الدكتور مزوار محمد سعيد - المدرسة الابتدائية تحت وطأة الضغوط الاجتماعية

يُبرز النص حالةً اجتماعية متشابكة تُلقي بظلالها على المدرسة الابتدائية، وتجعلها في قلب عملية تأثير متواصلة بين الواقع الاجتماعي والتحصيل الدراسي. فالمدرسة، بوصفها مؤسسة تربوية، ترتبط ارتباطًا عضويًا بالمحيط الذي تعمل داخله، ولا يمكن عزلها عن الظواهر الاجتماعية التي تطرأ على المجتمع. ومن منظور المدرسة الإنجليزية في علم النفس، التي تركّز على التفاعل بين الفرد والبيئة، وعلى أثر العوامل الخارجية في تشكيل السلوك، يمكن فهم الظاهرة التي يعرضها النص بوصفها نتيجة مباشرة لحضور ضغوط اجتماعية قوية تتجاوز أسوار المدرسة لتتحول إلى عناصر مؤثرة في العملية التربوية عموماً.
يقدّم النص مفهوم الضغط بوصفه العدو الأكبر للتحصيل الدراسي، وهو طرح ينسجم مع التصورات السلوكية الإنجليزية التي ترى أن البيئة وما تحمله من مثيرات، سواء كانت محفّزة أو ضاغطة، تؤثر بشكل مباشر على السلوك الأكاديمي للمتعلم. فالضغط يدخل كعامل خارجي يقلل من الدافعية، ويؤثر في القدرة على التركيز، ويُحدث حالة نفور من المدرسة والمعلّم، نتيجة اقتران البيئة التعليمية بسلسلة من المثيرات السلبية التي تشكل استجابات شرطية جديدة تُضعف الرغبة في التعلم. هذا التفسير يتوافق مع مقولات سكينر حول أثر التعزيز والعقاب والمثيرات البيئية في تشكيل السلوك، إذ يصبح حضور الضغط الاجتماعي عنصرًا معوقًا لا يمكن تجاوزه دون تدخل تربوي مهني.
وفي السياق ذاته، يعرض النص سلوك بعض الأمهات بوصفه مظهرًا من مظاهر الضغط الاجتماعي؛ حيث تتجمع الإناث أمام المدارس وتنخرط في نقاشات وضغوطات تمارس على المعلم. وفق المنظور السلوكي الإنجليزي، يمكن فهم هذا السلوك باعتباره تعزيزًا سلبيًا؛ إذ تحاول بعض الأمهات الحصول على نتائج مدرسية عالية لأبنائهن عبر الضغط المباشر على المعلّم، ما ينشئ علاقة قائمة على الإكراه بدل التعاون. ويؤدي هذا السلوك إلى تشويه العلاقة البيداغوجية، كما يتيح للأطفال نماذج سلوكية عدوانية يتعلمونها من خلال الملاحظة، وهو ما ينسجم مع نظرية التعلم بالملاحظة عند باندورا، أحد أبرز الامتدادات التطبيقية للمدرسة السلوكية في المجال الاجتماعي.
من منظور معرفي، يبرز النص ظاهرة المقارنة الاجتماعية التي تمارسها بعض الأمهات، وما ينتج عنها من آثار نفسية على المتعلمين. ففي المدرسة الإنجليزية المعرفية، تؤثر المقارنات في تشكيل البنية الإدراكية للطفل، وتُحدث تشوهات معرفية تتمثل في ربط القيمة الذاتية بالعلامة المدرسية، وتوليد خوف دائم من الفشل، وتراجع الدافعية الداخلية للتعلم، لتحل محلها دافعية خارجية تقوم على إرضاء الوالدين. يؤدي ذلك إلى خلل في بناء مفهوم الذات الأكاديمية، ويجعل الطفل أسيرًا لتوقعات غير واقعية تخلق فجوة بين قدراته الفعلية وطموحات أسرته، مما ينعكس سلبًا على نموه المعرفي والانفعالي.
أما بالنسبة للمعلّم، فإن الضغط المتواصل الذي تفرضه هذه الظاهرة يضعه في حالة من الإرهاق المهني، وهو ما يؤكده علم النفس الإنجليزي المعاصر الذي يربط بين الضغط الوظيفي وظهور أعراض الاحتراق النفسي. فالمعلّم، في ظل هذه الممارسات، يجد نفسه محاطًا باتهامات وشائعات، وخاضعًا لضغوط إدارية واجتماعية، مما يؤدي إلى انخفاض التركيز، واضطراب الأداء البيداغوجي، وتراجع فعالية العملية التعليمية. تتحول المدرسة بذلك إلى بيئة غير مستقرة، يُصبح فيها المعلم محورًا لصراعات لا علاقة لها بالدور التربوي، بل تنبع من ديناميات اجتماعية معقدة تفرض عليه مواجهة مستمرة مع أولياء يفرضون معايير غير تربوية لنجاح أبنائهم.
تعكس الظاهرة أيضًا أبعادًا من علم النفس الاجتماعي، حيث يؤدي تجمع الأمهات أمام المدارس إلى تكوين مجموعات ضغط اجتماعية تُمارس تأثيرًا جماعيًا يفوق تأثير الفرد الواحد. هذا السلوك يمكن تفسيره بوصفه "سلوك قطيع"، حيث تتشكل ديناميكيات جماعية ذات أهداف واحدة، مما يعزز من حالة التوتر داخل المدرسة. كما يؤدي هذا التجمع إلى تحويل المدرسة إلى فضاء للتنافس والتفاخر الاجتماعي، بدل كونها فضاءً للتعلم، وهو ما يخلق بيئة مشحونة تعيق النمو السليم للتلميذ والإنتاجية المهنية للمعلم.
يقترح النص مجموعة من الحلول الإدارية والتنظيمية التي تهدف إلى ضبط العلاقة بين الأولياء والمؤسسة التربوية، مثل منع التجمعات أمام المدارس، وتحديد مواعيد رسمية لاستقبال الأولياء تحت إشراف الإدارة. وهذا الطرح ينسجم مع التوجهات التربوية الإنجليزية الحديثة التي ترى أن التنظيم الإداري القائم على حماية المعلّم وضبط الفضاء المدرسي هو شرط أساسي لضمان مناخ نفسي صحي يساعد على التعلم. فإعادة التوازن للعلاقة بين المعلّم والولي يضمن سير العملية التربوية ضمن إطارها الطبيعي بعيدًا عن التهديدات الاجتماعية أو الممارسات غير القانونية.
في النهاية، يكشف النص عن علاقة معقدة بين البيئة الاجتماعية والمدرسة، ويظهر بوضوح أن أي خلل في المحيط يؤثر بشكل مباشر على السلوك التعليمي للطفل وعلى أداء المعلّم. ومن منظور المدرسة الإنجليزية في علم النفس، يتجلى هذا التأثير من خلال الضغوط البيئية، وآليات التعلم الاجتماعي، والتشوهات المعرفية، والاحتراق المهني. ويبيّن التحليل أن معالجة هذه الظاهرة تتطلب إعادة تنظيم العلاقة بين المدرسة والمجتمع، وضبط حدود التفاعل بين الأولياء والمؤسسة، لضمان بيئة تعليمية متوازنة وقادرة على حماية المتعلم والمعلم معًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...