إبراهيم محمود - سردية الشرف في رواية " شرف " لأليف شفق


أليف شفق


في السردية المضطهَدة
في مجتمعاتنا ، حتى الآن، وعلى أعلى مستوى اجتماعي، من السهل جداً رؤية وكذلك سماع من يحلف أو يقسم بـ" شرفه " من الرجل طبعاً. وثمة كلمة أخرى " ناموس " ( هكذا بشرفي وناموسي ). والناموس، بمعناه اليوناني هو " القانون " كما في " نواميس الطبيعة " أي قوانينها، لتكتسب العبارة دلالة محوَّلة، كما لو أن الشرف ومثله الناموس شاهدَا توازن مجتمعي. دون أن ننسى أن مفردة الناموس وردت من " العثمانية " وحلّت وجرى تداولها في التركية، هكذا يكون عديم الشرف "namusiz " حال عديم الحياء " edepsiz "...إلخ، وما لذلك من قيمة مجتمعية موجَّهة ومحروسة على أعلى مستوى سلطوياً، سواء من جهة الدولة بمؤسساتها الرسمية، أو مؤسسات الظل المتداولة والمعششة في الذاكرة الجماعية، بفهومها العرفي/ التقليدي.
في نطاق هذا المعنى يمكن تعقّب كيفية تشكّل ذلك التاريخ الذي يعلّب الوعي المجتمعي برواته وثقاته وحماته، في مختلف الأنشطة الاجتماعية القائمة، تعبيراً عن مدى نجاعتها لضمان التوازن الاجتماعي -السياسي تراتبياً. أي حيث يجري تحوير ما هو عضوي بعائده الطبيعي لصالح ما هو ثقافي مختزل( فئوي معين) يُرى المجتمع في مرآته المركَّبة، لحظة التكفير في ألقاب " شرفية " ووجاهية " أشراف " و" تشريفاتية "، وليس ما يجعل الشرف في أصله قيمة أخلاقية شخصية، ومع الكرامة المعبّرة عما هو مجتمعي إنساني على وجه العموم. أي ما لا يساوَم عليه، لأنه من جنس مولوده، ولا يمكن التصرف فيه، لأنه رأسمال رمزي يسمّيه بنوعه !


أليف شفق: جريمة شرف
إلى سردية " شرف "
تتشكل هنا سردية لامتناهية، طالما أن قوى قائمة تضخ فيها دماء غير مرئية في الأقوال والأمثال ونمط العيش والتفكير حياة وموتاً، بقدْر ما يعرَّف بالمجتمع حدودياً، ضداً على كل مغايِر ، وبذلك يكتسب الشرف بمرجعيته أو بدمغته الذكورية قيمة متجددة وضاربة القوة، وله نسب طبقي، فئوي، مذهبي، مواقعي اجتماعياً.
والكاتبة التركية- الإنكليزية الجنسية والعالمية حضوراً أدبياً: أليف شفق " 1971-.." شاهدة هذه السردية وعليها في آن، وهي المشغولة بالمرئي واللامرئي فيها ، في تمثيلاتها الرمزية والتي تسمّي كل ما يعرَف به المجتمع في علاقاته وتفاعلات قواه الحية وكيفية التعامل معها، ومتحولاتها القيمية على مر التاريخ.
وبقدّر ما تكون شاهدة على هذا الجاري بعنفه الصامت والمحسوس كذلك، كما هي شهادة رواياتها المختلفة، ودون استثناء، تكون شهيدتها، بمعنى ما، لحظة النظر في حيثيات الشاغل المأساوي العميق الأثر ، لطريقة تعاملها مع سردها وبأي آلية تطلِق العنان لخيالها بما يتجاوب وهذا القلق وبؤرة توتره .

أليف شفق: شرف
ذلك ما يسهل تبينه في عالمنا أكثر، " عالم الميديا " واللاحدودية في التواصل ومؤثرات الهجرة هنا وهناك، وموقع " الهوية "، ووطأة التعبير عنها وكيفية تمثيلها داخل المجتمع وخارجه، كما هو وضعها بالذات" كونها من أب تركي وأم إنكليزية " وهي هجنة لا تفوَّت في القوى المتصارعة داخلها، وهي تصل ما بين شرق يعنيها أباً، وغرب يعنياً أماً، وصعوبات التوافق بينهما. ثمة دائماً ما يعلو المحدود والمتخيل والمفكَّر فيه على أرض الواقع. لم يعد لديها تعبيراً عن شخصيتها هذه، سوى اللوذ بالرواية وما تحفل به من مطاردات شتى.
ألم تقل هي نفسها في مقابلة معها تحمل عنوان" "الأدب يمتلك مقاومة داخلية La littérature possède une résistance intérieure " وفي توضيح جانب من موقفها من خلال كتابتها:
" أنا من تركيا، بلدٌ يُنمّي النسيان رغم تاريخه الطويل. ثغراتٌ يسعى القوميون المتطرفون أو الإسلاميون إلى سدّها. هذه الذاكرة المفروضة لا تملك إلا راويًا واحدًا. أفعل العكس بإعطاء صوتٍ للأقليات المنسية أو المضطهدة. كوني أعيش على الهامش، لطالما شعرتُ بالاختلاف، كما لو كنتُ دخيلةً وداخلةً في آنٍ واحد. نشأتُ على يد امرأتين متناقضتين (والدتها الدبلوماسية وجدتها التقليدية جدًا)، ولم أنسجم مع النظام التعليمي التركي الذي فرض عليّ نظرةً عالميةً واحدة. أصبحتُ مهاجرةً تكتب بلغةٍ غير لغتها الأم (الإنكليزية). لكن بسبب هذا الشعور بالمنفى، أصبحتُ شخصًا آخر، أو بالأحرى، كل الآخرين."

هكذا تكون كتابة السردية المضادة والتي تمتلك قدرة على المناورة والالتفاف على المسمى الفعلي نفسه أحياناً، وتفجير المكبوت السياسي في وضعية معينة اجتماعياً، والدخول في سفينة " نوح " الطوفانية بحثاً عن الأصلح وسعياً إلى الأصلح إلى ما لا نهاية، كون القيامات دائمة مادامت الحياة قائمة !
ورواياتها النازفة من داخلها، يكون صوتها خارجاً: عقاراً معزَّزاً بالحياة المنشودة لداخل يُضغَط عليه كثيراً. كما هو وضع روايتها " شرف " Honor " بالإنكليزية، قبل أكثر من عقد زمني، تحت عنوان " شرف " وهكذا جاءت ترجمتها بالعربية " شرف " من قبل المترجم المعروف محمد درويش " دار الآداب- بيروت، 2013 "، وتكون ترجمتها بالفرنسية " جريمة شرف " توصيفاً لنوعية العنوان " Crime d’Honneur ". ليكون الشرف محوّلاً قاعدياً هنا إيماءة وتأكيد اختلاف في التلقّي لفاعلية الاسم، وعلى أكثر من صعيد لمجتمع محكوم من قبل الذكور، والشرف بحامله الجنساني الأنثوي " الممتلَك" هو محط النظر على مستوى الأثر المحسوس في هذا المجتمع: شرف الرجل المرئي يسمّي المرأة الغائبة " اللامرئية " اعتباراً.
وربما أمكن القول جهة السرد وتغيّر لونه وشكله وصوته الداخلي، أن هذا الـ" شرف " موضوع قديم وحديث وما بعد عولمي لحظة النظر في المتغيرات والمستجدات، وظهور مفهوم الشرف بمحتواه الجنساني، فلسفياً، بهيئات مختلفة، كما الحال في رواية " شرف " هكذا كاسم نكرة وليس " الشرف " ذا الدلالة الأخرى، أو " جريمة شرف " العنوان الدال على مؤثّر جنائي- اجتماعي في الحال. بينما في " شرف " فثمة فضائيات متداخلة للكلمة، وما تعنيه دلالة: اسم قيمة، اسم شخص، اسم دون تحديد...إلخ، وتلك التداعيات التي يفجّرها الاسم عند استدعاء موقع الذاكرة الاجتماعية وحركية " الشرف " كمؤثر وجداني- اجتماعي وسلطوي، والتاريخ وكيفية كتابته إزاء ذلك، وأكثر من ذلك، كمقتفي أثر خفي قائم على جرْم مركّب في بنيته.
وشفق ليست في موقع عالمة اجتماع، وهي عملياً لها صلة قربى مباشرة بخاصية سوسيولوجية من هذا النوع، لكنها روائية لا تضع عملية البحث عن الحل نصبَ عينيها في كتابة نصها الروائي كمخطط أكاديمي ومبرمج بخطوطه العريضة، ليس ذلك مطلوباً منها طبعاً، إنما ما يجعل المشكِل مادة متفجرة روائياً، ولفت الأنظار إلى ما يجري.. كما لو أنها تُري ما هو قائم، وتترك الممكن والمأمول للآتي عبر تفاعلات تستولدها الرواية .
من باب التنويع في الاسم وتنوع المسمى، أشير هنا إلى أن رواية للكاتب المصري المعروف صنع الله إبراهيم " تحمل الاسم نفسه" شرف " سنة "1997 " عن سلسلة " دار الهلال " بالقاهرة، وهي ضخمة " 540 " ونيّف. ولها صلة بالجريمة ذات الطابع السياسي هذه المرة، حيث البداية تأتي هكذا:
( من المؤكد أن الحذاء ليس هو المسؤول عن المصير الذي آل إليه أشرف عبدالعزيز سليمان) أو شرف كما ألِفت الأم أن تنادي حبة عينها)، فقد كان مبرمجاً، بجيناته الداخلية، والخارجية، لمَا وقع من أحداث . ولا يغيّر من الأمر قِصْر الطريق الذي قاد من " كوتشي " إلى " جون " ولا من الأخير إلى بؤر أخرى. ص 7 ).
وحيث إن الروائية تصرفت بفطنة مظللة باسمها، عندما أسلست قياد السرد لروايتها لشخصية نسائية، هي " أسماء " ابنة القتيل والضحية " نازي "، وما لذلك من تقدير لنوعية السرد وخطورة المهمة الموكلة إليه، إن جاز التعبير، كما لو أن إسناد الدور إليها، اعتراف صريح بمكانتها، وهي في رمزيتها، ونفض للغبار الثقيل والمتراكم على حقيقة مجتمعية، وتعرية للجاري فيه وهو بهيمنة ذكورية، ومنذ البداية، وطيّ العنوان اللافت " أسماء- لندن- 12 أيلول 1992"
( توفيت والدتي مرتين، فآليت على نفسي ألّا أجعل حكايتها في طي النسيان، ولكنني لم أستطع قط أن أجد الوقت أو الإرادة أو الشجاعة على كتابتها، حتى وقت قريب على الأقل.ص13).
لا بد أن يمضي وعينا بكامل قواه الحي والكامنة إلى مكاشفة الفراغات الفاصلة بين الجمل والكلمات عينها أزمنةً وأمكنة:الجانب الخبري " توفيت والدتي " وما يصعد من دلالة الوفاة " مرتين " فثمة ما يستدعي النظر، أكثر من الوفاة الطبيعية، والأدب، والرواية ضمناً لا قيمة لها إلا في المباغت، في محو المألوف والتطهر من المعتاد بالتالي، وإيثار المتخيل الضامن لما هو استثنائي، وما يحيل النسيان الذي يعتّم على مشكِل مؤلم، وجعله ذاكرة وهذه تاريخاً ليكون للشرف جلاء وجهه الفعلي مجتمعياً، في الاتجاه المعاكس للسائد كما يظهر، ومعاينة خلفية التأجيل أو الظروف وما هو نفسي..إلخ حيث لأفراد عائلة هذه الفقرة أدوارهم وظلال أفعالهم بالمقابل.
يكمن الدور الكبير للرواية في أنها تمارس ميتات متتابعة لاسمها، لتكون بخاصيتها " الفينيكسية/ العنقائية" أمضى قوة على إيصال المكبوت أو المصموت فيها. دورٌ لا يمكن النظر إليه تفويضاً أو توكيلاً رسمياً مباشرة، وإقرار خطي بذلك، وإنما دور يحمل سره معه، ولا يجلو هذا السر حتى بعد الانتهاء من كتابة الرواية، بما أن متعة القراءة هي في متابعة السر وعدم الإفصاح عنه، وإنما مواجهة الذات القارئة، كما لو أن المعضل داخل القارىء، أن المعضل يُسمّيه، يخاطبه دون تشهير، ويقلقه دون تهديد، ويحفّز فيه تخيله دون إقحام، وهو ما تحست شفق التعبير عنه، أو الحفاظ على سوية الرواية عن بُعد من خلال مسافة ضامنة لجعل مكبوت الرواية يتكلم بلغات شتى " براحتها ".
و" شرف " كعنوان مستفز أحياناً، ليس مجرد واجهة أو كلمة بسيطة، وإنما شحنة مؤثرات في الداخل، حسية متعدية لحدود الرواية وكامل شخصياتها ومساحاتها الجغرافية، كما هو وضع العائلة الكردية، في قرية كردية حدودية، ودلالة الحدود ومآزقها كردياً وأبعد، ومغزى النهر" نهر الفرات " بجانبه الرمزي زمنياً وكيف يمثّل فيه وهو حامل حياة. في العائلة ثمة إمكانية لمقاربة مشكلة عالقة مجتمعياً، ومن خلالها طبعاً، تشد أوصال فئات المجتمع والقيمين عليه على العموم، إنها مشكلة تمضي بنا إلى الأمام، وتواجهنا بما يشدنا من " الخلف " ومن يكون حامل القوة / السلطة وتصريف قدراتها، وإدارة أمورها بالمقابل. عائلة تمتلك رصيداً ائتمانياً يخوّل لها أن تكون في الواجهة، وباسمها وهي تتشعب في علاقاتها خارج القرية، خارج المدينة، خارج " لندن " نفسها التي استقرت فيها" بمبي " النموذج القرباني فيها، تعبيراً عن مدى وساعة هذا السرد المركَّب، ومن تكون الأيدي الظاهرة والخفية التي تغذي كل هؤلاء الداخل في نطاقها بعنف متعدد المهام.
نقرأ بعضاً مما هو وارد حول ذلك، في الترجمة العربية لرواية " شرف ":
طي عنوان" أسماء مثل مكعّبات سكر- قرية على مقربة من نهر الفرات 1954 ":
عندما ولدتْ بمبي، بلغ الحزن بنازي حداً جعلها تنسى كل آلامها طوال الاثنتي عشرة ساعة الماضية. ص19.

كانت قرية كردية نائية كالحة، تخلو من الطرقات، والكهرباء، ولا أثر فيها لمدرسة أو لطبيب. وقلما كانت أخبار العالم الخارجي تتغلغل في عزلتها: عواقب الحرب العالمية الثانية أو القنبلة الذرية...من الأمور التي لم يسمع بها القرويون، ولكنهم على الرغم من ذلك كانوا مقتنعين أن ثمة أشياء غريبة حدثت في الكون، بمعنى خارج حدود شواطىء نهر الفرات. ولمَا كان العالم كما هو عليه، فإن الرغبة معدومة في محاولة اكتشافه. فكل ما هناك وكل ما سيكون، موجود في هذا الزمان والمكان. فأبناء الجنس البشري قدّر عليهم، أن يكونوا مستقرين استقرار الشجر والجلاميد، إلا إذا كنت واحداً من هؤلاء الثلاثة: صوفياً جوّالاً ضيّع ماضيه، أو أحمق فقد عليه، أو مجنوناً فقد حبيبته....
كان شيوخ القرية، وأكبرهم سناً ثلاثة رجال قصار القامة كئيبو المظهؤ، أنفقوا معظم أوقاتهم في المقهى الوحيد مستغرقين في التفكير في الحكمة الإلهية وفي غباء السياسة. صص 20-21.

" ألوان: قرية على مقربة من نهر الفرات 1953":
هامت بمبي حباً بالكلاب منذ نعومة أظفارها، وأحبت طريقتها في فهم أرواح البشر حتى وهي نائمة مغمضة العينين... وكان معظم الراشدين يعتقدون أن الكلاب لا تفهم كثيراً، ولكنها اعتقدت أن ذلك ليس صحيحاً، فهي تفهم كل شيء، ولكنها مسامحة فحسب.ص25.

قبل أن تبدأ بمبي بالذهاب إلى المدرسة، كانت تظن ظناً قوياً أن كل الناس على وجه البسيطة يتكلمون اللغة الكردية، ولكنها أدركت الآن أن الأمر ليس كذلك، بل إن عدداً غير قليل من الناس لم يكن يفقه شيئاً من اللغة الكردية، مثل معلّم المدرسة على سبيل المثال الذي كان رجلاً قصير الشَّعر يميل إلى الصلع، وتنبعث من عينيه نظرة ملؤها الحزن والهم، وكأنه مشتاق للحياة التي خلَّفها من ورائه في اسطنبول، ممتعض من إرساله إلى هذه البقعة المنسية. وكان يستاء كثيراً، وينزعج عندما يكتشف أن التلاميذ لا يفهمون ما يقول، أو عندما يطلقون نكتة باللغة الكردية فلا يفهمها، ولهذا السبب طرح مؤخراً مجموعة من القواعد والتعليمات: كل من يتفوه بكلمة كردية واحدة سوف يعاقَب بالوقوف على قدم واحدة بجانب السبورة وظهره إلى بقية التلاميذ.ص 27.

في البلدة: وكان " الشرف " يمثّل أكثر من كلمة، بل كان اسماً من الأسماء . في إمكانك أن تسمّي ابنك " شرف" مادام أنه ولد، لأن الرجال شرف: كبار السن والشيوخ وحتى تلاميذ المدرسة الصغار الذين تفوح منهم رائحة حليب أمهاتهم. أما النساء، فلم يكن لهنّ شرف بل لديهن عوضاً عن ذلك العار. وكما يعرف كل فرد، فإن كلمة عار تشكل اسماً بائساً لا يمكن لا واحدة أن تسمى به . ص 37.

وطي عنوان" صبي يطعن أمه " غسلاً للعار "2 كانون الأول 1978 :
طعن صبي في السادسة عشرة من عمره من أصل تركي/ كردي أمَّه حتى الموت في حي هاكني غسلاً للعار، فقد طعن اسكندر طبرق بمبي طبرق أمام بيت الأسرة في شارع لافندو غروف. ص 137.

وطي عنوان " عار – لندن، 5 كانون الثاني، 1978 :
إن الرجال مخطئون عندما يشتهون النساء الجذابات. في إمكانهم مغازلتهن في أيام عزوبيتهم، ولكن على الزوجة أن تمتلك سجايا أخرى غير الوجه الجميل. وقد عارض " طارق " منذ البداية هذا الزواج، لكن آدم كان وحيداً في تلك القرية الكردية المنسية عندما طلب يد بمبي، وحيداً وصغيراً جداً.
فعندما هربت والدتهم رفقة رجل آخر، كان طارق في السادسة عشرة من عمره، وخليل في الثالثة عشرة، أما آدم فلم يكن يتجاوز الحادية عشرة... ليس في وسع كل شخص أن يفهم أن الشرف هو كل ما يملكه بعض الرجال في هذا العالم، فالأثرياء يقدرون على الخسارة، وعلى استعادة سمعتهم وشراء الذمم بالسهولة التي يشترون بها سيارة، وإعادة تأثيث دُورهم، لكن الأمور مختلفة لبقية الناس، فكلما قلت إمكانيات المرء زادت قيمة شرفه. ص292.

إنها مشاهد/ حلقات تقرّبنا من سلسلة الرواية في تبعاتها الزمانية والمكانية، في سرديتها الجيلية الثلاث، ومآسي البداية والنهاية فيها معاً، وفي مجتمع أكثر من كونه مجتمعاً له حدوده، إنما ما يجعله نموذجاً باعثاً على الكآبة، على تنامي" الغرابة المقلقة " فيه، والتباينات القيمية وصدوعها " الفكوكية " المهددة للجميع، حيث كل عبارة تبث إشارة من نوع خاص، دال على " نخر " مجتمعي مزمن، أو قديم، لا يُرى، نظراً لأن الذين يسيّر ما هو قيمي، كفّوا عن النظر، إلا بما هو مجدول حسابياً بمعايير خاصة تنمّي عماهم الداخلي مع الزمن.
إن المشاهد هذه والتي تمثّل لحمة السرد لجعل العيّنة " موضوع الرواية " وهي بخاصيتها الاجتماعية- الإنسانية، مناظِرة لجملة الأمثلة التي يجري البحث فيها بالنسبة لعالم الاجتماع، لنكون إزاء ظاهرة اجتماعية مشبعة بالشواهد، وهي ملموسة، بينما الوضع للروائي" للروائية هنا" فثمة محاولة لا بد أن تحمل بصمتها التخيلية ومقدرة على منح قارئها يقيناً اعتبارياً من مدى جمالية السرد ونبضها الاجتماعي .
نعم، مؤكد، ومن باب البداهة أن المجتمع يأتي وفي أعقابه يكون نصه الروائي، أو النص الذي يفصح عنه، سوى أن المنعطف الأكبر في العلاقة يكمن هنا، أعني بذلك في كيفية انفصال النص الذي يعني المجتمع بطريقة، عنه، كما لو أنه غير موجود، ليمنح خاصية كنص أدبي، جمالي، أو إبداعي قابلية تجاوز محليته أو منطقته أو إقليميته وأبعد، وليكون في مستطاع القارىء أن يعاين في النص هذا بنياناً مجتمعياً يقلقه، ليس هو الذي يقيم فيه، حتى وإن سمّى فيه مدنه، بلداته، قراه، شوارعه، حدائقه، أنهاره ، سهوله وجباله...إلخ، في لعبة السرد الدالة على مدى رجحان كفة المتخيل وسؤدده وبراعته، على المحسوس في المجتمع: حدوداً، أشخاصاً، كائنات، وعوالم أخرى. إن المجتمع اللاسوي الذي يتحرك على تخومه نصُّه سرعان ما يصبح النص متقدماً عليه، مشكلاً مرآة متعددة الطيات، وهي تريه أوجه قبحه في كامل جسده . ذلك هو الصوت المدوي للرواية هذه، أو ما يكون النص المتشكل من مجرد كلمات تملأ سطوره إلى أصوات كتِم عليها داخله طويلاً .
وهنا ، جهة مفهوم الشرف، يجري تقليب الاسم على وجوهه، واستنطاق المركّب الرمزي فيه، وفي مجتمع تنتمي إليه الكاتبة، كونها تركية الأصل، من جهة الأب، ولا تنتمي إليه، جهة الموقف خارجاً، والأم الإنكليزية الأصل. إن الدم الذي يجري في عروقها لا يخفي حيويته الانكليزية، وهو يمنح هذه العروق، مرونة، وقابلية تكييف بالمقابل، كما لو أن الأم وجهتها، بأكثر من معنى، وأن الشرف يتكلم مفصِحاً عن الشرف بوصفه شرخاً فالقياً في النسق الثقافي القائم. إن الشرف، كما هو مطروح، جرى ويجري تسمينه في المجتمعات المحكومة بالإغلاق ليس حباً به إنما كرهاً في الذين يتحصنون داخله، ويتقوقعون بما يجعلهم لازمانيين، لامكانيين، تلبية لما هو مخطط له سلطوياً، لكي يجري تثمينه، في علاقة طردية. ودون أن نغفل عن ومضات اجتماعية وتأملات اجتماعية، عندما نقرأ في حيثية السرد كيفية تناول الشرف لدى الأثرياء ولدى المعدمين. الشرف قيمة معتبَرة لدى المعدم، لأنه يمثّل عريه الاجتماعي، فلا يرى سواه، بينما الثري، فثمة ما يغطي عريه أو يتغطى به لإخفاء عريه، وما في ذلك من مخاتلة ومكر بحقيقة كل قيمة في هذا المنحى.

ما ينبغي إبرازه
نعم، الكاتبة غير مطالَبة بأن تسمي كل شيء باسمه: مكاناً وزماناً، وعنواناً كذلك. كما هو حال جملة عناوين الرواية " الشرفية ". سوى أن هناك ما يدفع بنا، وربما بالقارىء المنهمّ بجماليات المكان وجغرافيته، هو السؤال حول الاسم الدائر ومغزاه. إن الحديث عن القرية الكردية وهي في وضعها البائس، علامة إفقار ما هو تاريخي موجَّه، وليس اعتباطاً، وهكذا الحال بالنسبة لأهل القرية وعالمهم الداخلي، وحكاياته المكررة إنما المعبّرة عن كيفية " تبئيس القرية وأهلها ". ليس هناك ما يقرَأ، أو يجري تسطيره دون مقابل، دون وجود سهم اعتباري يصل بينه وبين ما يتنفسه الناس ويتكلمونه في محيطهم وعلى حدوده، كما هو موقف بمبي، ونظرتها إلى العالم من حولها، موقع الكردية كلغة والذين يتكلمونها، ولماذا هي هكذا، وموقع معلّم المدرسة/ القرية التركي وامتعاضه مما يجري، إنه مأمور، ولكنه رمز سلطوي، وهو في مقام منفّذ لتعليمات، إمحاء للكردية ومن يتكلمونها. إن سلطته امتداد لسلطة عليا في المجتمع، وتوجيهاتها الصارمة التي ترى في كل كردي يتكلم لغته تمرداً على النظام( ينظر، مثلاً في كتاب اسماعيل بيشكجي: النظام في شرق الأناضول، وكذلك، كتابه: منهج العلم، من ترجمتي، ومنشورات جامعة دهوك، 2018 " جهة التلاعب بالحقيقة ) .
إن القرية بصورتها البائسة الكالحة، وحدودها، ونهر الفرات، ووضع العائلة في لندن، ونهر التايمز ودلالات النهر، والقتل الصادم، ومشهد القتل وإبرازه إخبارياً..عناوين صارخة بمحتواها الاجتماعية، وهي ليست صامتة، بالعكس، إنها تمنح الصمت قدرة على المناورة والرهان على المستقبل .
في البعد الإنساني للروائية، يسهل الشعور به، حيث إنها تحاول التزام اللامسمى، في اختيارها لشخصياتها وأدوارهم، ولكنها في قرارة نفسها تعرف كيف ترى، وكيف تختار، وكيف تمارس استيلاداً لمجتمع منغلق على نفسه، فاللامسمى يثير حفيظة القارىء أكثر، عندما يتناول العلاقة بين قرية كتلك التي يشار إليها، والمدينة بوسعها ورهبتها، ولندن وتمثيلاتها وكيفية تعاطيها للأحداث، وما يمكن للسرد أن يمدنا بما هو خفي .
بذلك يصبح الشرف جلاداً وضحية: جلاداً، عندما يساوَم على مصير أفراد وأكثر، ويجري ضبطهم عرفياً، فينال منهم من خلالهم، وضحية، لأنه في بنيته، لا صلة له لما يُدار باسمه، وقد جرى توليفه، إنه بريء الذمة، وهو يطرح بقوة في " البازار المجتمعي المنحرف".
ولا شك أن الروائية تدرك بجلاء، كما هو المقدَّر في حركية سردها، وهي تنظر عن بعد، لترى أكثر، أن هناك دائماً ما يمكن ترْكه لنظر القارىء وفطنته، كما هي مأثرة الذكورة ونفاذ فعلها في المجتمع، ديناً ودنيا، انطلاقاً من رواياتها ذات العوالم المختلفة ومخاتلة الذكورة فيها كثيراً .
( يمكن التوسع حول ذلك، بمراجعة مقال شرارة تشافوشيان *نجمة شادرام: الرواية الذاتية عند أليف شفق: التعبير عن الذات في مجتمع ذكوري
Sharareh CHAVOSHIAN *Najmeh SHADARAM: Autofiction chez Elif Shafak : s’exprimer dans une société machiste
إنها هي نفسها تشير إلى العلامة الفارقة لتركيا كمجتمع محكوم تراتبياً وبقوة، وما يعنيه ذلك على صعيد العلاقات الاجتماعية، كما تقول في إحدى مقابلاتها المعنونة بخطاطة لافتة: لا أملك رفاهية الابتعاد عن السياسة: Je n’ai pas le luxe d’être apolitique:
لا توجد حرية تعبير في تركيا. ليس فقط المقابلات، بل أيضًا الأعمال الأدبية والروايات، يمكن مقاضاتها. لقد مررتُ بهذا في عام ٢٠٠٦ عندما حُوكمتُ بروايتي "لقيطة ستانبول". اتُهمتُ بإهانة "الهوية التركية"، واضطر محاميّ للدفاع عن كلمات شخصياتي الأرمنية الخيالية في المحكمة! بعد عام، بُرِّئتُ. لكنني اضطررتُ لمواصلة العيش مع حارس شخصي لمدة عام ونصف. حاليًا، أُواجه تحقيقًا آخر بتهمة "الفحش" لأنني أكتب عن مواضيع مثل التحرش الجنسي، وزواج الأطفال، والعنف القائم على النوع الاجتماعي. ذهب رجال الشرطة إلى دار النشر الخاصة بي لمصادرة رواياتي كجزء من هذا التحقيق. إنه وضع صعب.
تستحق أليف شفق أن تكون لسان هذا العالم المضطرب داخلاً وخارجاً، لأن في لغتها ما يمنح لغتها هذه طرب المعنى، وذهب المبنى.




جريمة شرف: آراء القراء Crime d'honneur, l'avis des lecteurs


(...) الحب والدين، واحترام القيم التقليدية، والرغبة في التأقلم مع ثقافة الغرب، كلها مواضيع تتقاطع وتتقاطع في هذه الرواية الرائعة، المفعمة بالحياة والشخصيات الآسرة. تتوالى أحداث القصة عبر أجيال عديدة، فنتابع شخصياتها وتطور حياتها، مما يمنح الرواية إيقاعًا رائعًا يجعل من الصعب تركها. (...)

رواية ثرية ومعقدة تمتد عبر أجيال وقارات متعددة. تسرد قصص نساء ومهاجرات يناضلن لإيجاد مكان لهن، والتعبير عن مشاعرهن، ويجدن أنفسهن وهن عالقات بين التقاليد والحداثة. كما تقدم لنا أليف شفق صورة عن لندن من زاوية أولئك الذين لا يحظون بقبول حقيقي. إنها ملحمة عائلية مدهشة.

كتاب آسر وبإيقاع سريع. ينتقل بسلاسة من عصر إلى آخر، من ثقافة إلى أخرى، دون أن يفقد خيطه. ثمة شخصياته محببة للغاية؛ تصف الكاتبة نقاط قوتها وضعفها بإنسانية بالغة. لا ترغب في تركها عند إغلاق الكتاب؛ بل ترغب في معرفة المزيد، ومواصلة تتبعها في شوارع لندن أو أي مكان آخر.

رواية رائعة، مكتوبة بإتقان. تتسلسل أحداثها تدريجيًا، والنهاية، التي بدت متوقعة، تُفسح المجال للمفاجأة. تُستكشف مواضيع عديدة (الحب، الشرف، التقاليد، حياة المهاجرين، الشباب، نظام السجون...) وتنسجم جميعها بتناغم حول شخصيات آسرة. (...) قصة آسرة تدور أحداثها بين عالمين، تركيا والغرب، بين ثقل التقاليد والتسامح.

موهبة أليف شفق في سرد القصص لا تُنكر.حيث تُسهم الأساطير والمعتقدات المُنسَّجة عبر السرد في سحر الرواية وجوِّها الفريد. (...) لفت انتباهي مقطعٌ واحدٌ على وجه الخصوص: "كانت كلمة "سينما" كحلوى في غلافها اللامع. لم تكن تعرف ما بداخلها، لكنها لم تكن تشك في أنها شيءٌ لذيذ". هذا الاقتباس يُجسّد تمامًا الشعور الذي انتابني أثناء القراءة. "جرائم الشرف" متعةٌ حلوةٌ مُرّة، جوهرةٌ ساحرة."

لقد استمتعتُ بهذه الرواية المُحكمة البناء، مع أن تبدلات وجهات النظر بين الشخصيات كانت تُشعرني أحيانًا باللاراحة، ما حال دون تماهيّ الكامل مع أيٍّ منها والتعلق بها. مع ذلك، ومن منظور ثقافي، أتاحت لي الرواية فرصة السفر والتعرف على حضارة جديدة. سمح لي أسلوب الكتابة البسيط بالتركيز على الأحداث، متجنبًا الأوصاف الطويلة والمُفصّلة.

في هذا المزيج من الثقافات، بين هذه العائلات التركية أو المهاجرة، يصطدم ثقل التقاليد بإنكلترا حيث تتعايش التطرفات (البانك، المهاجرون...). ببنية أصلية، تغوص بنا الكاتبة في قلب الروابط العائلية التي يهيمن عليها الثقل الموروث لمجتمع أبوي، غني بالخرافات الشرقية. لكن قوة الرابطة بين الأم وأطفالها، وهي روابط عائلية تعززها أحيانًا التوأمة، هي التي تنقذ مصائرهم.

تمت المراجعة من قبل ميركو، ١٠ كانون الثاني ٢٠١٦ (قرية في أورن، فرنسا، تاريخ التسجيل: ١١ حزيران ٢٠١١، العمر: ٧٦ عامًا)
التقييم: ٧ نجوم
متوسط التقييم: ٧ نجوم (بناءً على ٦ مراجعات)
التقييم المرجح: ٥ نجوم (المرتبة ٢٥٨٣٨)
عدد المشاهدات: ١١٤١٣
ثقل التراث الثقافي
تروي هذه الرواية قصة عائلة تركية كردية مسلمة هاجرت إلى لندن عام ١٩٧٠. اختار آدم، الأب، وزوجته بمبي، وهما والدا طفلين، اسكندر (٨ سنوات) وأسماء (٧ سنوات)، المنفى، مدفوعين بسراب حياة أفضل في الغرب. وُلد يونس، الأصغر، بعد بضع سنوات على أرض إنكليزية. ينقلنا المشهد الافتتاحي مباشرةً إلى عام ١٩٩٢. تُوشك أسماء على اصطحاب شقيقها اسكندر بعد إطلاق سراحه من السجن بعد قضاء أربعة عشر عامًا في جريمة قتل والدتهما، وهي جريمة شرف: يتبلور الموضوع الرئيسي، وتستقرّ النبرة الدرامية.

تجد أليف شفق، من خلال أصولها وتاريخها الشخصي، نفسها على مفترق طرق بين ثقافتين، شرق أوسطية وغربية. إنها تتيح لنا، دون تحيز، التعمق في عقليات هذه الفئات المهاجرة، المبنية على قيم مختلفة عن قيمنا، وتطرح مسألة التكيف، مُحفّزةً ببساطة تفكيرنا الخاص.

على مدار ثلاثة أجيال، يُعيدنا كتابها باستمرار إلى مفهوم الشرف هذا، الذي يبدو أنه يحتل مكانة بارزة في ثقافة الشرق الأوسط:

"في هذا البلد (...) (نتحدث هنا عن المنطقة الكردية في شرق تركيا) كان "الشرف" أكثر من مجرد كلمة. كان أيضًا اسمًا. يُمكن أن يُطلق على الطفل، شريطة أن يكون صبيًا (...) لم يكن للنساء شرف. كان عليهن العار." كلما قلّت ثروة الرجل، ازداد تقديره لشرفه. وتشويه شرف أحد رجال العائلة يُعدّ إهانةً لشرف بقية رجال العائلة. من البديهي أن المرأة وحدها هي المسؤولة؛ فإذا اغتُصبت، أو زنت، أو أجّج سلوكها المشبوه (مثل سلوك بمبي) الشائعات، فإنها تُجسّد هذا التدنيس، ويجب غسله بالدم.

تُبيّن لنا أليف شفق كيف يُثقل هذا الإرث الثقيل على حياة الأفراد: أولًا وقبل كل شيء، النساء، الخاضعات للقدر الذي كتبه الله لهن، ولإملاءات الرجال، واللاتي يُحبط طموحهن إلى السعادة بسبب الخوف والذنب اللذين غرسا في أعماقهن. ستدفع بمبي وشقيقتاها جميلة وهدية الثمن.

علاوة على ذلك، غالبًا ما تكون النساء، الأمهات، هنّ من يُكرّسن هذا الخضوع للفتيات وهذا التعالي الذكوري. نازي، أمهم، لن تتردد في التضحية بحياتها لإنجاب الابن الذي طال انتظاره بعد أن أنجبت ثماني بنات. اسكندر، قاتل أمه، هو نتاج هذا النقل، ابن أمه البكر الحبيب، "سلطانها"، "أسدها"، "نور عينيها".

لكن هذه القواعد نفسها قد تُدمر حياة الأبناء. سيعاني آدم من رحيل أمه عائشة والعار الذي لحق بها. سيتزوج بمبي، غير قادر على الزواج من أخته التوأم جميلة، التي أحبها، غير متأكد من عذريتها، وسيحاول أن يُغرق ندمه على حياته الضائعة بالاستسلام لإدمان القمار، وترك المنزل من أجل حب راقصة. وهكذا، سيعاني اسكندر، وهو في السادسة عشرة من عمره، من عبء رب الأسرة، الذي دفعه المجتمع إلى هذا الفعل المميت، من ألم الذنب والفقد، وهو ألم أشد إيلامًا وتدميرًا من العقوبة التي فرضها القضاء الإنجليزي.

تتناول الكاتبة موضوعي العنصرية وسحب الهوية دون إفراط، بل تُزعزع أحيانًا بعض يقينياتنا. تبدو وكأنها تُلقي نظرة واثقة على المستقبل من خلال مصائر أسماء، وخاصةً يونس، وهي رؤية تستند، مع ذلك، إلى وضع سابق لظهور المشاكل التي نعرفها اليوم.

قد يبدو البناء مُفككًا للوهلة الأولى، لكن هذا لا ينبغي أن يُثبط عزيمة القارئ، الذي قد ينجذب إلى التحولات العديدة بين لندن أواخر السبعينيات وماضي الشخصيات في تركيا، والتي تتخللها جميعًا سرديات سجن اسكندر. في الواقع، تتناغم عناصر القصة بسرعة، حيث تتتبع أليف شفق بدقة حياة الأبطال الرئيسين، مُلقيةً الضوء تدريجيًا على تطور شخصياتهم، وهو أمرٌ حاسمٌ في تجاربهم وسلوكهم في المواقف التي يواجهونها لاحقًا. بفضل هذا النهج، نجحت في جعلهم قريبين من الواقع وجذابين. بعد الثلث الأول من الكتاب، يصبح السرد خطيًا تقريبًا، مُركزًا بشكل رئيسي على تصاعد المأساة في الأشهر التي سبقتها.
من جوانب الكتاب الأخرى تضمينه فقرات تُذكّر بالحكايات الشرقية، فقرات مرتبطة بالماضي التركي أو بجميلة التي بقيت في قريتها الأناضولية النائية، وكأنها تنتمي إلى حقبة أبعد، وذلك بلا شك لتوضيح الهوة بين الحضارتين بشكل أفضل.

ولكن يا للأسف على تلك النهاية غير المتوقعة (الصفحات الخمسين الأخيرة)، والتي لا ندركها إلا بعد أن كانت القوة الدافعة وراء الرواية بأكملها، حيث زرعت الكاتبة ببراعة أدلة لم نكن لننتبه لها! أعترف أنني لم أفهم المغزى (إلا مفاجأتنا nous surprendre ) من هذه النهاية المُبالغ فيها، والتي، كغيرها من عناصر الرواية (مثل المحظية أمبري، التي لن أتحدث عنها أكثر)، ذكّرتني أكثر بتقاليد المسلسلات التلفزيونية الشهيرة، وأفسدت انطباعي الإيجابي الذي كان أكثر إيجابية لولا ذلك.

***
قتل الأم: جريمة شرف؟

مراجعة بقلم تيستو (تاريخ التسجيل: ١٠ أيار ٢٠٠٤، ٦٩ عامًا) - ٤ تموز ٢٠١٦
هذه الرواية للكاتبة التركية إليف شفق راهنة جدًا. تتناول العديد من القضايا التي تُمزّق عالمنا الغربي، أو على الأقل نظرتنا للعالم من الغرب.

تتناول الرواية "الهوية الكردية" (وهي ليست مسألة بسيطة في تركيا، ولا في الدول المجاورة!). تُخبرنا عن الهجرة إلى الغرب، وتحديدًا لندن في هذه الحالة. كما تتناول الرواية هيمنة الذكورة في الشرق الأوسط، والتي، برأيي، تُمثّل المصدر الرئيس للصراع وعدم التأقلم لدى هذا الجمهور في الغرب. إن هيمنة الذكورة أو خضوع الأنوثة - وهما أمران متشابهان إلى حد كبير - لا ينبغي أن يدفعا اسكندر، المراهق الكردي المضطرب في لندن، إلى قتل والدته، بمبي، لمجرد أنها وجدت الحب مجددًا بعد فقدان زوجها. تُطرح العديد من القضايا، والكتاب كثيفٌ بسبب بنيته المعقدة، بقصة تمتد لثلاثة أجيال: من نازي، الجدة التي لا تنجب سوى البنات، إلى بمبي وجميلة، التوأمين بمصائرهما المختلفة اختلافًا كبيرًا، وأخيرًا إلى أسماء واسكندر ويونس، أبناء بمبي.

نعم، هذا البناء السردي، بتنقله المستمر بين الزمان والمكان وبين تركيا ولندن، حيث استقرت بمبي وزوجها آدم - مجرد ظل في الرواية - مع أطفالهما الثلاثة هربًا مما اعتبروه انعدامًا للمستقبل والفقر والقيود الاجتماعية، هو بناءٌ معقدٌ للغاية ويتطلب من القارئ إعادة قراءة الكتاب بانتظام.

من المفارقات أن هذه القيود الاجتماعية ذاتها، التي ظنّوا جميعًا أنهم يفرّون منها، هي جوهر المأساة: مقتل بمبي على يد ابنها. بل حملوا معهم هذه القيود الاجتماعية. تفوّق الذكورة، وخضوع الأنوثة، حتى القتل. جريمة شرف؟ بل جريمة ضغط ثقافي. هذا الضغط الثقافي الذي يُصعّب على المهاجرين من الثقافات الإسلامية، الذين لا يُعطون المرأة حقها، أن يجدوا مكانهم في مجتمعنا الغربي.
***

مرحباً بالجميع! Bonjour à toutes et tous أدعوكم اليوم لرحلة إلى قرية كردية صغيرة! هل نذهب؟
في عام ١٩٤٥، أنجبت نازى توأمين، بمبي وجميلة، رغم أن لديها ست بنات وترغب بشدة في إنجاب ولد! فالولد أهم بكثير من البنت!
ويمر الوقت. تزوجت بمبي، وفي سن السابعة عشرة، أنجبت ابنها اسكندر...
غادرت بمبي في النهاية لتعيش في إنجلترا مع زوجها، الرجل الذي أحبته أختها جميلة؛ وبقيت جميلة في القرية...
سنتابع مصير جميلة وبمبي (وأطفالها)؛ أيهما الأكثر حرية وسعادة؟ جميلة التي بقيت في القرية وبقيت وفية لحبها الأول؟ أم بمبي التي حلمت بالحرية والتحرر وتزوجت رجلاً لم يحبها...
نتابع قصة العائلة، في الأراضي الكردية وفي إنكلترا؛ كل فرد من أفراد العائلة يروي تجربته من وجهة نظره الخاصة...
تحكي هذه الرواية عن وضع المرأة الصعب، وعن أحلام الهجرة والهجرة التي سرعان ما حطمها الواقع؛ من الصعب جدًا التكيف مع بلدٍ ينظر إليك دائمًا كأجنبي مسؤول عن الصعوبات التي يمر بها... هل يجب على المرء أن يتخلى عن جذوره ليندمج في وطنه، أم يجب عليه أن يحافظ عليها؟
باختصار، رواية رائعة عن صعوبات الهجرة وأوضاع المرأة في بعض البلدان! إنها مكتوبة بأسلوب جميل، وتجعلنا ندرك أننا لسنا جميعًا متساوين بحسب مكان ميلادنا...
لتُقرأ الرواية وأنتِ مسترخية على سجادة صوفية، تتناولين التولومبا (دونات مغموسة في شراب السكر) مع كوب من الشاي الأسود. قراءة ممتعة!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...