علجية عيش - هكذا وثّق مالك بن نبي أحداث الدار البيضاء و مصر و شمال افريقيا في مجلة الشّاب المسلم

مجلة الشاب المسلم كانت عرّابة المفكر مالك بن نبي

هي مقالات كتبها مالك بن نبي في الفترة بين 1952و 1954 و هي السنة التي انطلقت فيها ثورة نوفمبر ، نشرتها مجلة الشاب المسلم وهي تضاف إلى مجلات أخرى اهتمت بنشر كتابات مالك بن نبي على غرار مجلة "الثورة الإفريقية" لسان حال جبهة التحرير الوطني ، و قد قام الأستاذ سعد فرّاح بترجمة مقالاته، كما حرصت شركة الأصالة للنشر الجزائر على طبعها هذه السنة (2025) و هي ضمن الإصدارات الجديدة التي شاركت بها الأصالة في سيلا 2025 ، و المتصفح لمجلة الشاب المسلم يقف على العبارات التي كتبها الأستاذ عبد اللطيف سيفاوي في التمهيد و هو رئيس مشروع الكرسي العلمي مالك بن نبي للدراسات الحضارية، إذ يقول ان الكتاب جاء في سياق مقاومة فكرية، للفترة التي عاشها مالك بن نبي أيام الاستعمار ، محللا أبعاده نفسية الجزائريين، في إطار ما سماه هو بالقابلية للاستعمار، و تعتبر مقالات مالك بن نبي نافذة تطل على الحضارات ، كالحضارة الهندية ، و الحضارة الصينية.

و قد أثرت هذه الحضارات في مالك بن نبي ، ما جعله يشيد بالتجربة الصينية و الألمانية ، بما فيها التجربة الماليزية، لأنها اهتمت بالتطور العلمي و الصناعي ـ أي كما يقول مالك بن نبي بـ: ( عالم الأشياء)، فصنعت لها مكانة مرموقة في العالم دون أن تتخلى عن حياتها الروحية و تراثها و ثقافتها، فمقالات مالك بن نبي كما يقول الأستاذ عبد اللطيف سيفاوي كانت حوارا متعدد الثقافات، تعبر عن فكرٍ راقٍ جدا وصل إلى العالمية، يحمل روحا إصلاحية و تجديدا روحانيا، لقد كان مالك بن نبي ملتزما في فكره و في سلوكه و في مواقفه و هو يضع القضايا تحت المجهر لتحليلها، موجها رؤيته إلى واقع العالم الإسلامي الذي ظل يغرق في الجهل و التخلف، فعاش منعزلا عن العوالم الأخرى، حيث حاول من خلال مجلة الشاب المسلم أن يغرس الوعي في الجيل، و رسم الخطوط العريضة لبناء الإنسان الذي تكون له القابلية للتحديث و مواجهة الجهل و التخلف و الإعصار و مجاراة كل التحديات.

لا يسعنا التطرق لما جاء في التمهيد الذي كتبه عبد اللطيف سيفاوي و حتى المقدمة ، فما جاء في مقالات مالك بن نبي ، قد أشار إليها في كتبه ( مشكلة الثقافة، و شروط النهضة و وجهة العالم الإسلامي، و كتاب من اجل التغيير ..الخ) و حتى في مذكراته ( شاهد على القرن و العفن) التي كانت خلاصة تجربة و مسيرة طويلة لمفكرٍ تنكّر له أهله و تجاهلوه، بل ألحقوا به ما ليس فيه و اتهموه و آذوه، و من خلال الوقوف على عناوين هذه المقالات نقف على عمق فكر مالك بن نبي و هو يوثّق الأحداث و ربْطِهِ الرسالة المحمدية بالحضارة ، أراد مالك بن نبي القول أن الإسلام هو دين حضارة، للردّ على المنكرين للإسلام و خصومه الذين يُرَوِّجون و إلى اليوم بأن الإسلام دون عنف، و هي المسائل التي كرس مالك بن نبي لها حياته، لم يترك مالك بن نبي قضية إلا و عالجها، خاصة تلك الأحداث التي عاشها الوطن العربي ، نلمس ذلك في مقاله بعنوان: " حول أحداث الدار البيضاء" و كيف حصلت "مصر "الفتية على وطنيتها، و ذلك بفضل الكاتبة الفرنسية "جوليات آدم" التي ساندت مصطفى كامل ضد الاستعمار الإنجليزي و أطلعته على الثقافة و الحضارة الغربيتين، وكيف استعادت الهند وطنيتها، و نجده يوجه نداءً للضمير العربي و الإنساني لعله يستيقظ و يتحرك، ويحرك فيه مشاعر "القومية ".

اهتم مالك بن نبي بالعالم الإسلامي بعد ظهور الحركات الإسلامية ، و في مقدمتهم "الإخوان المسلمون" مقدما شخصية إسلامية تتمثل في الداعية الإسلامي حسن البنّا، ( رحمه الله) إن تعدّد أفكار مالك بن نبي و اهتمامه بقضايا العالم الإسلامي و انتقاده للحضارة الغربية جعلت الأمور تختلط عند البعض فراحوا يصفونه بشتى الأوصاف و ينعتوه ، فبعضهم يعتقد أنه مسيحي ، و آخرون ألصقوا به تهمة الوهابية، و البعض ينتقد كتباته بأنها عبارة عن حشو، فقد شخص مالك بن نبي الأوضاع التي يمر بها العالم الغربي و الإسلامي في عنوان قصير جدا هو "نهاية ذِهان" وهو يتكلم عن النهضة الإسلامية و قد أشار إلى هذه الظاهرة في كتابه شروط النهضة وهي المسألة التي عالجها و هو يتناول أزمة الإنسان ما بعد الموحدين، لإخراجه من دائرة الجهل و التخلف .

نقف هنا على الأسلوب الخطابي الذي يستعمله مالك بن نبي ، وهو أسلوب شيقٌ و سلسٌ ، بعيدٌ كل البعد عن خطاب التهديد و الوعيد أو خطاب السيف إن صح التعبير، بل هو خطاب الترغيب و التحبيب و التشويق، كأبٍ يخاطب ابنه بمحبةٍ و حنانٍ، فنجده في هذا المقال يقول: إن إنسان ما بعد الموحدي قادر بالفعل على مَدِّ يده بكل بساطة لكي يحصل على القمر، و لنتأمل في عبارة ( يحصل على القمر) و هو تعبير بلاغي ( مجازي) طبعا لشد انتباه القارئ و تلطيف له جو القراءة ، ليكسب ثقته ، أراد مالك بن نبي القول أن هذا الإنسان عليه أن يُقْبِلَ على العِلْمِ ، فيتعلم ليبني نفسه و يصنع نهضته بيده، ويلتحق بالركب الحضاري، و إن ظل على جهله ،سيظل التخلف يلاحقه حتى الموت، أراد مالك بن نبي أن يقول له " لا شيء اسمه مستحيل"، و بإمكانه الخروج من الفوضى التي خلّفها الاستعمار، و أن يتعايش مع الآخر، طالما يجمعنا معه قاسم مشترك هو "الإنسانية" ،كانت هذه مقالات كتبها مالك بن نبي للرد على باعة الحضارة ، و أبواق الاستعمار و الذين يحتقرون المسلم الرباني و الذين يمكن تسميته بسماسرة القيم الإنسانية.

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...