عبد علي حسن - المرويات التأريخية من التصديق إلى الفهم

لم يكن التاريخ، في أي أمة من الأمم، مجرد سجلٍ للأحداث أو حافظةٍ للوقائع، بل هو في جوهره نصٌّ ثقافيٌّ مشكَّلٌ بتأثير الفكر والموقع والمصلحة. وحين نتأمل التاريخ العربي الإسلامي نجد أن مادته الأولى — المرويات — لم تُدوَّن مع الحدث ذاته، بل جُمعت لاحقًا في سياقات فكرية وسياسية مختلفة، مما يجعلها تخضع لمنطق الانتقاء والتأويل والتمثيل أكثر مما تخضع لمنطق التوثيق المحض.
فلم تكن الأمة العربية قبل الإسلام امةَ كتابة وتدوين بل كانت ذاكرةٍ وشفاهية؛ تحفظ الأحداث والأنساب والأخبار في الصدور، لا في السطور. وكان القول، في الثقافة العربية، وسيلة الحفظ والخلود معًا، إذ يتوارثه الرواة جيلاً بعد جيل كما تُتوارث البطولة والقيم. وعندما جاء الإسلام، ظلّت هذه السمة ملازمةً للمجتمع العربي في صدره الأول، حيث حُفظ القرآن في الصدور قبل أن يُكتب في المصاحف، وحُفظ الحديث قبل أن يُدوّن في الصحف، وكذلك كانت المرويات التاريخية تُتناقل شفاهة، تُضاف إليها تفاصيل وتُحذف أخرى وفق ما تمليه الذاكرة أو الموقف أو البيئة أو المصلحة ، فالشفاهية لا تعني بالضرورة الزيف، لكنها تفتح الباب واسعًا أمام التحوير والتصرّف ، إذ تخضع الرواية المنطوقة لسلطة الراوي أولًا، ولتفاعل السامعين ثانيًا، ولزمن الحكاية ثالثًا ومع امتداد الزمن وابتعاد الرواة عن الحدث الأصلي، تتراكم التأويلات والإضافات حتى تتحول المروية من حدثٍ واقعي إلى سردٍ تعبيري، ومن شهادةٍ إلى خطابٍ ذي وظيفة رمزية أو سياسية أو دينية ،
وعندما دخلت الأمة مرحلة التدوين في العصر العباسي الأول — أي بعد نحو قرنين من ظهور الإسلام — كانت المرويات قد تشكّلت في أذهان الرواة والناس على نحو يصعب معه التمييز بين ما هو تاريخ ، فكانت المرويات تنتقل شفاهيًا جيلاً بعد جيل، تتعرض للإضافة والحذف والاختزال بحسب موقع الراوي وموقفه ومذهبه، قبل أن تُدوَّن وتُحوَّل إلى مادة تأريخية معتمدة. ومن هنا تبرز الإشكالية الكبرى التي يتصدى لها هذا المقال هل يمكننا التعامل مع المرويات التاريخية بوصفها حقائق يقينية، أم علينا أن نقرأها بوصفها نصوصًا ثقافية تحتاج إلى الفهم والتأويل؟
إنّ الموروث التاريخي العربي، في جوهره، مروياتٌ محمولة على ثقةٍ إيمانية أكثر من كونها ناتجة عن فحصٍ علمي. فالتاريخ، كما قُدِّم في مصادره الأولى، جاء ضمن تصورٍ دينيٍّ مقدّس يرى في الرواية امتدادًا للوحي أو محاكاةً له، فكان فعل "التصديق" هو المبدأ الموجّه للوعي الجمعي. غير أن التحولات الفكرية المعاصرة، وتقدّم مناهج النقد والتأويل، أوجدت ضرورة الانتقال من التصديق إلى الفهم؛ من الإيمان بالمروية إلى تحليلها، ومن التسليم بظاهر النص إلى كشف دلالاته وسياقاته الخفية،
فاذا كان التاريخ في جوهره نتاجًا لوعي الإنسان بالماضي وإعادة تشكيله في الذاكرة الجماعية، فإن هذا الوعي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن الخطاب الذي يصوغه. فكلّ ما نعرفه عن الماضي يصلنا عبر وسائط لغوية وسردية، سواء كانت وثائق مكتوبة، أو شهادات شفهية، أو روايات أدبية، أو آثارًا مادية تُستعاد في ضوء التأويل. ومن هنا، يتولد السؤال المحوري: إلى أي مدى يمكن الوثوق بما يُروى؟
إن التمييز بين “التاريخ” كماضٍ واقعي، و“التأريخ” كفعل لغوي يدوّن هذا الماضي، يكشف أن ما نملكه فعليًا ليس الحدث ذاته بل صورته النصّية، أي تمثيله اللغوي الذي يخضع لذهنية الكاتب وثقافته وموقفه الأيديولوجي. ومن ثم، فكل كتابة تاريخية هي بناء رمزي وتأويلي لا يخلو من التحيز والانتقاء.
وهكذا تتبدّى إشكالية التصديق بوصفها إشكالية في جوهر المعرفة ذاتها:
هل يمكن أن نصل إلى “حقيقة” الماضي من خلال خطاب يمرّ عبر وعي فردي وجماعي محكوم بالثقافة والسلطة واللغة؟
وهل التاريخ الذي نقرأه هو ما حدث فعلًا، أم ما أراد الرواة والمؤرخون أن نعتقد أنه حدث؟
إن هذه الأسئلة تمهّد لما سنناقشه في هذا المقال من أن المرويات التاريخية ليست مرايا شفافة للماضي، بل خطابات تتنازعها السلطة والمعنى، وأن التعامل معها لا يكون بالتصديق المطلق، بل بالفهم النقدي الذي يكشف منطقها السردي وأيديولوجيتها الكامنة.
فإذا كان التاريخ هو ما جرى فعلاً في الماضي، والتأريخ هو كتابة هذا الماضي، والرواية التاريخية هي استعادة تخييلية لذلك الماضي ، فإننا أمام ثلاث مستويات متتابعة من تمثيل الواقع، لا من الواقع نفسه. فالحدث الأصلي، ما إن يغيب بزمنه وشهوده، حتى يتحول إلى نصوص وسرديات يتنازعها المؤرخون والرواة، كلٌّ وفق زاويته وموقفه. وهنا تتولد الإشكالية الجوهرية: كيف نصدق ما نُقل إلينا عن الماضي، ونحن لا نملك إلا روايات متحيزة ومتعددة له؟
إن ما نسميه “تاريخًا” ليس إلا خطابًا تأويليًا يروي ما كان وفق منطق الراوي لا منطق الحدث. لذلك تتجدد الشكوك حول إمكانية الاطمئنان إلى المرويات التاريخية، إذ تتدخل في صياغتها أيديولوجيات السلطة والمعرفة والهوية، فتغدو كتابة الماضي شكلًا من أشكال الحاضر ذاته ، لذا فإن التمييز بين التاريخ والتأريخ ضروري لفهم طبيعة الإشكال.فالتاريخ بوصفه “ما جرى” هو عالم الوقائع الخام التي لا يمكن الوصول إليها مباشرة، إذ لا أحد يستطيع إعادة الماضي أو استحضاره في صورته الأولى ، أما التأريخ فهو اللغة التي تُعيد تمثيل تلك الوقائع، أي أن المؤرخ لا ينقل الحدث كما وقع، بل كما “فهمه” و”اختاره” و”أوّله”. ومن هنا، يتعامل الباحث الحديث مع النصوص التاريخية لا بوصفها مرايا شفافة للواقع، بل باعتبارها خطابات سردية تحمل وجهات نظر وتبني معاني.
وهذا ما ذهب إليه المفكر الأمريكي هايدن وايت حين رأى أن الكتابة التاريخية ليست علمًا خالصًا بل شكل من أشكال السرد الأدبي، لأنها تنظم الوقائع في حبكة، وتستخدم الاستعارة والمجاز، وتخضع لبنية السرد مثلها مثل الرواية ، وهكذا، ينهار الحدّ الفاصل بين “الواقع” و”السرد”، ويتحول المؤرخ إلى كاتب سردي لا يختلف كثيرًا عن الروائي إلا في دعواه للصدق ، (وإن الفارق بين التأريخ والتخييل يكمن في واقعة أن المؤرخ يجد قصصه ، في حين أن كاتب التخييل يبتدع قصصه . / شعرية التأريخ / هايدن وايت تر . ثائر ديب / اسطور ص131) إذ ان مايقوم به المؤرخ هو أن يرتب الحوادث في التسلسل الزمني في هرم بحسب الأهمية من خلال اناطة الحوادث لوظائف مختلفة ، في حين ترى الرواية التاريخية في التخييل بوصفه تأريخًا آخر ، فهي استعادة تخييلية للماضي، لكنها ليست نقيض التأريخ بل مجاورته الفنية ، فبينما يسعى المؤرخ إلى قول “ما حدث فعلاً”، يسعى الروائي إلى تخييل “كيف يمكن أن يكون قد حدث”. أي أن الرواية تملأ الفراغات التي يتركها المؤرخون، وتعيد بناء ما أغفلته السرديات الرسمية من تجارب الأفراد المهمشين والمهزومين والمجهولين ، فهي لا تدّعي الحقيقة، لكنها تكشف الوجه الإنساني للحقيقة ، ففي الوقت الذي يدوّن فيه المؤرخ ما تريده السلطة أو الجماعة، تمنح الرواية صوتًا لمن صمت التاريخ عنهم ، ولهذا قد تكون الرواية أكثر صدقًا من التأريخ، لأنها تفضح آليات الكتمان والتزييف التي يمارسها الخطاب الرسمي ، ولاشك في أن تتعدد أسباب الشك في المرويات، وأبرزها تحيز الرواة، سواء في النصوص التاريخية أو الأدبية ، ويمكن تحديد ثلاث دوائر لهذا التحيز:
1. تحيز الرؤية: فكل راوٍ يختار زاوية نظر محددة للحدث، فيُظهر بعضه ويُخفي بعضه الآخر، مما يجعل السرد انتقائيًا بطبيعته.
2. تحيز الانتماء: إذ يتأثر الراوي بخلفيته القومية أو الدينية أو السياسية، فيميل إلى الدفاع عن جماعته أو إقصاء خصومها.
3. تحيز اللغة: فاللغة ليست وسيلة محايدة بل نظام رمزي يُعيد تشكيل الواقع وفق مفاهيمه، فيتحول الماضي إلى بناء لغوي يخضع لقوانين السرد لا لمنطق الحدث.
لهذه الأسباب لا يمكن التعامل مع المرويات على أنها “حقائق”، بل هي تأويلات متعددة لحدث واحد، ما يستدعي أدوات نقدية لفحصها وقراءتها.
وهنا تبرز الحاجة إلى منهج للتعامل النقدي مع الروايات ، اذ أن الاطمئنان إلى المرويات لا يكون بتصديقها، بل بقراءتها نقديًا ، وهذا يقتضي:
أولًا: القراءة المقارنة، أي دراسة الحدث في ضوء تعدد رواياته التاريخية والأدبية، لا من خلال مصدر واحد، لأن الحقيقة التاريخية لا تظهر إلا في تقاطع السرديات لا في انفراد إحداها.
ثانيًا: التحليل السردي للمرويات، من خلال تفكيك البنية الحكائية واللغة والضمائر والحياد المزعوم، للكشف عن الأيديولوجيا الكامنة في الخطاب.
ثالثًا: مساءلة سلطة المؤرخ، فالمؤرخ ليس كلي المعرفة، بل هو فاعل اجتماعي له مصالح وانتماءات. لذا يجب النظر إلى تأريخه بوصفه خطاب سلطة لا مجرد تسجيل وقائع.
رابعًا: قبول نسبية الحقيقة، فالماضي لا يُستعاد إلا تأويليًا، وكل كتابة عنه هي محاولة لإعادة بنائه لا لاستنساخه.
وتأسيساً على ماتقدّم فإن إشكالية التصديق في المرويات التاريخية لا يمكن حلها بالبحث عن الحقيقة المطلقة ، لأن هذه الحقيقة لم تعد ممكنة بعد أن أصبح التاريخ نفسه ميدانًا للصراع الخطابي ، وما يمكن فعله هو تحويل سؤال التصديق إلى سؤال الفهم والتأويل ، كيف ولماذا كُتبت هذه الرواية عن الماضي؟ ومن المستفيد من صياغتها بهذه الصورة؟
إذ إن التعامل النقدي مع المرويات التاريخية والروايات المتخيلة يحررنا من سلطة “الحدث كما قيل”، ويقودنا إلى وعي أعمق بأن كل ماضٍ هو نصٌّ قابل للقراءة من جديد، وأن الكتابة عنه ليست إلا طريقة لكتابة الحاضر ذاته في مرآة الزمن ،

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...