الدكتور مزوار محمد سعيد - تطبيق النظرية الجشطالتية على التراب الجزائري

يقدّم النص شهادة تربوية عميقة لمعلّم يعيش بين منظومتين تعليميتين متباينتين: النظام اللاتيني الموروث عن فرنسا، والنظام الجرماني الذي يقوم على النظرية الجشطالتية؛ غير أنَّ القراءة من منظور الفكر التربوي الإنجليزي، وبخاصة عند النبلاء الذين صاغوا فلسفة التربية الأخلاقية في بريطانيا، تكشف عن مستويات أعمق من التأمل في المعنى الإنساني للتعليم، ودور المعلّم، ومسؤولية المجتمع.


لقد أولى النبلاء الإنجليز – مثل اللورد شافتسبري، وتوماس أرنولد، وجون لوك – أهمية قصوى لتربية الشخصية المتكاملة قبل التعليم العقلي. فالتربية عندهم ليست تلقينًا للمعلومات، بل إعدادٌ للمواطن الحر، المتزن أخلاقيًا، القادر على التفكير المستقل. هذه الفكرة تتقاطع مع ما ورد في النص، حين يصوّر الكاتب تحوّل المعلّم من “ملقّن” إلى “مرافق”، وهو انتقال من سلطة المعرفة إلى رعاية النمو الذاتي للمتعلّم، وهو بالضبط ما دعا إليه لوك في كتابه Some Thoughts Concerning Education حين قال إنّ الطفل لا يُقاد بالقهر بل يُنمى بالمرافقة والعقل والقدوة.


النص يُبرز كذلك نقدًا للمركزية البيروقراطية التي تمثلها شخصية “المفتش التربوي” الجاهل، وهو ما يعيدنا إلى نقد النبلاء الإنجليز لمنظومة الامتثال الأعمى التي أفرزتها المدارس الصناعية في القرن التاسع عشر. فتوماس أرنولد، مدير مدرسة “رغبي” الشهيرة، كان يرى أنّ التعليم الحق يجب أن يصنع رجالًا مسؤولين، لا موظفين طائعين. لذا، فإنّ معاناة الكاتب مع سلطة التفتيش تذكّرنا بمعركة أرنولد ضد التعليم الشكلي الذي يخنق الإبداع الأخلاقي.


كما أنّ النظام الجشطالتي، حين يُفهم بعمقه، لا يبتعد عن الحس التربوي الإنجليزي النبيل، لأنّه يعلّم المتعلّم النظر إلى “الكلّ” قبل الأجزاء، أي يربّيه على الرؤية الشمولية لا التجزيئية، وهو ما يتوافق مع رؤية شافتسبري الذي اعتبر الجمال والفضيلة وجهاً واحداً للانسجام الكلي في النفس والمجتمع. غير أنّ الكاتب يبيّن أنّ تطبيق هذا النظام في بيئة ثقافية مغايرة أدّى إلى تشويه المبدأ، لأنّ السياق الاجتماعي لم يكن مهيأ لتقبّل روح الحرية والانفتاح التي يقوم عليها النظام.


من زاوية أخرى، يمكن قراءة النقد الذي يوجهه الكاتب إلى ظاهرة “الانتقال الآلي” على ضوء الفكر الإنجليزي القائم على المسؤولية الشخصية. فالنبلاء الإنجليز رأوا أنّ الحرية لا تُمنح دون التزام، وأنّ التربية الأخلاقية تستلزم الشعور بالمسؤولية عن الجهد والإنجاز. لذلك فإنّ تسيّب الأولياء الذي يلاحظه الكاتب نتيجة غياب الاختبارات يتعارض مع روح التربية البريطانية التي توازن بين اللين والانضباط، بين الحرية والواجب.


في ضوء ذلك، يمكن القول إنّ الكاتب يعبّر، من حيث لا يشعر، عن صراعٍ بين نموذجين: نموذج تربوي تحرّري يرى الطفل كذات نامية تحتاج إلى مرافقة، ونموذج بيروقراطي يُكرّس الجمود الإداري والجهل باللغات والفكر العالمي. ولو استُبدل هذا الصراع بالمثالية التربوية الإنجليزية القائمة على “الإنسان النبيل” – أي الفرد الذي يتعلم ليكون خيّراً قبل أن يكون ناجحاً – لوجد هذا النظام الجشطالتي أرضاً خصبة للنمو في بيئة عربية تبحث عن تربية قوامها الكرامة والعقل الحر.


في النهاية، يظهر النص بوصفه شهادة معلم نبيل الروح، يسعى لأن يعيد للتربية معناها الإنساني بعد أن صارت أسيرة للأنظمة واللوائح. وهذا الموقف نفسه كان لبّ الفكر التربوي عند الإنجليز النبلاء: أن يكون المعلّم مثالاً للأخلاق والحرية، وأن يكون التعليم سبيلاً لبناء الشخصية لا لقياس الدرجات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...