أدب السجون لطيفة زهرة المخلوفي. - السجن الخفي والعقاب النيوليبرالي: قراءة نسوية عابرة للحدود في تجارب النساء المغربيات.

استئنافا لما سبق تناوله بخصوص تفكيك السجن كنسق عقابي يترجم الهوية الطبقية الإقصائية. نتوقف في هذا المقال عند مساهمة واحدة من المفكرات النقديات "جوليا سودبري"، المعروفة أيضًا باسم جوليا تشينييري أوبارا، هي باحثة وناشطة نسوية بريطانية/أميركية. زاوجت بين العمل الأكاديمي والدينامية الميدانية.
وُلدت في "إدنبرة" لأسرة متعددة الأعراق أب نجيري وأم من اسكتلندا، درست الأدب وعلم الاجتماع. وتخصصت لاحقا في دراسات العرق والجندر. عملت في جامعات عديدة من قبيل: بيركلي وتورونتو، وتشغل اليوم منصب أستاذة في جامعة سان فرانسيسكو.
عرفت بمساهماتها في نقد السجون من منظور نسوي عابر للحدود، حيث حررت كتاب Global Lockdown: Race, Gender, and the Prison-Industrial Complex. والذي يعدّ مرجعا حيويا في تفكيك المجمّع الصناعي للسجون. ركّزت أعمالها على أثر السجن على النساء، خاصة المفقرات والمهاجرات وذوات البشرة الملونة، ودعت إلى بناء شبكات تضامن نسوي محلية وعالمية كبديل عن منطق العقاب.
انخرطت "جوليا سودبري"، في اغناء المشروع الفكري المتعلق بنقد البنية العقابية للسجون بشكل لافتٍ ونوعي. معتبرة أن السجن بصورته المعاصرة لم يعد مجرد جدران عالية وأسوار حديدية، بل تحوّل إلى منظومة ممتدة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية عبر سياسات الهجرة، الرقابة الاجتماعية، والتهميش الاقتصادي.
وهنا يبرز مفهوم "السجن الممتد" الذي صاغته سودبري؛ أي أن العقاب لم يعد محصورًا في فضاء مادي محدد، بل أصبح آلية اجتماعية واقتصادية تُعيد إنتاج السيطرة على الأجساد المهمشة، وفي كل تفاصيل الحياة اليومية.
فحين تعيش النساء والمهاجرات والملونات تحت وطأة الخوف من العنف، أو التهديد بالترحيل، أو الحرمان من الخدمات الأساسية، يفرض عليهن سجن من نوع آخر، إنه سجن لامرئي. هذا المفهوم يوضح أن العقاب قد يتخذ شكلًا غير محسوس لكنه فعّال، فيتحول الخوف والحرمان إلى قيود نفسية واجتماعية تُكبّل الحركة وتعيد إنتاج التراتبية الطبقية والعرقية. مثال ذلك ما عاشته فئات واسعة النساء المهاجرات، حيث تم تشريد فئات واسعة من العمالة المنزلية خلال فترة الحجر الصحي بسبب جائحة كوفيد، ولم يحصلن على أي دعم أو عناية رغم فقدانهن وظائفهن؛ أعمال إعادة الرعاية على غرار باقي المهن المهمشة في ظل سيادة اقتصاد رأسمالي ذكوري تنقل بدقة كيف يتحول الشارع إلى ملحق بالزنزانة.
يفتح أمامنا هذا التصور النقدي أفقًا أرحب لفهم السجن في السياق المغربي، حيث تتجسد أشكال "السجن غير المرئي" في عدة نماذج. مثال ذلك ما تعيشه أمهات المعتقلين السياسيين حيث يواجهن يوميا عنفا بنيويا بسبب اعتقال أبنائهن. وتُعاد هندسة حيواتهن اليومية وفق إيقاع مؤلم تحدده طبيعة المتابعة (متابعة في حالة سراح/ متابعة في حالة اعتقال). وما يرافق الوضعية الأخيرة من ضغط أسري يُضاعف تكاليف العيش، ويفرض مصاريف إضافية على كاهل أسر حُرمها الاعتقال من معيله الوحيد. أم ناصر الزفزافي، أم عمر الراضي، أم نبيل أحمجيق، وشقيقات "سفيان كرت"، وعائلات شهداء القليعة و"ياسين الشبلي" جميعهن يواجهون وصمًا اجتماعيًا، إقصاءً من فضاءات الاعتراف، وخوفًا دائمًا إما من فقدان أبنائهن أو طمس حقيقة قتلهم من طرف السلطة.
هذه التجارب تُبرز أن السجن لا يقتصر على المعتقلين، بل يمتد إلى عائلاتهم، خاصة النساء اللواتي يتحملن عبء الرعاية والوصم معًا. وتتضح معالم السجن الخفي أكثر مع طبيعة الأحكام (موقوفة التنفيذ/ نافذة).
إن الاحتكاك الأول مع الترسانة المنظمة من اللاعدالة، يخلق لدى الأسر في البداية شعور صدمة وألم ولكنه يراكم لوعي سياسي وليد الخبرة اليومية والتجربة الشخصية، حيث يُعاش القمع كجزء من حدث أسري يطال نظام عيش، ويهندس تضامنا يوميا جذريا لديمومته ووفائه.
في هذا الصدد يصبح التفكير في إلغاء السجون رهينا ببناء شبكات تضامن نسوي محلية تنغرس في المداشر والأحياء. تنطلق من تواصل قوي لعائلات المعتقلين السياسيين مع بعضهم لمد جسور حقيقية، يتم تغذيتها ببحث سبب انخراط شعبي على أرضية مطالب واضحة في مقدمتها "الحق في الاحتجاج".
إضافة إلى ما سلف تشدد الأطروحة قيد التحليل، على ضرورة أن تكون هذه الشبكات عابرة للحدود، قادرة على مقاومة كل الأشكال الخفية من العقاب، وإعادة تعريف الرعاية كفعل سياسي مضاد للهيمنة. هذا المفهوم يعيد تعريف الرعاية من كونها مجرد واجب اجتماعي أو عاطفي، إلى كونها ممارسة سياسية مقاومة، تُفكك منطق العقاب وتبني بدائل قائمة على التضامن.
أكدت "جوليا سودبري"، أن السجن يُعاد إنتاجه خارج أسواره عبر أشكال العنف البنيوي التي تستهدف الفئات المهمشة. فالنساء المهاجرات/ المهجّرات يواجهن تهديدا دائمًا بالترحيل، ويفرض عليهن امتهان أعمال شاقة وزهيدة. ويخضعن باستمرار للابتزاز. وكذلك النساء المفقرات يجرمن بسبب أنشطة مرتبطة بالبقاء، مثل العمل بالقطاع غير المهيكل من خلال تجارة بسيطة في الأسواق الشعبية أو امتهان العمالة المنزلية، القطاع الزراعي، النسيج، الكابلاج، امتهان البغاء...الخ.
هذه السياسات تجعل من الحياة اليومية عقابا ممتد ضمن فضاء مراقب باستمرار.
أيضا يمكن في قراءة هذه الفكرة في النموذج المغربي من خلال واقع تأنيث القطاعات الشاقة مثل: العمل الزراعي/ النسيج/ التصبير، ومهن التربية والتعليم، هذه الأخيرة التي تَرَافق تفكيكها وتجريدها من الحماية الاجتماعية مع تأنيثها (مربيات التعليم الأولي/ التعاقد/ تجريم الاضراب ..الخ.
عاملات القطاع غير المنظم نموذجا حيث يُنظر إليهن باعتبارهن مخالفات للقانون بدل أن يُنظر إلى عملهن كمحاولة عيش.
تُعاقب النساء لأنهن مفقرّات، مهاجرات، أو أمهات معتقلين، ويُفرض عليهن العيش في فضاءات مراقبة تُحوّل الشارع والعمل والأسرة إلى امتداد للزنزانة.
إن مقاومة هذا "السجن غير المرئي" تبدأ من بناء شبكات تضامن نسوي محلية وعابرة للحدود، تُعيد تعريف الرعاية كفعل سياسي مضاد للعقاب، وتضع النساء في قلب مشروع العدالة الاجتماعية. فإلغاء السجون ليس مجرد مطلب طوباوي حالم، بل هو دعوة إلى تفكيك بنية الهيمنة النيوليبرالية، وإلى إعادة بناء المجتمع على أساس التضامن والرعاية والحق في الحياة الكريمة.
المقاربة التي دافعت عنها "جوليا سودبري"، تعكس منظورا نسويا عابرا للحدود؛ فالسجن ليس ظاهرة محلية، بل جزء من بنية اقتصادية عالمية مرتبطة بالنيوليبرالية. وهنا يتضح أن مفهوم "السجن الممتد" ليس مجرد استعارة، بل أداة تحليلية لفهم كيف تُحوّل النيوليبرالية العقاب إلى آلية يومية لإدارة الفئات المهمشة، عبر سياسات العمل، الهجرة، والرقابة الاجتماعية.
عامة، يتخذ "السجن غير المرئي" أشكالا مختلفة، يمكن اختصارها في القول أنه يتأسس على هوية واحدة هي : السيطرة على الأجساد المهمشة وإعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية.
السجن الممتد يترجم كذلك مع تحول الأمومة نفسها إلى شكل من أشكال المقاومة اليومية ضد العقاب البنيوي. فأمومة أمهات المعتقلين السياسيين ليست مجرد علاقة وجدانية، بل فعل سياسي يومي يعيد تعريف الرعاية كأداة مقاومة.
في هذا الصدد تعد شبكات التضامن النسوي بدائل للرعاية والعقاب. وشددت "جوليا سودبري"، على أن إلغاء السجون لا يمكن أن يتحقق إلا عبر بناء شبكات تضامن نسوي عابرة للحدود، قادرة على مقاومة أشكال السجن غير المرئي. ويمكن اعتبار مبادرات لجان عائلات المعتقلين السياسيين الحالية، إلى جانب حملات دعم المعتقلين السياسيين جزءًا أصيلا من هذه الشبكات، حيث تُعيد النساء تعريف الرعاية كفعل سياسي مضاد للعقاب.
هذه المبادرات تُظهر أن المقاومة ليست مجرد احتجاج، بل بناء فضاءات بديلة للرعاية والتضامن، تُعيد للنساء موقعًا مركزيًا في مواجهة العنف البنيوي.
ختامًا، إن السجن منظومة ممتدة تُعيد إنتاج العنف والتهميش في تفاصيل الحياة اليومية. والنساء باختلاف مواقع قهرهن في صميم هذا النقاش لأنهن يختبرن يوميًا أشكال "السجن غير المرئي" عبر الخوف، الوصم، والإقصاء. والتفكير في إلغاء السجون ليس مطلبا عابرا، بل هو دعوة جذرية إلى إعادة بناء مفهوم العدالة نفسه، بحيث تتحول من آلية عقابية إلى ممارسة جماعية للرعاية والتضامن. هنا يصبح المشروع النسوي النقدي أفقًا سياسيًا يعيد صياغة علاقة الدولة بالمجتمع، ويضع الحق في الحياة الكريمة في صدارة المطالب. فالرعاية والتضامن، حين يُعاد تعريفهما كأفعال سياسية، تغدو أدوات مقاومة قادرة على تفكيك بنية الهيمنة النيوليبرالية، وفتح الطريق نحو عدالة اجتماعية تحررية تنبثق من التجربة الحية للنساء في الجنوب العالمي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...