توفيق بوعشرين - مجتمع القضاة الهش

لنرجع إلى زنزانة ساركوزي ونطل على احوال القضاء الفرنسي حاضرا ومستقبلا لنتعلم فنحن في بلاد قضاؤها مريض وهذه حقيقة يعرفها كل من دخل إلى محكمة .
الرجل ذهب إلى سجن La Santé برجليه.
كان ممسكاً بيد زوجته… المغنية كارلا بروني.
ربما ستلهمها هذه اللحظة الدرامية… لتكتب أغاني حزينة قريباً.
الديمقراطية مثل العقار… تمرض ولا تموت.
وديمقراطية فرنسا اليوم… مريضة.
نعم… مريضة.
بداء الشعبوية…
وبنفوذ المال المتزايد على السياسة والإعلام…
وبأزمة التمثيلية في الزمن الرقمي…
وبهوةٍ تتسع يوماً بعد يوم بين الشعوب ونخبها…
بين الشباب ومؤسساته…
بين الدولة ومواطنيها.
لكن… وعلى الرغم من هذه الأمراض…
فإن الديمقراطية تملك مضادات حيوية.
تملك آليات للتصحيح الذاتي.
تسقط… لكنها تنهض.
تنحرف… لكنها تعود إلى المسار.
ولهذا قال تشرشل: الديمقراطية هي أسوأ نظام سياسي… باستثناء كل الأنظمة الأخرى.”
القضاء في فرنسا… لم يكن دائماً كما نراه اليوم.
كان في الماضي قضاء تابعاً للملوك.
وفي مرحلة الجمهورية… كان قضاءً خاضعاً للرياح…
يتمايل معها حيث تميل السلطة.
ثم جاء أخطر اختبار للقضاء في تاريخه:
زمن حكومة فيشي العميلة للنازية.
حين وصل إلى الحكم رجل باع ضميره اسمه بيتان – Philippe Pétain.
أمر القضاة أن يؤدوا قسم الولاء والطاعة له شخصياً.
فخضع الجميع… إلا قاض واحد فقط.
قاضٍ اسمه بول ديدييه – Paul Didier.
رفض أن ينحني.
رفض أن يبايع الجنرال بيتان.
فأُرسل مباشرة إلى سجن Château Briant.
بينما قبل آلاف القضاة الآخرين بالأمر الواقع.
هذه القصة تكشف شيئاً مهماً:
حتى في فرنسا… مجتمع القضاة لم يكن قوياً دائماً.
كان هشاً. كان ضعيفاً. وكان خاضعاً لمراكز النفوذ.
الاستقلال الحقيقي للقضاء الفرنسي…
جاء مع الجنرال ديغول بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
ديغول وضع الأساس الأول لقضاء مستقل ونزيه وقوي أمام السلطات الأخرى .
-أعطى القضاة رواتب محترمة ليحصنهم من الفساد.
-سمح لهم بتأسيس نقابات مهنية تحميهم من ضغط السياسيين والإعلام.
فبدأت تتشكل تقاليد قضائية جديد في فرنسا…
قضاء يمكن أن يقول “لا” للسلطة الحاكمة.
الكاتب والمحامي جيل بيرو الذي يعرفه جل المغاربة اكثر من اي محام آخر قال في كتابه
“تفسير العدالة لابنتي” – Expliquer la justice à ma fille:
في فرنسا… كانت السلطة القضائية خاضعة لوقت طويل.”
لماذا كانت خاضعة؟
يجيب بيرو:
لأن القضاة ورثوا عقلية التبعية للسلطة.
قبل الثورة الفرنسية… كانوا يعيشون في كنف الملوك يسمعون فيطيعون .
بعد الثورة… أصبح لكل نظام جمهوري قضاته.
ومع عودة الملكية… ودورات الفوضى…
صار القضاة يميلون مع كل ريح سياسية.
وكان لديهم مرضان خطيران:
الاول هو ضعف الأجور… هذا جعلهم فئة هشة ومعرضة للضغط.
والثاني هو ضعف الهيبة المهنية… prestige professional وفقدان الشعور بأنهم خدام العدالة ( هذا امر أساسي في مهنة مثل مهنة القضاة ).
ثم جاء الجنرال ديغول سنة 1958…
ووضع أسس الجمهورية الخامسة ومعها أسس عهد جديد للقضاة .
وهنا بدأ التحول الكبير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...