محمد بسام العمري - قراءة في مقامة الشاهد في زمن الوجع

لقد شاء الكاتب محمد بسام العمري أن يبتكر جسرًا فنيًا
يجمع بين نصوص واقعية موجوعة
كتبها كاظم حسن سعيد،
وبين مقامتيّة تعتمد الصنعة البلاغية،
وتستحضر روح الهمذاني والحريري،
ثم تمزج الطرفين في نسيجٍ واحد
تخرج منه الرواية/المقامة
كأنها مرآةٌ ذات وجهين:. ...
وذلك استلهاما لنص / مشاهد قبل عصر الكهوف/..)

"مقامةُ الشاهدِ في زمنِ الوجع"
ليس هذا العملُ نصًّا يُروى ليمضي كما تمضي الحكايات،
ولا هو سردٌ يُطلب منه أن يُعقّب الحزنَ بالسلوان،
بل هو تجربةٌ أدبية مبتكرة،
يتشابك فيها الواقعيُّ بالحكائي،
وتلتقي شهاداتُ الألم الحيّة
بفنّ المقامة الهمذانية الذي طالما لمع بالسجع والبيان والمخيلة.
لقد شاء الكاتب أن يبتكر جسرًا فنيًا
يجمع بين نصوص واقعية موجوعة
كتبها كاظم حسن سعيد،
وبين مقامتيّة تعتمد الصنعة البلاغية،
وتستحضر روح الهمذاني والحريري،
ثم تمزج الطرفين في نسيجٍ واحد
تخرج منه الرواية/المقامة
كأنها مرآةٌ ذات وجهين:
وجهٌ يروي الحقيقة كما حدثت،
ووجهٌ آخر يصوغ ما حدث
ببلاغةٍ تحمي الحقيقة من الابتذال
وتمنحها حياةً ثانية في اللغة.
إنّ القارئ—قبل أن يدخل المجلس المتخيّل—
ينبغي أن يعلم أنه أمام نصّ
لا يكتفي بنقل الصورة،
بل يرفعها إلى مقام الفن،
ويجعل من كل مشهدٍ واقعي
حجرًا في بناءٍ بلاغي
يتقدّم خطوة نحو الرواية،
وخطوة نحو المقامة،
حتى يتجاور الأسلوبان
كما يتجاور الليلُ والمصباح.
والمقاطع الأربعة التي صاغها الكاتب كاظم حسن سعيد:
• صبيٌّ أفنت المقذوفات بيته وهو يصرخ “يا أمّي”.
• امرأةٌ تستغيث: “أنقذونا… فقد فتك بنا الجوع والرصاص”.
• طفلٌ يُنتزع من بين الأنقاض لا يتكلم إلا بعينيه.
• أمٌّ جاهدت لتطعم صغارها فأطاحت العاصفة خيمتهم.
كلّها شهادات واقعية تُنسب إليه نصًّا وروحًا،
ولم تُمسّ في معناها،
بل رُفع عنها الغبار،
وأُلبست حلّة أدبية
تتيح لها أن تدخل عالم المقامة
دون أن تفقد صدقها،
وتدخل عالم الرواية
دون أن تفقد جمرها.
بهذه “البدعة الفنية”—
وهي مزاوجةُ الحقيقة العارية
بـ البيان المزدان—
يتقدّم هذا النصّ للقارئ،
ليدعوه إلى قراءة الوجع،
لا بوصفه خبرًا يمرّ،
بل بوصفه فنًّا يقيم في الذاكرة،
ووثيقةً أدبية
تقول ما لم تعد السماء تقوله.
فهلمّ، أيها القارئ،
إلى مقامةٍ تبدأ من الشهادة
ولا تنتهي عند البلاغة،
إلى نصٍّ يكشف الجرحَ
ويجمّله بالمعنى،
ليصبح أدبًا وتاريخًا وشهادةً في آن.


المقامة الهمذانية في الزمنِ المهزوم
لِمَنْ عَرَفَ أنَّ الحكايةَ لا تكتبها الأقلام، بل الجراح
حدّثني قلبي—وكان يومئذٍ شيخًا أثقلتهُ الأسقام—
أنّ العقل إذا ضاقَ بالفواجع، تخيّل مجلسًا لا يُرى إلّا بالبصيرة،
ولا يُزارُ إلّا على صهوة الوجع الخطير.
فيا صاحِ،
ادنُ منّا نُحدّثك عن زَمانٍ انخلعتْ حضارته،
وانقلبتْ روحهُ على عقبيه،
حتّى عادَ البشرُ فيه إلى ما قبل الكهوف،
يستضيئون بلهيب المأساة،
ويستدفئون بخرابٍ لم يترك أحدًا ولا شيئًا إلّا ناله.
دخلتُ المجلسَ يومئذٍ،
والليلُ قد نشرَ سواده نشْرَ السِّجال،
ورفقةٌ على أطرافه كأنهم أطيافٌ تُساق إلى قدرها سوقًا،
وفي صدورهم من الحيرة ما لو عُصر لصار نهرًا.
وفي صدر المجلس شيخٌ،
لو أنّ الجبالَ لبست سيماء رجلٍ لكانت صورته،
ولو أنّ الحزنَ تمثّل بشرًا لما اختار غيره.
رفع رأسه، ومسح بلحيةٍ استوطنتها الأيامُ بقايا الرماد، وقال:
يا هؤلاء… حدّثتني الليالي حديثًا
لو سمعتهُ الصخورُ لتشقّقت،
ولو شهدتهُ الطيورُ لخلعت أجنحتها من الفزع.
فأصغينا إليه إصغاءَ ملهوف،
إذ ما في المجلس نفسٌ إلّا والهلعُ يحفّ بها حفًّا.
قال الشيخ:
خرجتُ في أرضٍ،
لا تُعرفُ فيها السماءُ إلّا شاهدًا على الموت،
ولا يعرفُ أهلُها من الجيران إلّا النار.
فأوّلُ ما لقيني—والعهدةُ على القلب—
صبيٌّ تمشي الجراحُ أمامه، ويجري الألمُ خلفه،
كأنه آخرُ شظايا الطفولة على وجه الأرض.
أفنت المقذوفاتُ بيته،
وأفنت معه أسرته،
وأفنت ما تبقّى من حلمٍ كان يُسمّى طفولة.
كان يحمل أخاه الصغير على كتفيه،
يمشي بين الركامِ مشيَ من لا يعرف الطريق
إلّا لأنَّ الخرابَ كلُّه طريق.
وكان يصيحُ صيحَ من سُرقت أمُّه من أحشائه:
يا أمّاه… يا أمّاه…
نداءٌ لو سمعته الصَّخرةُ لانشقَّت،
ولو سمعته الريحُ لاخضوْضَر هبوبُها من البكاء.
فناديته: إلى أين تمضي يا بُنيّ؟
فلم يجب؛
فإنّ من حمل قبرَه على كتفيه،
لا يحملُ جوابًا على لسانه.
ثم استجمع الشيخُ بقايا صوته،
وقال كمن ينزع الكلمةَ من قبر:
وبينا أنا في طريقي إذ برزت امرأةٌ
كأنها بقايا الهيكل بعد البعث القاسي،
ثوبٌ مخرّقٌ،
وجسدٌ ممزّقٌ،
وعينانِ لا ضوءَ فيهما إلّا ما بقي من رماد الإنسان.
مدّت يدها،
وصوتُها يتعثرُ في حلقها تعثّرَ العاصفة في شقوق الجبل، وقالت:
أنقذونا… فقد فتك بنا الجوعُ والرصاص!
يا صاحِ،
والله إنَّ صرختها لم تكن صرخة امرأة،
بل كانت تاريخًا يلطم جدار القدر.
كانت الكلماتُ تتهدّجُ منها
تهدّجَ الطير إذا رُمي بالسَّهام،
وكانت تستنجد بالبشرِ بعدما يئست من السماء،
فالسماء—يا صاحِ—قد امتلأتِ بالدعاء حتى ضاقت.
ثم قال الشيخ، وقد خيّم الصمتُ على المجلس:
وبينما نحن نُصلّي للرحمةِ أنْ تنزل،
ارتفعت صرخةٌ
كأنّ فمَ الأرضِ قد نطق.
فهرع قومٌ،
يحفرون بأظفارهم حفْرَ من يفتّش عن بقيّة عمره،
ويُزيحون الحجرَ والصفيحَ كأنهم يزيحون قدَرًا وُضع فوق صدورهم.
حتى بدا طفلٌ،
وجهُه مدرّجٌ بالدم،
وعيناهُ كنافذتين على خوفٍ لا يُكتب.
لم يتكلم،
فمن يختنقُ بالصدمة لا ينطق،
لكنّ عينيه—يا صاحِ—
كانتا كتابَ استغاثةٍ مكتوبًا بنار،
يخترقُ الهواء اختراقَ السهام.
وما كاد الشيخُ ينهي زفرته،
حتّى قال:
ورأيتُ امرأةً جاهدتْ لجمع الأعشابِ قوتًا لصغارها،
تركضُ بين الحجارة ركضَ من يطاردُهُ الجوعُ والقدر،
حتى إذا عادت،
وجدت العاصفةَ قد سبقتها إلى خيمتها الخَرِقة.
طوّحت الريحُ الخيمةَ
كما تطوَّحُ يدُ اليُتمِ شالَهُ الأخير،
وبقي صغارُها تحت المطر،
تظلّلهم المسيراتُ من فوق
ظلَّ الحديدِ لا ظلَّ الغيم.
يا صاحِ…
ما أقسى أن تنظر إليك السماء،
ثم لا تنظرُ إليك.
ثم نهض الشيخ وقال:
هذا زمنٌ مهزوم،
يُقتل فيه الحجرُ قبل أن يُقتل البشر،
وتُذبحُ فيه الرحمةُ من الوريد إلى الوريد،
وتعودُ الإنسانيةُ فيه إلى ما قبل الكهوف،
تحفرُ بأظفارها بحثًا عمّن ينقذها من نفسها.
فإن كتبتم عنه فاجعلوه مقامةً،
وإن سمعتموه فاتخذوه عِبرةً،
فإنّ الدهرَ يمضي،
ولا يبقى إلّا وجعٌ يكتبُ تاريخَه بحبرٍ من دم.

فانفضَّ المجلس،
وما بقي منه إلا صدىً
يسأل سؤالًا يذيبُ الحجارة:
أيُّ زمانٍ هذا
إذا صار الصراخُ لغةَ الأرض،
وصار الأطفالُ أعمدةَ العالم
على أكتافٍ نحيلةٍ…
لكنّها لا تنكسر؟
محمد بسّام العمري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...