كمال عويسي - من النظريَّات التربويَّة المعاصرة.. التفاعلية الرمزية Symbolic Interactionalism:

تعتبرُ التفاعلية الرمزية واحدةٌ من المحاور الأساسيةِ التي تعتمدُ عليها النظرية الاجتماعية، في تحليل الأنساق الاجتماعية.وهي تبدأ بمستوى الوحدات الصغرى (MICRO)، منطلقةً منها لفهم الوحدات الكبرى، بمعنى أنها تبدأُ بالأفراد وسلوكهم كمدخل لفهم النسق الاجتماعي، فأفعالُ الأفراد تصبح ثابتةً لتشكل بنية من الأدوار ويمكن النظر إلى هذه الأدوار من حيث توقعات البشر بعضهم تجاه بعض من حيث المعاني والرموز، وهنا يصبح التركيز إما على بُنى الأدوار والأنساق الاجتماعية، أو على سلوك الدور والفعل الاجتماعي.ومع أنها تَرى البُنى الاجتماعية ضمناً، باعتبارها بنىً للأدوار بنفس طريقة بارسونز Parsons ، إلا أنها لا تُشغل نفسها بالتحليل على مستوى الأنساق، بقدر اهتمامها بالتفاعل الرمزي المتشكِّل عبر اللغة، والمعاني، والصورِ الذهنيةِ، استناداً إلى حقيقةٍ مهمةٍ، هي أن على الفرد أن يستوعب أدوارَ الآخرين،إذن فالتفاعلية الرمزية تركز اهتمامها على دراسة التفكير وعملياته.
إن أصحابَ النظريةِ التفاعلية يبدَءُون بدراستهم للنظام التعليمي من الفصل الدراسي (مكانَ حدوثِ الفعلِ الاجتماعي). فالعلاقةُ في الفصل الدراسي والتلاميذِ والمعلم، هي علاقةٌ حاسمةٌ لأنه يمكن التفاوضُ حول الحقيقة داخل الصفّ، إذ يُدرك التلاميذ حقيقةَ كونهم ماهرين أو أغبياءَ أو كسالى. وفي ضوء هذه المقولات يتفاعل التلاميذ والمدرسون بعضهم مع بعض، حيث يحققون في النهاية نجاحاً أو فشلاً تعليمياً.
1-1)هربرت ميد:
ولد ميد 1863 وتوفي سنة 1921 وهذا يهني أنه عاش فترة مزامنة للعالم الألماني الكبير ماكس فيبر(1864-1920).ويعد من أشهر الرواد والمؤسسين في الاتجاه التفاعلي الرمزي.
انبثق نجم ميد من جامعة شيكاغو(أمريكا)وقد برز في كتاباته تأثره الشديد بالنظرية التطورية وقام في مرات عديدة بالمقارنة بين سلوك الكائن الحي (الحيوان)وسلوك الإنسان مبرزا الكثير من أوجه الاختلافات بينهما وأهمها القدرة الذهنية على خلق عوالم مشتركة بين الفاعلين باستخدام الرموز.
ويرى ميد أن الذات تنبثق وتنمو في الوسط الاجتماعي من خلال عملية التفاعل الاجتماعي (وهو هنا يشارك ماركس في أسبقية الوجود الاجتماعي على الوعي بشكل ما)ويبدأ الفرد في التعرف على ذاته من خلال أراء الآخرين فيه في سنوات حياته المبكرة و تحديدا من خلال عملية اللعب التي يقوم خلالها محاولا تقمص العديد من الأدوار المختلفة(فمسألة القيام بدور ما لا تتطلب معرفة الدور فقط بل ما يتوقعه الآخرون من هذا الدور أيضا،ومن خلال أول كتابه والذي جمع بعد وفاته سنة 1934م” L’esprit,le soi et la société” أول عالم اجتماع يعمل على تطوير النظرية الخاصة بالتنشئة الاجتماعية وصلبها.
1-2)مصطلحات النظريّة:
1التفاعل: Interaction وهو سلسةٌ متبادلةٌ ومستمرةٌ من الاتصالات بين فرد وفرد، أو فرد مع جماعة، أو جماعةٍ مع جماعة.
2المرونة :Flexibility ويقصد بها استطاعةُ الإنسان أن يتصرفَ في مجموعةِ ظروفٍ بطريقة واحدة في وقت واحد، وبطريقةٍ مختلفة في وقتٍ آخرَ، وبطريقةٍ متباينة في فرصةٍ ثالثة.
3الرموز : Symbolsوهي مجموعةٌ من الإشارات المصطَنعة، يستخدمها الناسُ فيما بينهم لتسهيل عمليةِ التواصل، وهي سمة خاصة في الإنسان. وتشملُ عند جورج ميد اللغةَ، وعند بلومر المعاني، وعند جوفمان الانطباعاتِ والصور الذهنية.
4الوعيُ الذاتي : Self- Consciousnessوهو مقدرةُ الإنسان على تمثّل الدور، فالتوقعات التي تكُون لدى الآخرين عن سلوكنا في ظروف معينة، هي بمثابة نصوصٍ يجب أن نَعيها حتى نُمثلَها، على حدّ تعبير جوفمان.
-ككل النظريات الاجتماعية التي لها وزن في أي علم من العلوم الإنسانية، نجدها تزخر بعلماء أفذاذ أفنوا أعمارهم من اجل تحقيق وترسيخ مبادئهم،وقد كانت لكل واحد من هؤلاء وجهته وأيدلوجيته الخاصة في الطرح والمناقشة ولعل أبرز ممثلين نظرية التفاعلية الرمزية هم هؤلاء الثلاثة الذين سأتناولهم بنوع من الاختصار ما عدا أشهرهم والذي هو جورج هربرت ميد.
1-3) أشهرُ ممثلي النظريةِ التفاعليةِ الرمزية:
1) جورج هربرت ميد 1863-1931)George H. Mead):
استطاع جورج ميد في محاضراته التي كان يُلقيها في جامعة شيكاغو، على طولِ الفترة من (1894-1931) أن يُبلور على نَحوٍ متقن، الأفكار الأساسية لهذه النظرية، وقد جَمعَ له تلاميذُه كتاباً بعد وفاته، يحتوي على معظم أفكاره التي كانوا يدوّنوها في محاضراته، تحتَ عنوان: (Mind, Self and Society )1934م.
فيعتبر جورج ميد G.H.Mead أن التنشئة الاجتماعية نتاج عملية التفاعل أوّلاً مع الآخر ذي الدلالة ثم مع الآخر العام:فالطفل في مرحلة الأولى يعيد إنتاج داخل ألعابه سلوكيات محددة ثم في مرحلة ثانية يمكنه وهو يلعب وحده إبداع الدور الذي يختاره والتعبير عنه كما يفهمه،بمعنى أن الطفل في الفترة الأولى يختار أدوارا معينة برغبة منه،سواء وحده أو مع غيره،مثلا كدور أمه أو أبيه أو بطل أو شرطي…فيقوم بهذه الأدوار عن طريق حركات رمزية محددة وكأنه يستبطن في داخله أدوار غيره،هذا اللعب الحر هوا لذي يؤهله في الدخول على المرحلة الثانية والتي يسميها ميد G.H.Mead “دلالات الآخرLes autres signifisatifs”أو الآخر ذو المعنى.
ثم ينتقل الطفل من اللعب الحر على اللعب المنظم فمثلا حين يريد الطفل لعب كرة القدم مثلا يجب احترام قواعد معينة واخذ ادوار ومواقع محدد بدقة إلى حد ما،وعلى كل فرد في الفريق احترام مكانه وتموقعه داخل الملعب،فكل عنصر في الفريق له علاقة بما يطلق عليها جورج ميد الآخر المعمم أو الآخر العام L’autrui généralisé،فمعرفة القواعد وكل دور خاص بكل فرد داخل الفريق من طرف زملائه في الفريق،يجعل من كل واحد يرتبط من خلال علاقة الآخر.
ومن هنا فإن التنشئة الاجتماعية عند ميد عبارة عن بناء للذات من خلال احتلال أدوار مختلفة باستمرار،فهي تدل على ان الفرد يمكن أن يكون الموضوع والمضمون في آن واحد”Sujet et Objet” فالأنا تتضمن مواقف المجموعة “الآخر العام” إضافة إلى السمات والعادات الخاصة بالمعني أي البعد الاجتماعي لشخصية الفرد للفرد،لكن “الذات” ( Le Je) تمثل عكس ذلك الجانب الفرداني للشخصية وتشعره بنوع من الحرية والتذمر ومن ثم مخالفة ومن هنا يقع بين مد وجزر،ومن خلال هذا البناء للهوية تظهر سلوكيات مختلفة عن بعضها،كلما زاد التفاعل بين الأنا والذات زاد التفاعل بين الفرد والمجموعة.
2) هربرت بلومر H. Blumer (1900-1986)):
وهو يتفق مع جورج ميد في أن التفاعل الرمزيَّ هو السمةُ المميزةُ للتفاعل البشري، وأن تلك السمةَ الخاصةَ تنطوي على ترجمةِ رموزِ وأحداثِ الأفراد وأفعالهم المتبادلة. وقد أوجَزَ فرضياتِه في النقاطِ التالية:
• إن البشرَ يتصرفون حيالَ الأشياءِ على أساسِ ما تعنيهِ تلك الأشياءُ بالنسبة إليهم.
• هذه المعاني هي نتاجٌ للتفاعل الاجتماعي الإنساني.
• هذه المعاني تحوَّرُ وتعدّل، ويتم تداولُها عبر عملياتِ تأويلٍ يستخدمُها كلُّ فردٍ في تعامله مع الإشاراتِ التي يواجهُها.
• الإضافة التي قدمها بولمر للتفاعلية الرمزية هي:
– أنه لم يحدد عملية التفاعل ولم يحصرها بالأفراد فقط. بل يرى حدوثها بين (الأفراد، المؤسسات، المنظمات، الجماعات المحلية، الطبقات)
3)إرفنج جوفمان (1922-1982) Erving Goffman):
وقد وجَّهَ اهتمامَهُ لتطوير مدخلِ التفاعلية الرمزية لتحليلِ الأنساق الاجتماعية، مؤكداً على أن التفاعلَ – وخاصةً النمطَ المعياريَّ والأخلاقيَّ- ما هو إلا الانطباع الذهنيُّ الإرادي الذي يتم في نطاق المواجهة، كما أن المعلوماتِ تسهم في تعريف الموقف، وتوضيحِ توقعات الدَور.
لعل من أشهر كتبه “تقديم النفس في الحياة اليومية”1971م The Presentation of Self in Everday life ففي هذا الكتاب يقوم بعمل وصفي محض،وتصنيف لوسائل لعب الأدوار وإستراتيجيتها .
4فيكتور تيرنر:
الرجل لا يقل أهمية عن المؤسسين الذين سبقوا، حيث ألف كتاب (غابة الرموز)
يعتقد أن الإنسان محاط بغابة من الرموز التي اختبر وجرب معانيها خلال فترة حياته،ولقد وضع فيكتور تيرنر على مسلمات من أهمها مايلي:
تقوم نظرية فيكتور تيرنز في التفاعلية الرمزية على المسلمات التالية:
• أننا محاطون بمئات الأشياء المادية وغير المادية.
• عن طريق اللغة والذات تختبر هذه الأشياء ونجربها.
• بعد الاختبار تتحول الأشياء إلى رموز.
• الرموز تقيم بالنسبة لنا على أنها رموز ايجابية أو رموز سلبية.
• تفاعلنا مع الرموز الايجابية يكون قويا، أما تفاعلنا مع الرموز السلبية يكون ضعيفا.
• الرمز الذي نعطيه لأي شيء هو الذي يحدد صورة التفاعل بيننا وبين الرمز.
1-4)تعقيب في نظرية التفاعلية الرمزية:
– إن النظريةَ التفاعليةَ الرمزيةَ، لا تقدّم مفهوماً شاملاً للشخصية، فأصحابُ النظرية وعلى رأسِهم بلومر يقرّون بأن هذه النظرية يجب ألا تُشغِل نفسَها بموضوع الشخصية كما ينشغل بها علم النفس. وهذا سبب واضحٌ، ومبررٌ جوهري على قِلة الاستفادة من هذه النظرية في الميدان التربوي، على الرغم من وجود بعض الأبحاث القليلة المنشورة هنا وهناك.
-كما أن التفاعليةَ الرمزية أغفلت الجوانبَ الواسعةِ للبُنية الاجتماعية لذلك نجدها لا تستطيع قولَ أي شئ عن ظواهرَ اجتماعية كالقوّة والصراع والتغيّر، وأن صياغتَها النظرية مُغرقةٌ في الغموض، وأنها تقدم صورة ناقصة عن الفرد.
– تفتقد الصرامة العلمية ولا تستخدم الاستنباط المنطقي،بل تقدم سلسلة من الأفكار التي يمكن للباحث أن يوظفها في عمله بصفتها توجيهات عامة،كما أنها تقدم للباحث أثناء توظيفها في عمله تفسيرات منخفضة نسبيا.
التفاعلية الرمزية نظرية تختص في دراسة الأفراد،وتحديداً بالفعل الاجتماعي،وبالرغم من وصف بول روكPaul Rock” ” 1979م بالغموض المتعمد،وقد اعتمدت على إلقاء محاضرات جامعية شفاهية أكثر من اعتمادها على شكل كتب مدرسية معتمدة،لكن في الوقت ذاته يعتقد أصحاب النظرية الوظيفية أن النظرية التفاعلية الرمزية أكثر النظريات قوة من الناحية البحث التجريبي.
على غرار نظرية التفاعلية الرمزية التي كانت من بين أسسها الفلسفة الوضعية،بالولايات المتحدة الأمريكية ،ظهر رجل آخر من ذات المكان ،يدعوا إلى تغيير نظرة المهتمين إلى التربية ،وأتى بمبادئ جديدة ،والذي كان له الفضل في خلق ثورة علمية في علم الاجتماع والمجتمع نفسه،إنه جون ديوي John Dewey.فمن هو هذا العالم الفذ،والذي قام بقفزة نوعية في مجال التربية؟وماذا قدم لعلم الاجتماع والتربية حتى يحضى بهذا الاهتمام؟


* الأستاذ كمال عويسي طالب ماجستير

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...