العقيد بن دحو - التأويل الأخلاقي لفعل (بيع الكتاب بالتوقيع)

هذه الظاهرة أو الحالة(...) التي أستفحلت و انتشرت في الآونة الأخيرة ، في مشهد أديب حسبناه كبيرا ، يجلس أمام طاولة ، ينتظر (قارئا) محتملا - حتى لا أسميه زبونا او مستهلكا - يكتب له كلمات مصفوفة معدودات مصحوبة بتوقيعه ادناه !.
الصورة أو / المشهد تظهر لنا هذا الكاتب أ. الاديب فرحا مسرورا منتشيا بأنه اخيرا تمكن من بيع نسخة من روايته الجديدة أو تلك المعاد طبعها.
لم يكن يدري ان فرحته هذه تتوقف عند العالم السوسيولوجي في فن الأدب "روبيرا اسكارييب" بأنه يكون قد باع مضغة من لحمه و دمه ، شيء من روحه ، فلذة كبده ،ولده و بتوقيع منه ، دون أن يرف له جفن و بدم بارد.
السوسيولوجيون يرون أن العملية الإبداعية شبيهة بالولاذة الطبيعية عند البشر فالمولود هو (الكتاب) و الوالد هو (المؤلف) ، و الطبيب الراعي المستشار هو (الناشر)...و حتى يضمن ولادة طبيعية لا تخضع لأي اضطرارات أو مضاعفات صحية. على الطبيب المستشار أن يتعاهد المولود قبل و بعد الولادة.
اذن لا غرو ان كانت عملية ابداع أثر ما (...) باللاتينية قديما تعني كلمة (ولادة) !
لهذا جاء على لسان العرب القول المأثور : "بنات أفكاري"..و كما يراها كلا الشاعرين الملحمين في "الثيوغونيا" Théogonie / (انساب الآلهة) ، سواء عند (هوميروس) أو عند (هزيود) : ان لحظة أنتصار (زيوس) سيد النظام بمساعدة بن عمه (بروميثوس) ، سجين الحرية ، محب البشر ، سارق أو / واهب النار على آلهة الشر . بدأ زيوس يشعر بثقل حجم المسؤولية المستقرة في رأسه فطلب من الإله الاعرج الذي كانت تسخر منه الآلهة ، الإله (هيفياستوس) أن يشج رأسه ببلطة فخرجت الإلهة "منيرڤا" Ménirva إلهة الحكمة ، بيدها الرمح و على رأسها خوذة ، في اشارة الى قوة الحكمة.
يوعز الباحثون الى ان هذه الولادة ولادة فكرية صرفه.
ثم يتزوج زيوس من الإلهة "تيميس" Thémis و أنجب منها (يونوميا) Unumia إلهة الحكم الصالح ؛ التي حملت الى العالم العدل و الحرية و السلام ، كما أنجب منها آلهة الأقدار و القضاء الثلاث (لاكسيس - كلوثو - أثروبوس)
هذه الولادها يوعزها الدارسون الى ولادة بشرية ، كون امتاز اخيرا زيوس بديانة بشرية و صار ما يميز البشر يميز الإله بعد سنوات من التقدم و الإزدهار.
هذه الفكرة من المخيال الجمعي الاغريقي ، النفس الجماعية، تُعَد مرحلة مهمة لإيجاد مقاربة بديعة تقربنا من مفهوم الولادتين ، البشرية و الإبداعية منها ، البيولوجية عند البشر ز ما يلحقها من تبعات انات ، ألام ، أوجاع الحمل الى ما يميز الولادة الإبداعية.
نجدها بشكل مفصل عند العالم النمساوي النفساني "سيڤموند فريود" حين أعطى للأسظورة تفسيرات سيكولوجية وولادة شرجية كما يقول (يانك) ، حين اعتبر تلافيف متاهة جزيرة (كريت) أحشاء المرأة الحابل عن المشيمة و خيط (أريانا) الحبل السري الذي يغذي الجنين في رحم الأم.
ليلخص الفكرة "ماليوسكي" بقوله : "ان في الأسطورة جنين الملحمة و القصة و التراجيديا المستقبلية".
فهو يرى رأي (فيكيري) القائل : "بأن الأسطورة ، هي الرحم الذي يخرج منه الأدب تاريخيا و سيكولوجيا".
لاحظ كلمة رحم...جنين...الأسطورة
فالاسطورة أدبا جاءت به الاستعارة ، يلون الطبيعي بماهو خارق للطبيعة.
غير ان اذا كان البيع بالاهداء يطرح اشكالا و تأويلا أخلاقيا سيكولوجيا تخلى عنه كبار الادباء و المفكرون منذ مدة.
فإنه بالمقابل النشر و (الطبع) يطرح اشكالا اخلاقيا أفظع. أبشع.
حتى القرن الثامن عشر كان الطبع بالمعنى اللاتيني ، يعني رفع تمثال بالساحات العمومية ، بيع الأثار النفيسة القديمة بالساحات العمومية ، الى أن صارت تعني الهتك الفض لبيع الجسد ، حالة التعهر او كما يقول (بلوت) Plote.
فمن يريد ان يكونه هذه الحالة القبيحة التي يريد فيها البشر العوجة الى ذاكرته الحيوانية ، يوم كانت البشر أشد ارتباطا لذاكرته ااحيوانية.
صحيح حاول عميد الأدب العربي د. (طه حسين ) في ورقة قدمها لمؤتمر الدفاع عم الفنانين و المثقفين سنة 1957 بالبندقية - ايطاليا ، حاول أن يجد علاقة شريفة ، اخلاقية ، تحفظ ماء وجه المؤلف و بين البائع. يقول د. طه حسين في ورقته هذه ، "هناك علاقة مشبوهة ، غير شريفة بين رجل الأدب (الأديب) و بين نصير الأدب (التاجر) / الناشر
... فنصير الادب يعطي ذهبا ينفقه رجل الأدب كلما جصل عليه ، بينما رجل الأدب يعطي عصارة فكره التي لا يمكن أن تصرف بأي حال من الاحوال".
اذن هناك علاقة غير شريفة بين رجل الأدب و تبائع الكتب فمابالكم ان صلر الاديب جهارا نهارا يبيع كتبه دون حياء و لا ختى مروءة ، كيف تسمي الحالة ساعتئذ ؟
أليست القضية تتحول من الأداب الى قضية الاداب العامة تخدش الحياء !؟
صعب أن تفهم أديبا من أولئك الذين يوقعون البيع بالاهداء ، أو اولئك الذين يهدون كتبهم بالمجان و مع ذلك لا يجدون اقبالا ، بأنهم يساهمون تاريخيا في انتشار الرذيلة عوضا ان يسعوا الى انتشار الفن و الثقافة و الجمال عبر تشر ادابهم.
ثم أين (الغيرة الادبية) وهو يسلم كتابه الأدبي بسهولة و يسر الى (زابون) متى لا اقول الى قارئ لا تجمعهما أي رابطة أو علاقة ، لا قربى ثقافية و لا مصلى أدبي !
بل لا تربطه أية رابطة عاطفية تربطه و مؤلفه الأدبي ، بسهولة يتخلى عنه الى أول مشتري ز كأنه أرتاح من تبعاته !.
لكم ان تنظروا بروية و تأمل الى الشاعر السيريالي (ملارميه)/ Malarmèe كم سنة قضاها في كتابة قصيدته الملحمة الشهيرة "هيردياد" / Hèrodiade ثلاثون سنة قضاها وهو يراجعها كما يراجع العاشق المتيم عشيقته ، حتى سميت الحالة هذه "شتاءات ملارميه" / Poésies d'hiver de Malarmé نسبة الى انه كان بعود اليها يراجعها عند كل شتاء ثلاثة غقود من الزمن ، و أبى ألا يقدمها على طبق من ذهب الى ناشر سادي يتلذذ بعذابات جسدها الشعري الشاعري.
مات ملارميه و قضى نحبه ، ز حبيبته هيرودياد متناثر الاوراق على مكتبه بكرا ، مخطوطة بخط يده ، لم تعرف النور الة عامة القراء الى الا بعد ان غادر الشاعر الجميل السيريالي الى عالم لا يؤوب منه
مسافر.
لا أقول الى الى أولئك الباعة بالتوقيع ان تكون لكم كىامة و غيرة مثل ما هي عند الشاعر ملارميه ؛ لكن لا بأس أن تحتفظوا بمسافة أمان ز احترام بين بائع الكتب و الزبون ، لا تكونوا تلك الومضة الإشهارية الإعلانية تبيع الوهم الجسدي في مقابل بيع البضاعة الخقيقية التي تستهدف الزبون العابر للزخرف.
العالم لا يزال يبحث عن بديل اخلاقي ، تضمن هبة الأدب من حيث صار الأديب سلطة ، و من حيث حفظ كرامة الأديب صار رجل سلطة.
و الى ان يشعر جميع الاطراف : الوالد ، و المولد و المولود بهذه القدرة و الطاقة ، و الى أن يشعر المؤلف ، الناشر ، الاثر ، القارئ بهذا كله ، تبقى الطبع يغلب التطبع ، و تبقى في علم الجينات و المورثات الصبغية الكروموزومية عند العالم (مندل) صفة (البيع بالتوقيع) او البيع بالإهداء) هي الصفة السائدة !.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...