أن تحاول أن تكون إنسانا على هذه الارض، فهذا في حد ذاته جهد اسطوري، فعل وجودي يائس تراهن فيه على شرف البقاء وسط عالم يسحبك كل يوم إلى التشظي والانفصال عن جوهرك. الارض لم تعد تلك الأم التي تحتضن أبناءها، بل صارت مسرحا عبثيا، يُنتج اليوم أنماط وجود بلا جذور، بلا قيم، بلا مرجعية...
الارض التي نراها اليوم ليست سوى جغرافيا منزوعة الإرادة، كما لو أن البشر أنفسهم انسلخوا عنها، أو نُزعوا منها نزعا قسريا، ففقدوا صلتهم بالمكان، بالتاريخ، وبالروح. هي الأرض التي أشار إليها النص القرآني العميق: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس". فساد في العمق، لا في السطح فقط، فساد في المعنى، في البنى النفسية والاجتماعية، لا في السياسات فقط...
صارت المدن متاهات، والقرى أشباحا، والعلاقات أدوات، وتحول الانسان إلى شيء يقاس بقدرته على الاستهلاك، لا على الحلم. وفي خضم هذا الانسلاخ، لم يعد الانتماء للأرض سوى شعور غائم. الأرض غريبة على أهلها، والناس غرباء في بيوتهم، كما لو أن الزمن قد ألقى بالبشر في حقبة لم يعودوا يفهمونها...
الشر لم يعد مجرد طاقة مضادة للخير، بل صار منظومة فكرية وثقافية، تُسَوّق كحريات وتقدّم كخيارات حداثية. الشر اليوم ليس ذئبا متخفيا، بل إنسانا يبتسم خلف شاشة، يعيد صياغة الجحيم بلغة تسويقية أنيقة. وهو ما كان يشير إليه الفيلسوف الذي رأى أن "الشر هو ذلك الذي يمارَس يوميا، بلا شعور، باسم العادة، والسلطة، والانقياد الجماعي"....
لقد انقلبت مفاهيم الفضيلة، وصار الدفاع عن القيم ضربا من الرجعية. صار النقاء سذاجة، والتأمل بطئا، والصدق ضعفا. الإنسان الحديث، في سعيه إلى الحرية، تخلّى عن الجوهر، عن العمق، عن الاتصال بالخالق، فوجد نفسه في عزلة ميتافيزيقية. وهذه العزلة نفسها، كما أشار فيلسوف الوجودية، هي الهاوية التي تؤدي بالإنسان إلى فقدان المعنى، إلى "السقوط في اللامعنى المهيمن"...
الانسان، في هذا الزمن، يعاد تصنيعه نفسيا واجتماعيا. المصانع لا تنتج الآن السيارات فقط، بل تنتج وعيا جماعيا، تبرمج الأحلام، وتحدد معايير الجمال، وتعيد تعريف النجاح، وتلقن الجميع أن السعادة لا تأتي من الداخل بل من شاشات العرض. وهكذا، صرنا نصاب بالانهيار لا بسبب العوز، بل بسبب التخمة، لا بسبب الجوع، بل بسبب الفقدان الرمزي للمعنى...
في فلسفة النفس، يسمى هذا الانفصال "أزمة الانتماء الرمزي"، حيث يشعر الفرد أن العالم لا يعنيه، وأنه مجرد كائن مؤقت، تائه، يكرر ما يُطلب منه، ويموت دون أن يعيش فعلا. وحين يفقد الانسان شعوره بالمكان والانتماء والقداسة، يفقد القدرة على أن يكون إنسانا...
ما نحتاجه ليس فقط ثورة في السياسة أو في الاقتصاد، بل ثورة في الروح. أن يعود الإنسان إلى ذاته، إلى صوته الداخلي، إلى سؤاله الوجودي الأول: لماذا أنا هنا؟ وماذا يعني أن أكون؟ أن يعود إلى الأرض لا كمساحة، بل كأم، إلى القيم لا كعقبات، بل كمعالم....
ان تكون إنسانا، الآن، يعني أن تقاوم التيار، أن تُبقي قلبك حيا في زمن التخدير العام. ان تكون انسانا اليوم يعني أن تصارع الوحوش الناعمة، تلك التي تدخل إلى روحك من خلال العادة، واللايك، ومنشورات التفاهة. ان تبقى واعيا، يعني أن تكون على هامش السوق، وربما على هامش الزمن، لكنك تكون في صلب المعنى...
وما أصعب أن تحيا في المعنى، وسط عالم يدفعك للفراغ.
"ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا"… آية تختصر ما وصلنا إليه...
المعرفة التي لا تقود إلى الحكمة صارت وباء، والتقنية التي لا تتصل بالروح صارت سلاحا، والحرية التي تُنزَع عن الله صارت عبودية للهوى...
في هذا العالم، ان تبقى إنسانا، ليس فقط شجاعة… بل بطولة صامتة، يومية، لا تُكافأ، لكنها تنجيك من التحول إلى مسخ رقميّ جديد...
ذلك هو الجهد الأسطوري الحقيقي.
الارض التي نراها اليوم ليست سوى جغرافيا منزوعة الإرادة، كما لو أن البشر أنفسهم انسلخوا عنها، أو نُزعوا منها نزعا قسريا، ففقدوا صلتهم بالمكان، بالتاريخ، وبالروح. هي الأرض التي أشار إليها النص القرآني العميق: "ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس". فساد في العمق، لا في السطح فقط، فساد في المعنى، في البنى النفسية والاجتماعية، لا في السياسات فقط...
صارت المدن متاهات، والقرى أشباحا، والعلاقات أدوات، وتحول الانسان إلى شيء يقاس بقدرته على الاستهلاك، لا على الحلم. وفي خضم هذا الانسلاخ، لم يعد الانتماء للأرض سوى شعور غائم. الأرض غريبة على أهلها، والناس غرباء في بيوتهم، كما لو أن الزمن قد ألقى بالبشر في حقبة لم يعودوا يفهمونها...
الشر لم يعد مجرد طاقة مضادة للخير، بل صار منظومة فكرية وثقافية، تُسَوّق كحريات وتقدّم كخيارات حداثية. الشر اليوم ليس ذئبا متخفيا، بل إنسانا يبتسم خلف شاشة، يعيد صياغة الجحيم بلغة تسويقية أنيقة. وهو ما كان يشير إليه الفيلسوف الذي رأى أن "الشر هو ذلك الذي يمارَس يوميا، بلا شعور، باسم العادة، والسلطة، والانقياد الجماعي"....
لقد انقلبت مفاهيم الفضيلة، وصار الدفاع عن القيم ضربا من الرجعية. صار النقاء سذاجة، والتأمل بطئا، والصدق ضعفا. الإنسان الحديث، في سعيه إلى الحرية، تخلّى عن الجوهر، عن العمق، عن الاتصال بالخالق، فوجد نفسه في عزلة ميتافيزيقية. وهذه العزلة نفسها، كما أشار فيلسوف الوجودية، هي الهاوية التي تؤدي بالإنسان إلى فقدان المعنى، إلى "السقوط في اللامعنى المهيمن"...
الانسان، في هذا الزمن، يعاد تصنيعه نفسيا واجتماعيا. المصانع لا تنتج الآن السيارات فقط، بل تنتج وعيا جماعيا، تبرمج الأحلام، وتحدد معايير الجمال، وتعيد تعريف النجاح، وتلقن الجميع أن السعادة لا تأتي من الداخل بل من شاشات العرض. وهكذا، صرنا نصاب بالانهيار لا بسبب العوز، بل بسبب التخمة، لا بسبب الجوع، بل بسبب الفقدان الرمزي للمعنى...
في فلسفة النفس، يسمى هذا الانفصال "أزمة الانتماء الرمزي"، حيث يشعر الفرد أن العالم لا يعنيه، وأنه مجرد كائن مؤقت، تائه، يكرر ما يُطلب منه، ويموت دون أن يعيش فعلا. وحين يفقد الانسان شعوره بالمكان والانتماء والقداسة، يفقد القدرة على أن يكون إنسانا...
ما نحتاجه ليس فقط ثورة في السياسة أو في الاقتصاد، بل ثورة في الروح. أن يعود الإنسان إلى ذاته، إلى صوته الداخلي، إلى سؤاله الوجودي الأول: لماذا أنا هنا؟ وماذا يعني أن أكون؟ أن يعود إلى الأرض لا كمساحة، بل كأم، إلى القيم لا كعقبات، بل كمعالم....
ان تكون إنسانا، الآن، يعني أن تقاوم التيار، أن تُبقي قلبك حيا في زمن التخدير العام. ان تكون انسانا اليوم يعني أن تصارع الوحوش الناعمة، تلك التي تدخل إلى روحك من خلال العادة، واللايك، ومنشورات التفاهة. ان تبقى واعيا، يعني أن تكون على هامش السوق، وربما على هامش الزمن، لكنك تكون في صلب المعنى...
وما أصعب أن تحيا في المعنى، وسط عالم يدفعك للفراغ.
"ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا"… آية تختصر ما وصلنا إليه...
المعرفة التي لا تقود إلى الحكمة صارت وباء، والتقنية التي لا تتصل بالروح صارت سلاحا، والحرية التي تُنزَع عن الله صارت عبودية للهوى...
في هذا العالم، ان تبقى إنسانا، ليس فقط شجاعة… بل بطولة صامتة، يومية، لا تُكافأ، لكنها تنجيك من التحول إلى مسخ رقميّ جديد...
ذلك هو الجهد الأسطوري الحقيقي.