فنون بصرية العقيد بن دحو - الفكرة التي قذفت بالخليقة الى عالم الصُوّر

فكرة لفظة (القذف) بالخليقة الى عصرهم هذا الذي يعيشونه ، فكرة مهمة في حياة تطور البنى التحتية و الفوقية للبشر.
و كأن الجميع وُضِع داخل ماسورة مدفع باليستي ، فرط صوتيا - على حين غرة - تم قدفهم الى هذا العصر ، حارقا لكل مراحل العصور و الازمان التي عاشوها المفكرين و الفللسفة و الادباء و الفنانين ، عالم المٌثل و عالم الاحلام ، الى عالم هذا العصر الذي أثقله منطقه الديجيتالي ، و حول (الصورة) الى وحدات أساسية : زمكانيا وحدثا و جمهورا.
اخيرا كفّ الإنسان الحديث ، (الإنسان العارف) Homo Sapiens عن مجاراة التاريخ يعايش اللحظة و نفي اللحظة ؛ صار يسمى (انسان الصورة) Homo Imago.
غير ان الاغريق أنتبه مبكرا لأهمية و ما تنطوي عليه الصورة الحقيقية أو استعارة أو مجازا كوجهة نظر من حدس مادي و معنوي ، قريب و بعيد المدى .
صحيح التقليد الاغريقي لم يسعفهم في ابتكار و اختراع وسائل كالكاميرا جديثا بكل أبعادها و معداتها اللوجستية ، بشقيها الحضاري التقليدي أو الرقمية الديجيتالي و ما طرأ عليها من تطورات الذكاء الإصطناعي ، أستطاع أن بنتقل بها من مجرد احاسيس ووشائج مشاعر الى افكار ثم الى فعل. غير أن الخيال الجمعي ، النفس الجماعية الأغريقية خيال خصب وثري ، لا يقف عند الوظائف الفيزيولوجية النمطية للحواس ، بل جعل الحواس تتراسل فيما بينها متلازمة مع تداعي الافكار.
جعل منها ألا تكتفي بالنظر الى الحياة كما هي ، بل كما يجب أن تكون ، ان ترى الهدف من الحياة ، صيرورة الحياة و فكرة الحياة.
جاعلا من التمثال رؤية بالحجوم ، و من القناع طاقة تكثيف اسقاط اللامرئي عن المرئي ؛ ذاك أن عندما يرقص و يغني و يمثل الاغريقي ، تكون صورة الإله أو الجد أو الأب المستخضرة هي التي تفعل كل ذلك .
اذن الصورة بناءة و ليست متعلقة بذات فردانية الشخص الذي أتخذت اه صورة من حجر أو من قناع.
الفنان الاغريقي مما قبل التاريخ كان سباقا لاعطاء منحى و معنى جماليا للصورة ، للصورة الشعرية و للصورة الميثولوجية ، و للصورة الڤلسفية و للصورة الفكرية التي نعيشها اليوم بكل تجليات تفاعلاتها و كأنها صادرة عن الناس أجمعين.
في اشارة العودة الى تلك المقولة الأخلاقية: " صوت الشعب من صوت الإله " !
Voix populei ex voix Dei !
و كأن صار للصورة صوت كما صار للشعب صورة و كذا قدسية ما.
لهذا يعيب النقاد الألمان و منهم (جوته) Gothe على (أوديب ملكا) عجز أن يطور من آلية فيزيولوجية حاسة بصره ، اعتمد على قوى عين بصيرة فقط فخانته - خائنة الأعين - تقوم مقام آلة تصوير نمطية كلاسيكية دون مرجعيات و لا خلفيات ثقافية لا في الماضي و لا في الحاضر ، لا تستشرف المستقبل ، في حين غريمه الكاهن الأعمى ، رغم فقدانه البصر ، غير أنه كان أكثر ذكاءا و أكثر دهاءا ، حين طور بصيرته و صار يبصر ما لم يستطيع تلتقظه عينا (أوديب ملكا) !.
أخيرا انتصرت الصورة على الكلمة ، الصورة اللغز الجديد الذي لم يستطيع أوديب الإجابة عنه.
هنا تقوم العين التي خلصت المدينة من الهولة و أجابت عن اللغز ، تقف عاجزة عن التقاط صورة حلا آخر يخلص أوديب نفسه مما وضعه فيه من مكائد الكاهن الاعظم (تريسياس) Tresies.
كل ما في الأمر (تريسياس) وضع (أوديب ملكا) في (الصورة) ، تلك الصورة الكاشفة التي لحقت بها عقابيل التشويه ، وزراية الفساد الاخلاقي ، تلك المؤامرة التي كشفت للناس اجمعين على مر العصور و الازمان أن (أوديب ملكا) مجرما أكثر منه البطل المخلص ، الشفيع ، الوريث ، الراعي ، و الرائي !.
- "يا تريسياس كنت تحسدني على (ضوئي) فأردت أن تجرني الى (ظلمتك) ؛ منذ اليوم لن تستطيع أن تستطيل عليّ بما يمنحك (العمى) من تفوق " !



لاحظ هذه الكلمات "لأوديبوسية" : ضوئي ، ظلمتك ، العمى ، تفوق !
أليست هذه خصائص فيزيائية لاجهزة بصرية فيزيزلوجية ، متعلقة بفوانين الضوء ، الإنعكاس و الإنكسار و الشواش أيضا ؟ أين تنعدم الرؤية تماما في عدم وجود منبع ضوئي أو عطب أصاب العنصر الوسيط الموصل الصورة الى المخ معكوسة ، يقوم بتعديلها ، ثم يعيدها الى العين في صورة أحسن الخالقين !
هي نفس الصورة مع (إلِكترا) صورة المرأة التي أريد لها أن تكونه الدراما المأساة التراجيديا و هي متحررة تقاوم ظلم الا قربين ، و الصورة التي أراد أن تكون عليه الملهاة الكوميدية مع (أرستوفانز) كأن ألتقط لها صورة امرأة عادية ، تتزوج فلاحا ، معدما ، فقيرا ، تجلب الماء من بئر و تحمل دلوا على رأسها !
أليست هذه صورة فتوغرافية كارتبوسطالية قبل أن تكون صورة لغوية دراماتورجية !؟
أليست هذه صورا ألتقطت بكاميرا الكتابة !؟
يقول (بول فاليري) : " هناك أنصاب تتكلم و هناك أنصاب تغني"
بمعنى الصورة هي كتابة مرئية بالحجوم كما هو في النحث أو بالالوان أو حتى بالأبيض و الأسود كما هو في الصورة أو بالإنطباعات النعاشة كما هو في فن الرواية أو بالكلمات كما هو بالقصيدة الشعرية ، الأساس في كل هذا و مركز الثقل بقع على جودة و جدة الإبداع لعبة الله ، و الحب وطن الحلول ؟
الكتابة سواء كانت شعرا أو نثرا هي صورة أو سلسلة صور مغناة و مقروءة أو هما معا.
كل صورة قصيدة متجمدة ، متحجرة في رحم الزمن أو كما يقول (يانك).
لم تعد (الصورة) التي قُذف الناس اليها و الى عصرها هذا ، صورة نمطية لا غناء فيها ، انما تحمل عدة لبوسات ولوغوسات متقدمة ، تعكس شخصية حاملها تعكس محيطه بالزمكان و الحدث.
الصورة حديث بألف صوت ، حلم الفرد ، أسطورته الفردية ، حين عجز على مر الأجيال أن يصنع كالماء اسطورة عنصره ، يقرر من خلالها مصيره الحديث و ما بعد الحداثة.
صحيح هو زمن الصورة بإمتياز ، اللمحة الأولى للنظرة الأولى ، سذاجة البداية ، لكنها سرعان ما تتحول الى قضايا اخرى ، تحمل (فتونات) شبيهة بشفرة المورثات أو الصبغيات أو الكروموزومات كاشفة عن الصفة الغالبة القريبة عن أحد الأبوين تذكر بالطفل أبا الرجل و الرجل أبا الإنسان و الإنسان أبا المجتمع كما يقول (بوفون) Buffon.
الصورة بنك معلومات مستتر ، لكنها تظل كاظمة غيظها ، تتستر عن بعض ما فيها الى بعض الوقت.
"إلا أن قصة الدوائر الخربة" (لبورخيس) مثلا ، حمّلت الصورة معان أخرى ، صورة فقير هندي يحمل على رأسه قَنينة (زجاجة) خمر ، عليها لصيقة اشهارية هي نفسها صورة ذلك الفقير الهندي الذي يحمل فوق رأسه نفس قنينة الخمر !
معنى هذا أن عالم الصور هذا لا يحمل حقيقة واحدة لنفس الشخص الذي ألتقطت له صورة في رحم الزمن ، انما ينبغي البحث عما تخبئه تلك الصورة الأولى للمحة الأولى للنظرة الأولى.
بمعنى الصورة الأسطورة ، ميراث الفنون و الرحم الذي يخرج منه و يبعث منه مجددا جنين الملحمة و الشعر تاريخيا و سيكولوجيا سياسيا ثقافيا اقتصاديا مستقبلا أو كما يقول (نيكولاس فريده).
حين تتحدث الصورة اليوم يكون الإله هو من يتحدث ، ليس إله "الثيوغونيا" Theogonie الإغريقية ، انما ثيوغونيا إله هذا العصر الحديث ، إله (النجاح) ، و من حيث النجاح يجر النجاح !
أخيرا أنتصرت الصورة في عصر الصورة بأعلى متكإ لها فأين صاحب الصورة....!؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...