمثيل الدولي؟
إن قوة مقالة ملحيس تكمن في ربطها بين الفكر التحرري الكوني والتجربة الفلسطينية. فهي تستدعي فانون ومالك بن نبي وإدوارد سعيد لتؤكد أن المعركة بعد الحرب ليست معركة المساعدات، بل معركة المعنى. غير أن هذا البعد الفلسفي، رغم عمقه، يظل أقرب إلى الخطاب الكاشف منه إلى الخطاب المؤسس. فالكاتبة تحلل الوصاية كأداة لإعادة إنتاج التبعية، لكنها لا تفكك بعدُ كيف يمكن بناء بديل مؤسسي واقتصادي فعّال يحول الوعي إلى بنية سيادية مستدامة. وهنا يبرز سؤال الضرورة: هل يكفي الوعي وحده لدرء الوصاية، أم أن التحرر يحتاج إلى مشروع مادي موازٍ يعيد تنظيم القوة داخل المجتمع الفلسطيني؟
تقدم ملحيس سردية متماسكة عن الوصاية كاستعمار إداري جديد، حيث تتحول أدوات الاحتلال من السلاح إلى التمويل، ومن السيطرة على الأرض إلى ضبط الإنسان والمعنى. وتُظهر ببراعة كيف تُدار الكارثة عبر منظومات إنسانية ظاهرها الرحمة وباطنها إعادة الإنتاج البنيوي للهيمنة. هذا التحليل يلتقط لحظة التحول النيوليبرالي في آليات السيطرة، لكنه يفتح أيضًا سؤالًا آخر: هل يمكن للمجتمع الذي خرج من تحت الركام أن يبني استقلاله من داخل منظومة اقتصادية عالمية تهيمن على أدوات الحياة نفسها؟ وهل يمكن فصل سيادة الوعي عن سيادة الاقتصاد؟
يتجلى البعد الأعمق في نص ملحيس حين تربط بين نقد الوصاية ونقد الحداثة الغربية نفسها، معتبرة أن الأخيرة هي التي أفرزت منطق الإبادة ثم جاءت لتحتكره باسم الإنسانية. غير أن هذا الموقف، رغم اتساقه الأخلاقي، يظل في حاجة إلى تحديد لمسافة التفاعل الممكنة مع العالم. فملحيس ترفض الوصاية لكنها لا تحدد بدقة كيف يمكن إقامة علاقة «ندّية» مع المجتمع الدولي في ظل موازين القوة المختلة. هل الانفتاح على العالم ممكن دون الوقوع في شرك التبعية؟ وهل يمكن بناء «تحالف تحرري كوني» من موقعٍ لا يملك أدوات التأثير؟
في هذا السياق، تبرز قيمة المقال الفكرية ضد ما تسميه الكاتبة «الإبادة الرمزية» التي تمارسها المساعدات المشروطة والمؤسسات الدولية عبر إعادة تعريف الفلسطيني كـ«مستفيد» لا كصاحب حق. وهي رؤية دقيقة تكشف عن عمق فهمها لطبيعة الخطاب الإنساني المهيمن، الذي يختزل المأساة إلى مؤشرات ومعايير تمويلية. إلا أن نقدها يظل موجّهًا نحو الخارج أكثر مما هو نحو الداخل. فهي تشخّص آليات السيطرة، لكنها لا تفكك كفاية بنية «القابلية للوصاية» داخل النخبة الفلسطينية والعربية — تلك البنية التي تسمح للوصاية بالتجذر عبر البيروقراطية، والاعتمادية، وتآكل الثقة الشعبية بالمؤسسات الوطنية. فالتحرر لا يكتمل بفضح الاستعمار فقط، بل بإعادة بناء الذات التي سمحت له بالهيمنة.
من هنا، تطرح قراءة ملحيس سؤالًا مزدوجًا: كيف نحافظ على وعي السيادة دون أن نقع في عزلة مثالية ترفض العالم؟ وكيف نقبل التعاون الدولي دون أن نُختزل في موقع المتلقي؟ هذا التوتر بين الانفتاح والندية هو جوهر مأزق المرحلة الفلسطينية الراهنة، وهو ما يجعل من مقالتها نصًا جدليًا أكثر منه بيانيًا. إنها تدعو إلى الوعي، لكنها تدرك ضمنيًا أن الوعي وحده لا يكفي ما لم يُترجم إلى مؤسسات ذات قدرة على التمويل والإدارة والسيطرة على الموارد.
ومع ذلك، فإن القيمة الكبرى للمقال تكمن في أنه يعيد تعريف المقاومة بعد الإبادة لا كفعل عسكري بل كفعل معرفي وأخلاقي. فحين تقول ملحيس إن “الوعي هو أول ساحات الصراع”، فهي تضع الفلسطيني في موقع الفاعل الذي يروي تاريخه بلسانه، وتعيد بناء المعنى الإنساني للحرية بوصفه شرطًا كونيًا لا وطنيًا فحسب. إنها بذلك تنتقل من خطاب الضحية إلى خطاب الإنسان الحر، ومن المأساة إلى الفعل.
لكن التحدي الذي تتركه مفتوحًا أمام القارئ هو كيف تُترجم هذه الرؤية إلى برنامج سيادي عملي، في ظل واقع الخراب والجوع والانقسام. فالمقاومة الثقافية التي تدعو إليها تحتاج إلى أرضية سياسية واقتصادية تحميها من التبخر، وإلا بقي الوعي معلقًا فوق أرضٍ منهوبة. ومع ذلك، يبقى المقال محاولة فكرية نادرة لإعادة توجيه البوصلة من إدارة الكارثة إلى استعادة الإنسان، ومن منطق الإغاثة إلى منطق التحرر، ومن خطاب البكاء إلى خطاب الفعل.
إن قراءة ملحيس، على عمقها وبلاغتها، لا تُقاس بما تقترحه من حلول، بل بما تخلقه من أسئلة جديدة حول معنى السيادة والحرية في عالم ما بعد الكارثة. فهي تضعنا أمام مسؤولية فكرية وأخلاقية: أن نختار بين أن نُدار باسم إنسانيتنا، أو أن نعيد تعريف الإنسانية من موقعنا. وهذا هو جوهر ما يجعل مقالتها نصًا تأسيسيًا في الوعي الفلسطيني المعاصر: إنها لا تقدم أجوبة نهائية، بل تفتح باب السؤال من جديد، حيث يبدأ التحرر من لحظة الوعي بأن الوعي نفسه هو ساحة المعركة.
بقلم : خالد صالح عطية
٢٩-١٠-٢٠٢٥
ومع أن المقال يمثل أحد أكثر النصوص وعيًا بخطورة «الوصاية الدولية» كاستمرار ناعم للاستعمار، إلا أنه يثير بدوره أسئلة جوهرية حول حدود هذا الوعي، وآليات تحوله من تشخيصٍ نقدي إلى مشروعٍ للتحرر الفعلي.
فملحيس تضع الوعي والسيادة في مركز الفعل التحرري، معتبرة أن معركة ما بعد الإبادة هي معركة على الوعي لا على الخراب المادي. وهي تصوغ تصورًا متماسكًا يرى في «الوصاية» امتدادًا للعقل الاستعماري الذي فشل في محو الجسد فانتقل إلى هندسة الوعي. هذا التشخيص يحمل بعدًا فلسفيًا مهمًا، يلتقط اللحظة الأخطر في التاريخ الفلسطيني: لحظة الانتقال من الإبادة إلى الإدارة، من الاحتلال العسكري إلى الاستعمار الإنساني.
لكن السؤال الذي ينهض من عمق النص هو: كيف يتحول هذا الوعي النقدي إلى وعي فاعل؟ كيف يمكن مقاومة الوصاية لا كشعار، بل كمنظومة تمتلك أدوات القوة والمال والتمثيل الدولي؟
إن قوة مقالة ملحيس تكمن في ربطها بين الفكر التحرري الكوني والتجربة الفلسطينية. فهي تستدعي فانون ومالك بن نبي وإدوارد سعيد لتؤكد أن المعركة بعد الحرب ليست معركة المساعدات، بل معركة المعنى. غير أن هذا البعد الفلسفي، رغم عمقه، يظل أقرب إلى الخطاب الكاشف منه إلى الخطاب المؤسس. فالكاتبة تحلل الوصاية كأداة لإعادة إنتاج التبعية، لكنها لا تفكك بعدُ كيف يمكن بناء بديل مؤسسي واقتصادي فعّال يحول الوعي إلى بنية سيادية مستدامة. وهنا يبرز سؤال الضرورة: هل يكفي الوعي وحده لدرء الوصاية، أم أن التحرر يحتاج إلى مشروع مادي موازٍ يعيد تنظيم القوة داخل المجتمع الفلسطيني؟
تقدم ملحيس سردية متماسكة عن الوصاية كاستعمار إداري جديد، حيث تتحول أدوات الاحتلال من السلاح إلى التمويل، ومن السيطرة على الأرض إلى ضبط الإنسان والمعنى. وتُظهر ببراعة كيف تُدار الكارثة عبر منظومات إنسانية ظاهرها الرحمة وباطنها إعادة الإنتاج البنيوي للهيمنة. هذا التحليل يلتقط لحظة التحول النيوليبرالي في آليات السيطرة، لكنه يفتح أيضًا سؤالًا آخر: هل يمكن للمجتمع الذي خرج من تحت الركام أن يبني استقلاله من داخل منظومة اقتصادية عالمية تهيمن على أدوات الحياة نفسها؟ وهل يمكن فصل سيادة الوعي عن سيادة الاقتصاد؟
يتجلى البعد الأعمق في نص ملحيس حين تربط بين نقد الوصاية ونقد الحداثة الغربية نفسها، معتبرة أن الأخيرة هي التي أفرزت منطق الإبادة ثم جاءت لتحتكره باسم الإنسانية. غير أن هذا الموقف، رغم اتساقه الأخلاقي، يظل في حاجة إلى تحديد لمسافة التفاعل الممكنة مع العالم. فملحيس ترفض الوصاية لكنها لا تحدد بدقة كيف يمكن إقامة علاقة «ندّية» مع المجتمع الدولي في ظل موازين القوة المختلة. هل الانفتاح على العالم ممكن دون الوقوع في شرك التبعية؟ وهل يمكن بناء «تحالف تحرري كوني» من موقعٍ لا يملك أدوات التأثير؟
في هذا السياق، تبرز قيمة المقال الفكرية ضد ما تسميه الكاتبة «الإبادة الرمزية» التي تمارسها المساعدات المشروطة والمؤسسات الدولية عبر إعادة تعريف الفلسطيني كـ«مستفيد» لا كصاحب حق. وهي رؤية دقيقة تكشف عن عمق فهمها لطبيعة الخطاب الإنساني المهيمن، الذي يختزل المأساة إلى مؤشرات ومعايير تمويلية. إلا أن نقدها يظل موجّهًا نحو الخارج أكثر مما هو نحو الداخل. فهي تشخّص آليات السيطرة، لكنها لا تفكك كفاية بنية «القابلية للوصاية» داخل النخبة الفلسطينية والعربية — تلك البنية التي تسمح للوصاية بالتجذر عبر البيروقراطية، والاعتمادية، وتآكل الثقة الشعبية بالمؤسسات الوطنية. فالتحرر لا يكتمل بفضح الاستعمار فقط، بل بإعادة بناء الذات التي سمحت له بالهيمنة.
من هنا، تطرح قراءة ملحيس سؤالًا مزدوجًا: كيف نحافظ على وعي السيادة دون أن نقع في عزلة مثالية ترفض العالم؟ وكيف نقبل التعاون الدولي دون أن نُختزل في موقع المتلقي؟ هذا التوتر بين الانفتاح والندية هو جوهر مأزق المرحلة الفلسطينية الراهنة، وهو ما يجعل من مقالتها نصًا جدليًا أكثر منه بيانيًا. إنها تدعو إلى الوعي، لكنها تدرك ضمنيًا أن الوعي وحده لا يكفي ما لم يُترجم إلى مؤسسات ذات قدرة على التمويل والإدارة والسيطرة على الموارد.
ومع ذلك، فإن القيمة الكبرى للمقال تكمن في أنه يعيد تعريف المقاومة بعد الإبادة لا كفعل عسكري بل كفعل معرفي وأخلاقي. فحين تقول ملحيس إن “الوعي هو أول ساحات الصراع”، فهي تضع الفلسطيني في موقع الفاعل الذي يروي تاريخه بلسانه، وتعيد بناء المعنى الإنساني للحرية بوصفه شرطًا كونيًا لا وطنيًا فحسب. إنها بذلك تنتقل من خطاب الضحية إلى خطاب الإنسان الحر، ومن المأساة إلى الفعل.
لكن التحدي الذي تتركه مفتوحًا أمام القارئ هو كيف تُترجم هذه الرؤية إلى برنامج سيادي عملي، في ظل واقع الخراب والجوع والانقسام. فالمقاومة الثقافية التي تدعو إليها تحتاج إلى أرضية سياسية واقتصادية تحميها من التبخر، وإلا بقي الوعي معلقًا فوق أرضٍ منهوبة. ومع ذلك، يبقى المقال محاولة فكرية نادرة لإعادة توجيه البوصلة من إدارة الكارثة إلى استعادة الإنسان، ومن منطق الإغاثة إلى منطق التحرر، ومن خطاب البكاء إلى خطاب الفعل.
إن قراءة ملحيس، على عمقها وبلاغتها، لا تُقاس بما تقترحه من حلول، بل بما تخلقه من أسئلة جديدة حول معنى السيادة والحرية في عالم ما بعد الكارثة. فهي تضعنا أمام مسؤولية فكرية وأخلاقية: أن نختار بين أن نُدار باسم إنسانيتنا، أو أن نعيد تعريف الإنسانية من موقعنا. وهذا هو جوهر ما يجعل مقالتها نصًا تأسيسيًا في الوعي الفلسطيني المعاصر: إنها لا تقدم أجوبة نهائية، بل تفتح باب السؤال من جديد، حيث يبدأ التحرر من لحظة الوعي بأن الوعي نفسه هو ساحة المعركة.
بقلم : خالد صالح عطية
٢٩-١٠-٢٠٢٥