محمد بسام العمري - قراءة في نص( حروب مستقبل)

الكاتب كاظم حسن سعيد، إن نصك "حروب المستقبل" يفتح أمام القارئ نافذة تأملية في طبيعة الحرب وآثارها على النفوس البشرية، ويبرز براعة أدبية في تصوير المشهد اليومي العابر الذي يحمل دلالات فلسفية واجتماعية عميقة. تكمن أهمية هذا النص الأدبية في قدرته على الجمع بين بساطة الحدث وعمق المعنى، بين الطفولة والوعي البشري، وبين اللعب والجدية، ليطرح تصوراً مستقبلياً لحياة ربما تكون أكثر رحمة وإنسانية، حتى في أشد مظاهر الصراع.
حين أمعنت النظر في النص، بدا لي أن المشهد الافتتاحي في نهاية الزقاق يصور جيشان من الصغار يتقاتلان متواجهين، كل منهما رابض أو ممدود خلف ساتر من الكارتون المقوى، يحمل علامات حلوى في أيديهم بنادق من خشب. المشهد حيّ ومفصل، وكأن القارئ يشاهد الأطفال من قرب، يتفحص حركاتهم ويمر بجانبهم لحظة استخدام المنجنيق الذي يرميان به بعضهما بالحجر، وهما في غاية الفرح، يجسدان البطولة في عالمهما المصغّر. هذا التصوير يجعل الحرب، في ظاهرها، مجرد لعبة، ويجعلنا نتساءل عن حدود الواقع والمجاز في تصورك للأحداث.
تنبثق من هذا المشهد رمزية عميقة، فالطفلان يمثلان الحروب المستقبلية، لكن دون عنف حقيقي، وبنادقهم الخشبية ومنجنيقهم الصغير يحملان إيحاءً بأن الصراع قد يتحول إلى مجرد منافسة سطحية، أو وسيلة للمتعة. هذه الرمزية تتكامل مع السخرية الدقيقة التي تتخلل النص، خاصة عندما تختتم بأن حروب المستقبل ربما تكون مجرد قشعريرة عابرة، وانسحاب من الميدان لما هو أجدى وأكثر تسلية، ما يعكس نقداً ضمنياً للطبيعة المأساوية للحروب التقليدية.
كما يطرح النص بعداً نفسياً واجتماعياً مهماً، إذ يظهر أن الأطفال غير مثقلين بوعي الخسارة أو القتل، فالانسحاب يتم بلا إصابات، بلا دمع على القتلى، دون التفكير في مقابر أو مدن منكوبة، ولا ندبات في الأرواح ستعلق للأبد. هذا التصوير يدعونا إلى التفكير في إمكانية تطور البشرية نحو صراعات أقل ألماً، أو على الأقل، نحو وعي مختلف للحرب وتأثيرها النفسي.
المكان والزمن في النص يعكسان طابعاً فلسفياً، فالزقاق البسيط الذي يحتضن هذه المعركة الطفولية يقابله تصوّرك المستقبلي للحرب، ليخلق تبايناً بين الواقع البسيط والخيال العميق. وفي اللحظة التي يقرر فيها أحد الأطفال الاكتفاء والانصراف لمتابعة لعبة كرة القدم، يتحول النص إلى تأمل صامت في أولويات البشر، حيث تصبح المتعة والتسلية أكثر جاذبية من الانتصار أو القتال، في نقد غير مباشر لطبيعة الصراع البشري.
إن نصك، أيها الكاتب، يقدّم لنا صورةً فريدة عن الحروب المستقبلية، صورة تتجاوز الفظائع التقليدية، وتربط بين الطفولة، البراءة، والفلسفة الإنسانية. من خلال السرد التصويري، الرمزية، المفارقة، والتحليل النفسي والاجتماعي، ينجح النص في أن يكون تجربة أدبية متكاملة، تحمل القارئ بين الواقع والخيال، بين العبث والجدية، وبين الفرح والدرس العميق الذي يطرحه عن مستقبل الإنسانية.
محمد بسام العمري

(حروب المستقبل)

في نهاية الزقاق
كان جيشان من الصغار يتقاتلان متواجهين
كلاهما رابض او ممدود خلف ساتر من الكارتون المقوى
تحمل علامات حلوى
في ايديهم بنادق من خشب
حينما مررت كانا يستخدمان المنجنيق
فيرميان بعضهما بالحجر،
كانا بغاية الفرح وهما يجسدان البطولة
نهرتهما كي اتفادى الاصابة
فانسحب احد الجيشين
بلا اصابات
بلا دمع على القتلى
ولن يفكروا بانشاء مقابر
ولم تكن هناك مدن منكوبة
ولا ثكالى سيصرفن ما تبقى من العمر بالنحيب..
وبلا ندبات في الارواح ستعلق للابد.
قال احد الجنود الصغار لعدوهم المنسحب
( الا تقاتلون)
( اكتفينا قال احدهم) ومضى يسحب رفاقه لكرة القدم.
هكذا ،ربما، ستكون حروب المستقبل،
قشعريرة عابرة
وانسحاب من الميدان لما هو اجدى واكثر تسلية.
2025).

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...