د. أحمد بلحاج آية وارهام - الجذر المؤسس للحرية

من النصوع الذي لا غيم فيه أن من قدَر النفس البشرية أن تعيش في وجود ذي وجهين:وجه واقعي تتبدل أقنعته باستمرار،ووجه خيالي مقَنع بعطور الأبدية.فالأول يتبدل تبعا للتجربة،بما هو عالم العمل والإنتاج والممارسة والتعب،ولصداع والتوتر.والثاني هو عالم الفنون والآداب والحنين والتوله والعشق والسياحةوالتأمل في بواده الجمال.
إن الواقع كله قيود ،وإن الخيال كله حرية،ولا يغرنك من يرفع إشارة الاعتراض الممثلة في أن الخيال لا صفاء فيه مادام الواقع يخالطه،ولكنها مخالطة لا تمّحي فيها طبيعة الطرفين،بل تبقي على برزخ بينهما،فهما عالميان لا ينفصلان إلا تجريديا،وإلا فإنهما في الحقيقة متواصلان.
وبما أن الخيال في كنهه ما هو إلا تذوق للجمال ، تتمثل وظيفته الحيوية في صيانة النفس من الترمّد بين الجامدات ،ولهذه الدرجة من الأهميةاعتبره فقهاء الوجود نبض الإنسان الخفي الذي يقود حياته،فهو يعيش في منظومة من الأخيلة القادرة على إنجاز الصيانة الداخلية له،وذلك من خلال الغيبيات والأساطير والممارسات الروحانية،وما إلى ذلك من أفانين التخيل والتخييل. فللخيال سلطة على المحال،فهو عين الكمال عند ابن عربي، ونعيم الناس وجحيمهم في آن واحد،وهو خطوة إلى تذوق معنى الوجود، فمفهومه عند كل من ويليام بليك وصموئيل تايلور كولريدج ،متباين، فهو عند بليك قوة وجودية وتجربة روحية تُسهم في رؤية الحقيقة الأبدية، وهذه القوة أبعد من مجرد أداة للإبداع، بل هي جوهر الوجود الإنساني نفسه، وقدرته على رؤية الحقيقة خلف المظاهر المادية، بينما يؤكد كولريدج على وظيفته الإبداعية في دمج الذاتي بالموضوعي وتجاوز المألوف إلى ما هو جديد. ولا شك أن نعيمَه ماثل في كونه يحيل الكثافة إلى لطافة،وجحيمَه كامن في كونه يستحيل إلى وهم،وعظمتَه بادية في كسر الكبول التي تمنع الإنسان من ممارسة حريته كما يريد،لا كما يريد الواقع.
إنه المجسّد الأوحد لما يستحيل أن يكون جسدا،والجذر الماورائي العميق الذي يؤسس حرية الإنسان وفنونه،وأحلامه وأساطيره.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...