د. عادل جودة - قراءة أدبية في قصيدة "مدرسة الإصرار" للشاعر كاظم حسن سعيد

(مدرسة الاصرار)

حين نمر على بيوتنا الركام
نحن نبحث حتى عن الخرق المهملة
عن القطط
عن بيوت النمل
عن الضجر في ليالي الارق
عن رسائل العشق وعقود الزواج..
عن بصمة الاصابع للمكتاب
ورغم ان قذيفة واحدة ازهقت خمسة آلاف من أجنة أطفال الأنابيب،
فنساؤنا ستنتج البديل.
المدينة الساحلية الجميلة
احرقت ثم زلزلت بالمقذوفات
حشرونا تحت المطر والمجاعة
في انتظار استعادتها
اتركونا نبني سرادق من الخرق فوق بيوتنا
لا نحتمل ( المدينة القديمة ماتت)
كل شيء يذكر بالف شيء
اتركونا نحيا على الانقاض
سنعيدها نحن حجرا حجرا
سيمزق ارواحنا التحديث
نحن الذين اتفق العالم كله
لقلع جذورنا
لمسخنا لاذلة
تعلمنا من العشب ان نتكاثر
ومن الجبال الثبات
ومن التاريخ سحق الطغاة
نحن بخير
لان ارواحنا لم تتثلم من قبضة المسخ
نحن مدرسة الاصرار
سنحيا سننتصر
رغم ان العالم كله تآمر على سحقنا.
2025
-----------
قراءة الدكتور عادل جودة

طابت اوقاتكم

قراءة أدبية
في قصيدة "مدرسة الإصرار" للشاعر كاظم حسن سعيد

ليست القصيدة مجرد كلمات تُنظم، ولا مشاعر تُسكب، بل هي شهادة وجود، وصوت يقتحم صمت الموت، وهذا ما تجسده قصيدة "مدرسة الإصرار" للشاعر كاظم حسن سعيد، التي تنبض بقوة الصمود، وتتوهج بإرادة الحياة في وجه الدمار الشامل.

>•// من طقوس الذاكرة: البحث عن معنى في قلب الركام

تبدأ القصيدة بلحظة تأملية وجودية، لحظة المرور على "بيوتنا الركام". الركام هنا ليس مجرد دمار مادي، بل هو رمز لكل ما تحطم: الذكريات، الأحلام، الأمان. وفي قلب هذا الدمار، يبدأ البحث المحموم عن التفاصيل الصغيرة، عن "الخرق المهملة" و"القطط" و"بيوت النمل". إنه بحث عن أثر للحياة، عن بصمة تثبت أن هذه البيوت كانت يومًا تعج بالوجود. البحث عن "الضجر في ليالي الأرق" و"رسائل العشق وعقود الزواج" هو استعادة للزمن الإنساني الذي مزقته الحرب، واستدعاء للحظات الضعف والقوة التي تشكل نسيج الحياة. حتى "بصمة الأصابع للمكتاب" تصبح أثرًا مقدسًا، شاهدًا على حضور إنساني كاد أن يُمحى.

>•// إرادة الحياة:
التناسل في مواجهة الإبادة

ثم تأتي المفارقة الصادمة، المتمثلة في القوة التدميرية الهائلة التي لا تكتفي بتحطيم الحاضر، بل تمتد لإفناء المستقبل نفسه: "ورغم أن قذيفة واحدة أزهقت خمسة آلاف من أجنة أطفال الأنابيب". هذه الجملة تحمل دلالة مروعة على شمولية الدمار، الذي يطال حتى الأجنة في مختبرات الأمل الأخيرة. لكن الرد يأتي أقوى، من رحم المعاناة ذاتها: "فنساؤنا ستنتج البديل". إنها إرادة الحياة المتجددة، التي لا تقهر. إنها قوة الخلق الأنثوي في مواجهة آلة الموت، تأكيد أن دورة الحياة ستستمر، وأن الأمل سيُولد من جديد، مهما بلغت فظاعة التدمير.

>•// المكان المُستلب:
بين الحلم والواقع

تتحول "المدينة الساحلية الجميلة" إلى فضاء للمأساة، فهي "احترقت ثم زلزلت بالمقذوفات". تحولت من جمال ساحر إلى ركام مهول. والشعب حُشر "تحت المطر والمجاعة"، لكنه يظل "في انتظار استعادتها". الانتظار هنا ليس سلبية، بل هو يقظة وترقب لعودة الحق. ثم يأتي النداء الإنساني المؤثر: "اتركونا نبني سرادق من الخرق فوق بيوتنا". السرادق من الخرق هو أقوى تعبير عن التمسك بالأرض، هو رفض للرحيل، هو إعلان أن الحياة، ولو تحت أقذر الظروف، ستستمر. الرفض الأكبر يكمن في عدم القدرة على تحمل فكرة أن "المدينة القديمة ماتت"، فموتها يعني انقطاع الجذور وتمزق الهوية.

>•//التحدي والامتلاك: فلسفة البناء على الأنقاض

يقدم الشاعر فلسفة عميقة للتعامل مع المأساة: "اتركونا نحيا على الأنقاض، سنعيدها نحن حجرا حجرا". العيش على الأنقاض ليس استسلامًا لها، بل هو تأكيد على ملكيتها، والبناء حجرًا حجرًا هو استعادة للزمن والمكان معًا، هو عملية إحياء تبدأ من الصفر، لكنها تنبع من إرادة لا تعرف اليأس. هذه العملية ليست سهلة، فهي "ستمزق أرواحنا التحديث"، لأن إعادة البناء تتطلب جروحًا جديدة، ومعاناة متجددة، لكنها معاناة تلد الأمل.

>•//مدرسة الإصرار:
منهج حياة مستمد من الكون

ثم يعلن الشاعر عن الهوية الجديدة لهذا الشعب: "نحن مدرسة الإصرار". إنها ليست مجرد صفة، بل هوية متكاملة، منهج حياة وتعلم. لقد "اتفق العالم كله لقلع جذورنا، لمسخنا لإذلة"، لكنهم فشلوا. لماذا؟ لأن هذا الشرب تلقى علومه من معلمين عظام:

>•· من العشب:
تعلم "أن نتكاثر". قوة العشب تكمن في نموه رغم كل شيء، في انتشاره رغم محاولات اقتلاعه، إنه رمز للخصوبة والتواصل والاستمرار.
>•· ومن الجبال:
تعلم "الثبات". الجبل هو رمز الصلابة والثبات أمام العواصف، هو الرسوخ الذي لا تهزه رياح العدوان.
>•· ومن التاريخ:
تعلم "سحق الطغاة". التاريخ ليس سجلًا للماضي فقط، بل هو معمل لتجارب الأمم، وهو يثبت أن مصير الطغاة هو السحق والزوال، مهما طال زمانهم.

>•//النصر الداخلي:
حينما تبقى الروح سليمة

الخلاصة التي يصل إليها الشاعر هي جوهر القصيدة: "نحن بخير، لأن أرواحنا لم تتثلم من قبضة المسخ". النجاة هنا ليست في سلامة الجسد، بل في سلامة الروح من "التثلم" أي الكسر والتشوه. إنها انتصار الروح على آلة المسخ التي تهدف إلى تحويل الإنسان إلى كائن ذليل. هذا هو النصر الحقيقي، الذي تُوّج بذلك الإعلان الخالد:
"سنحيا سننتصر، رغم أن العالم كله تآمر على سحقنا".

ختامًا :
فإن قصيدة "مدرسة الإصرار" هي ملحمة شعرية تعيد تعريف النصر والهزيمة. النصر ليس مجرد انتصار عسكري، بل هو قدرة الروح على الصمود، وإرادة الحياة على الاستمرار، وقدرة الإنسان على البناء فوق أنقاض أحلامه. إنها قصيدة تخلق من الألم منارة، ومن المعاناة أملًا، وتؤسس لمدرسة إنسانية عظيمة، مدرسة لا تدرس فيها سوى مادة واحدة:
"كيف تنتصر الحياة على الموت".

تحياتي واحترامي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...