خالد صالح عطية - الفلسطينيون بين الوحدة والقدرة: ماذا بعد ملتقى إسطنبول

قبل الدخول في التفاصيل التحليلية، تبدو اللحظة التي انعقد فيها ملتقى الحوار الوطني الفلسطيني في إسطنبول يوم 16 نوفمبر 2025 لحظة فارقة تتجاوز بعدها الرمزي إلى بعدها البنيوي. فهي لحظة تأتي في أعقاب تحوّلات كبرى أعقبت الحرب، وارتفاع منسوب الوعي العالمي بالقضية، وتزايد دور الشتات، وتراجع مركزية القيادات التقليدية. كما أنها لحظة تختبر قدرة الفلسطينيين على بلورة أفق سياسي جديد يتجاوز حدود الفصائل، ويعيد هندسة مشهدهم الداخلي بما يعكس واقع توزيع القوة الفعلي.

في هذا السياق، تكشف المقاربات المتعددة التي طُرحت داخل الملتقى عن ثلاث رؤى رئيسية لإعادة بناء الحقل السياسي الفلسطيني. الأولى هي المقاربة الوحدوية – الإصلاحية، التي تنطلق من مركزية إصلاح منظمة التحرير وإعادة تفعيلها، معتبرة أن استعادة الشرعية السياسية تمر عبر توسيع التمثيل والذهاب إلى انتخابات شاملة. الثانية هي المقاربة التعبوية – المقاومة، التي تضع المقاومة المسلحة والشعبية في صلب تعريف المشروع الوطني، وتعتبر غزة محور الثقل الأخلاقي والسياسي الجديد. أما الثالثة فهي المقاربة المؤسسية – النقدية التي عبّر عنها عريب الرنتاوي، والتي تحوّلت إلى نقطة مركزية في نقاشات الملتقى، إذ ترفض الاختزال في أي طرف أو مؤسسة، وتعمل على صياغة نموذج شبكي متوازن للقيادة الفلسطينية يوزّع الشرعية والسلطة بين الداخل والشتات، المقاومة والمجتمع المدني، ويحوّل شعار الوحدة إلى أداة تنفيذية فعلية.

وفي إطار هذا التحليل البنيوي، يستحضر المقال ما كتبَه الأستاذ مهند عبد الحميد في مقاله بعنوان “ملتقى «الانقلاب الوطني»” المنشور في صحيفة الأيّام بتاريخ 18 تشرين الثاني 2025. عبد الحميد يقرأ الملتقى كخطوة خطيرة، حيث يرى أن الشعارات “وحدة الموقف الفلسطيني” و”مبادرة حرة ومنفتحة” تخفي أهدافًا حقيقية لبعض المشاركين، معتبرًا أن هناك رغبة في تغيير مركز القرار السياسي عبر تقويض شرعية منظمة التحرير أو إعادة توزيعها لصالح القوى التي يُنتظر أن تلعب دورًا أكبر في الفعل الميداني والتمثيلي.

لكن من وجهة النظر البنيوية التي نعمل عليها هنا، هذا النقد لا ينفي بالكامل ما يطرحه الرنتاوي من ضرورة بناء كتلة قيادية وطنية جديدة: فالخلاف ليس فقط بين مناصري منظمة التحرير ومنتقديها، بل حول كيفية توزيع السلطة والشرعية كي تكون فاعلة وذات قدرة. ففي حين يحذر عبد الحميد من ما يراه انقلابًا متمثلًا في محاولة بعض الأسماء لتأسيس مرجعية جديدة أو مؤسسات موازية، نرى في خطاب الرنتاوي رؤية لإعادة توزيع شرعية القيادة بطريقة تنفتح على الشتات والمجتمع المدني والمقاومة، بدون استبعاد أحد، بل بهدف تحصين الوحدة الوطنية عبر بناء القدرة التنفيذية.

تتمثل خصوصية رؤية الرنتاوي في رفضه للاختزال بين فصيل أو مؤسسة واحدة، سواء في منظمة التحرير أو في بنية المقاومة. هو يقول: “وهم الوحدة” أخطر من الانقسام إذا ما بقي مجرد شعار لا يتحوّل إلى قدرة أو بناء مؤسسي حقيقي. ومن هذا المنطلق، يقترح بناء كتلة وطنية تضم الداخل والشتات، وتوزّع الشرعية على: غزة، الضفة، الشتات، المقاومة، والمجتمع المدني/الإعلام. إنها رؤية بنيوية تهدف إلى تحويل التعدد إلى قوة فاعلة داخل نظام قيادة فلسطيني جديد.

إن هذا التعدد، وإن بدا تنافسيًا في ظاهره، يكشف عن تحوّل عميق في البنية السياسية الفلسطينية؛ فالمأزق اليوم ليس فقط في الإرادات أو في الفصائل، بل في غياب نموذج سياسي قادر على احتواء جميع الفاعلين، وإعادة هندسة القيادة كي تكون مرنة وديناميكية. هذا ما يجعل الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة تفاوض أو منظمة، بل أزمة هيكلية في كيفية إنتاج القرار الوطني.

الملتقى أيضًا أظهر أن القيادة التقليدية لم تعد تحتكر المساحات الأولى لصنع القرار: لم تعد منظمة التحرير هي الفاعل الوحيدة، ولم تعد المؤسسات الرسمية هي الحاضنة الأساسية فقط. صعود غزة كمركز مقاوم، وصعود الشتات كقوة سياسية وإعلامية، وتحول المجتمع المدني إلى فاعل مهم، كلها مؤشرات على بناء بنية جديدة للقرار الوطني. من هذا المنطلق، تبدو دعوة الرنتاوي إلى “نموذج شبكي” للقيادة ليست مجرد طموح نظري، بل انعكاس لواقع متحوّل يحتاج إلى مؤسسات تتكيف معه، لا أن تفرض عليه شكلًا واحدًا.

لكي ينجح العقد السياسي الفلسطيني الجديد، تبرز ثلاث شروط بنيوية أساسية في هذا الطرح: إعادة توزيع المصادر الشرعية (الداخل، الشتات، المقاومة، المجتمع المدني)؛ بناء شبكات تنسيق بين مستويات القيادة المختلفة؛ وتخفيف مركزية القرار الأحادي لصالح قيادة تشاركية قائمة على الوظائف والمسؤوليات، لا على الموقع الجغرافي أو الانتماء الفصائلي.

إذا لم تُلتقط هذه التحولات البنيوية على نحو عملي، فإن الفلسطينيين قد يواجهون إعادة إنتاج أزماتهم القديمة تحت مظلة وحدة شكلية فقط، لكن إذا ما تُمكّنوا من تحويل التعدد إلى طاقة، والاختلاف إلى ثراء، وتوزيع مراكز القوة إلى شبكة قيادية متكاملة، فقد يُكتب لملتقى إسطنبول أن يكون نقطة تحول حقيقية في إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني. وبين خطاب الوحدة وشروط البناء، وبين سردية المقاومة ومتطلبات الشرعية، تبرز الحاجة إلى رؤية بنيوية قادرة على تحويل اللحظة الراهنة من محطة تأزّم إلى فرصة لاستعادة القدرة الفلسطينية وبناء مستقبل سياسي أكثر فاعلية واستدامة.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن تحويل هذه الرؤية البنيوية إلى واقع سياسي فعّال لن يكون مهمة سهلة. فالتعددية في مصادر الشرعية وتوزيع مراكز القوة بين الداخل والشتات والمقاومة والمجتمع المدني، رغم ضروريتها، قد تواجه مقاومة شديدة من بعض الفصائل التقليدية أو القيادات التي تعتبر نفسها حاملة الشرعية التاريخية. كما أن الضغوط الإقليمية والدولية، والتحديات الأمنية والسياسية على الأرض، قد تعيق استثمار هذه اللحظة التاريخية وتحويلها إلى نموذج عملي متكامل. لكن إدراك هذه المخاطر ليس دعوة للجم الرؤية، بل اختبار لقوة استراتيجيتها؛ فالنجاح الحقيقي لن يتحقق إلا إذا أُديرت الاختلافات الداخلية بمهارة، وتم تطوير آليات واضحة للتنسيق والمساءلة، بحيث يصبح التعدد مصدر قدرة وليس سببًا للتشتت. مواجهة هذه التحديات بشجاعة ووضوح، مع الالتزام بالشرعية الوطنية المشتركة، هي ما سيحدد ما إذا كان ملتقى إسطنبول سيصبح نقطة انطلاق حقيقية نحو بناء قدرة فلسطينية متجددة، أم مجرد محطة رمزية سرعان ما تتلاشى أمام ديناميات الصراع المعقدة.

بقلم: خالد صالح عطية
21-11-2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...