د. أحمد بلحاج آية وارهام - شاعر لا تزري به المحسنات البلاغية

ليس في حسباننا أن نعد الذي لا يعرف كيف يتلاعب باللغة ،وبحقولها البلاغية فيما ينتجه من نصوص شاعرا مقتدرا.فمن لم يسكن اللغة لم يسكنه الشعر،والشعر لغة في ينابيع الخيال،زمنه غير زمن الناس وغير معتاد أذواقهم وطعومهم،سواء ممن هم متعلمون منهم ،أو ممن يضعون أنفسهم في خانة النقاد.
ويمثُل أمامنا هنا شاعر الحب الإلهي باقتدار (=ابن الفارض) الذي اكتسح شعره الخرائط كالشمس،فتلقاه سكانها بكثير من التذوق والتعلق،والمدارسة،ولكن بعض النقد الحديث قد أكثر الطعن في موهبته الشعرية،فأخذت عليه مأخذا جديا يلخص في شغفه بالمحسنات البديعية،والمحسنات ما هي إلا دليل على امتلاك القوة اللغوية التي بها ينسج الخيال مشتهاه.فاللعب باللغة ليس فقرا في الشعرية بقدر ما هو استراتيجية لاستقبال فيوض الخيال بما يناسب،إذ ليس كل محسن ممجوجا،بل الممجوج الإتيان به إلى ما لا يلائم.فعيب النقد أحيانا أنه لايتغيا العدالة النقدية،لأنه لا يرى إلا النصف المملوء من الكأس.ومما لا ريب فيه أن المحسنات البلاغية المعابة عليه هي التي جعلت شعره متداولا في مختلف الأقطار التي تعرف قيمة الشعر في بناء الوجدان،وشفاء النفس من أمراض الخسران.وما كان لمثل هذا التداول أن يتم لو أن ابن الفارض لم يقدم في شعره مناخا عاما ،بمجمل معانيه،وأخيلته،وصوره،تستروحه النفوس،وبخاصة مناخ الحب،الذي يبرز فيه التوله بالمحبوب الصوفي الذي من شأنه أن يجعل للحياة معنى ونكهة،ويبث فيها نورا وحيوية وامتلاء.ولا يخفى أن هذا المحبوب الغائب هو في هيئةأنثى،لا تقبل التحديد أوالتجسيد،ولهذا فقد أطلقنا عليها اسم"الهِي"المطلقة أو الأنثى الكلية الشاملة التي تعرج إليها النفوس على الدوام،ثائرة على الفردية والشخصانية المتطرفة،تعرج إلى حيث ينعدم المكان والزمان ولا يبقى إلا الأنا التي تنطوي على مطلق الحق.
فقيمة ابن الفارض في شعره،والقيمة هي الصورة،والصورة هي محط الدنف والحنين،ومحط الحق المبين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...