د. سلوى عبد المجيد أحمد المشلي - من عظمة تاريخ ممالكنا النوبية... عنقريب الملكة العظيمة آماني شيختو

حكمت ملكات عظيمات في مملكة مروي(٢٧٠ - ٣٥٠ق.م)
و قد كن يدعمن مكانتهن و سلطتهن ليس لأنهن الملكات الحاكمات فقط بل لأنهم لهن دور في مشاركة الطقوس الملكية و ككاهنات للمعبودات.
و قد وجدت لهن لوحات حجرية عليها نقوش مثلا وقوفهن امام المعبودات و اداء بعض الطقوس مثل اللوحة الحجرية للملكة آماني شيختو و المعبودة (امسيمي) و غيرها.



هذا البعد الديني اكسبهن بعدا سياسيا في مفهوم الملكية
و عادات دفن الملكات المرويات عن الملكات النبتيات بدفنهن وسط اهرامات الملوك و هذا يدل على ارتفاع مكانتهن و يدلل على ذلك بهرم الملكة اماني شخينو في البجراوية الشمالية هرم رقم (٦) اكبر اهرامات الجبانة رقم (٢٧).
كما أن آثارهن من المخلفات المادية في اهرامات الملكات تدلل على عظمة و فخامة الملكة كما سنرى:
الملكة المروية آماني شيختو:
عنها كتبت سامية بشير دفع الله في مجلة:" دراسات في آثار الوطن العربي"، مقال بعنوان:" الملكات السودانيات من مملكة نبتة( ٢٧٠ - ٣٥٠ ق. م) دراسة في المصادر و انواعها و دلالاتها "، أن الملكة اماني شيختو:"حكمت حوالي (٤٥ - ١٥ق. م) و هي الاشهر بين الملكات آثارها و نقوشها في ستة مواقع مما يدل على إنتشار نفوذها في مروي الجبانة الشمالية و النقعة و ود بانقا و الكوة وقصر ابريم، جذبت نقوشها المنحوتو على باب مقصورة هرمها الرحالة فرليني ١٨٣٧م ثم اعتدى على الكنز من حليها القابها جوري كدكي كتاكي كدوي لقب ارتبط بالملكات مرادف لكلمة كنداكة التي يكتبها الاغريق و الرومان. (١)



ونحن بصدد عنقريب الملكة اماني شخيتو، في مقال بعنوان:" العنقريب عهد مملكة كرمة النوبية" ، كتبت الباحثة المشلي ؛" في عهد هذه المملكة العظيمة (٢٥٠٠- ١٥٤٠ ق.م) عرف الكرميين الحياة الحضرية المستقرة ويدلل على ذلك بآثار مدينتهم التي قامت على الضفة الشرقية للنيل، و قد أذهل الآثاري جورج رايزنر ضخامة المدافن في فترة كرمة الكلاسيكية (١٥٧٥. - ١٧٥٠ق.م) و أنها أضخم المدافن في وداي النيل على الإطلاق، حيث تفوق مساحة أرضيتها مساحة أرضية إهرامات ملوك الدولة المصرية القديمة والوسطى وقد وجدت في المقابر انواع مختلفة من الأثاث من الفخار والادوات الأخرى و العنقريب الذي يوضع فيه جثمان الميت". (٢)
كما كتب جورج اندرو رايزنر في مجلده (V5) ما ترجمته :"حفريات كرمة"، عن طريقة تصنيع العنقريب
و اجزاءه و صور له من ضمن الصناعات التي اظهرتها الحفريات في عهد مملكة كرمة.(٣)
كما كتبت سامية بشير دفع الله في كتابها:" تاريخ الحضارات السودانية منذ اقدم العصور الى قيام مملكة نبتة"، عن: "وجود دلائل لاستخدام العنقريب في الدفن و قد إنتشر فيما بعد في زمن كرمة".( ٤)




و انه له نوعين: " إزدهرت في كرمة صناعه السراير و قد وجد منها نوعان الاول مصنوع من الخشب و الجلد عبارة عن إطار مستطيل من الخشب منسوج بسيور من الجلد و يقف على أربعة أرجل خشبية و كانت الأرجل تقطع في شكل أرجل ثور كما كانت دواخلها ترصع بزخارف من العاج او العظم في شكل حيوانات اسطورية، و النوع الثاني مصنوع من حجر المرو الازرق المزجج او حجر الازدوارد بعضها تعلوها ظلة تقوم على اطار مستطيل في شكل السراير وجد هذا النوع في المدافن الضخمة من النوع الثاني". (٥)
تشهد صناعة العنقريب في هذا العهد على عظمة هذه المملكة من حيث استخدام خامات غير الخشب و أشكال الزخارف على الأرجل.
إمتدادا لما بعد حضارة كرمة كانت في مملكة مروي وجد في مقبرة الملكة أماني شيختو في هرم رقم (6) بالجبانة الشمالية كما ورد في كتاب:"The Gold of Meroe"، ان مقبرتها بها:"سرير بأربعة جوانب هو منضدة أو نعش من الخشب يستند على اربعة أرجل ملساء مستديرة جوانبه شكلت بأشكال رمزية".(٦)
النقش الموجود على أرجل العنقريب علي شكل عمود المعبود (حتحور) وجد في قمة رِجل العنقريب وهي نفس شكل الأعمدة الحتحورية أمام معبدها في جبل البركل.




أصل الإله حتحور (Hathor):
حتحور آلهه مصرية وهي آلهة الجمال و الحب و الموسيقى وهي سيدة السماء و قد رمزوا لها ببقرة أو سيدة لها وجة بقرة أو وجة سيدة بأذان بقرة.
كانت حتحور تعبد في النوبة السفلى(النوبة الشمالية تقع بين شلال أسوان و شلال وادي حلفا و تسمى بلاد الكنوز).
بجانب نقش حتحور على أرجل العنقريب كانت تلبسها الملكة المروية كتميمة في عقد من ضمن مجوهراتها كعقد صدر مكون بسبعة رؤوس للمعبود حتحور ، و خاتم منقوش عليه صورة ملكين بينهما طفل يجلسان على عنقريب و قد استنبط د. احمد المعتصم الشيخ انها دلالة على ممارسة طقس الجرتق.
و نقش في عمود في في غرفة البا (ba) ، تسكن أبا روح الميت فوق النعش ذا الأعمدة او الأرجل الحتحورية وقد مثل له بطائر أبا.
وحسب المعتقدات المصرية القديمة أن( با) هي ذاته الخالدة التي تستمر بعد وفاته و ترغب في زيارة مكان إقامة الجسد حيث تزوده بكل مقومات الحياة، بدلا من أن يجسدوا با في الاسلوب المصري وهو طائر برأس إنسان فقد مثلوها بتمثال صغير يجمع ما بين أنثى كاملة او ذكر يعبران عن مقام رفيع إعتمادا على طبيعة الميت، وقد وجدت هذه التماثيل في المقابر المروية بالنوبة السفلى: " توضع في الكوات (الطاقات)
و هي فتحات صغيرة في البناء العلوي فوق غرفة القرابين (غرفة مربعة الشكل تبنى ملتصقة بجسم الهرم و هي تعتبر معبد صغير ملتحق بالهرم ليقام فيه النذور والصوات و الدعاء للميت) او المقصورة الجنائزية ".(٧)
وكان حتحور شكلا عموديا الزاميا لمعابد الآلهات النساء وهن الملكات المتوفيات.
ويتجلى تقدم مملكة مروي في الصناعات الخشبية بزخرفة شكل الإله حتحور في ذلك الزمان.
و إستمرت صناعة العنقريب يدويا حتى أدخلت المخارط اليدوية في عهد الحكم التركي المصري و التي ادخلها الهنود في صناعة العنقريب و أيضا ادخلوا عنقريب الساج، و تطورت لمخارط حديثة لكن حتى هذه المخارط لم ينتج بها عناقريب ترقى للمستوى الزخرفي العالي و الفخم لعناقريب مملكتي كرمة ومروي النوبيتين.
و لايزال العنقريب أثرا ماديا من ممالكنا القديمة، و يفعل الزمن تنوع شكله و خامة صناعته و استخداماته المختلفة في حمل الجنازة و ليس الدفن بها كما كان يستخدم، و في طقس الجرتق و غيرها...


المصادر و المراجع :
(١) سامية بشير دفع الله في مجلة:" دراسات في آثار الوطن العربي"، ٢٠٢١م، عدد (١٢)، ص ص ٥٠٠- ٥١٩.
(٢) سلوى عبد المجيد احمد المشلي:" مقالات من تراثنا الشعبي السوداني"، (كتاب غير منشور)، ٢٠٢٤م.
,"G. A. Riezner:" The Excavation of Kerma (٣)
.223- 208: 1923
(٤) سامية بشير دفع الله:"تاريخ الحضارات السودانية منذ اقدم العصور الى قيام مملكة نبتة"، ١٩٩٩م ، ص١٥٢.
(٥) نفسه، ص ٢٣١.
Karl Hienz Briese:"The god of Meroe"(٦)
.14.Metropolitan Museum of Art, New York, P
(٧) نفسه، ص ص ٣٩ - ٤٠.
لتوثيق الطلبة و الباحثين:
سلوى عبد المجيد احمد المشلي:" من عظمة حضاراتنا السودانية"، (كتاب غير منشور)، ٢٠٢٠م.
صورة العنقريب مملكة كرمة النوبي، و رجل عنقريب ابىأس المعبودة حتحور الملكة اماني شيختو، و عقد لها ب سبعة رؤوس للمعبود حتحور و خاتم لها نقش ملكين يجلسان على نعقريب:

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...