من يفقد شرفته يفقد رؤيته للعالم قراءة نقدية في قصة «شرفة تطل على النهر»

تُقدّم قصة «شرفة تطل على النهر» للدكتور جمال التلاوي نصًا سرديًا فريدًا يجمع بين حرارة التجربة الإنسانية وعمق التأويل الرمزي وتحولات الوعي الوطني، القصة تبدو بسيطة في ظاهرها: أسرة تفقد بيتها القديم وشرفتها المطلة على النهر، لكنها في الحقيقة تقدم قراءة كاملة لرحلة مصر من زمن الحلم إلى زمن المفارقة، ومن بيت يتسع للذكريات إلى عالم بلا سند واضح.
مما يجعل القصة وثيقة رمزية لمرحلة تاريخية كاملة فقدت فيها الطبقة الوسطى مكانتها ودورها.
على المستوى النفسي، تقدّم القصة حالة فريدة من الاغتراب والقلق، فقدان الشرفة يؤدي إلى فقدان "زاوية الرؤية"، وهي استعارة فنية لاهتزاز الوعي.


البؤرة المركزية في القصة هي فقد البيت، وهذا الفقد لا يُقرأ على أنه خسارة مادية، بل ضياع لمعنى الذات والذاكرة والجذور. الشرفة المطلة على النهر ليست مجرد مكان، بل نافذة للطفولة، ومسرح لذكريات الأب، ومرآة يرى منها البطل العالم. ومع سقوط البيت، يسقط الإحساس بالأمان، ويتحوّل الفقد من حدث خارجي إلى جرح داخلي ممتد.


يُوظّف الكاتب النهر بذكاء بوصفه رمزًا تاريخيًا ووجوديًا في آن. ففي البداية يبدو النهر متسعًا، صافياً، تسبح فيه السماء، كأنه امتداد للحلم القومي. لكنه مع تقدم السرد يتبدل، ويتحول من نعمة إلى تهديد، ومن مرآة للسكينة إلى صورة مرعبة حين يشعر البطل بسباع تخرج منه لتنهشه.
هذا التحول يختصر رحلة وطن كان يومًا ملاذًا، ثم صار مكانًا طاردًا مع تغيرات السياسة والاقتصاد.


يحضر الأب بوصفه رمزًا لجيل آمن بالزعيم وبالثورة وبالحلم الوطني.
هو جيل عاش شرفة تطل على العالم بوضوح وثقة. فقدانه القدرة على الكلام بعد صدمة بيع البيت يعكس فقدان الجيل الجديد القدرة على التواصل مع رموز الماضي، وكأن اللغة المشتركة بين الأزمنة قد انقطعت فجأة.

تأتي شخصية الأم بوصفها الحافظة الأخيرة لجذور البيت.
المشهد الذي تجمع فيه نباتات البوتس من الغرف ليس مجرد ترتيب لأشياء قديمة، بل محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تاريخ العائلة. وسؤالها: «أين سنضع أصيص البوتس؟» هو سؤال وجودي عن المكان الذي ستسكن فيه الذاكرة بعد أن فقدت جدرانها.

يبرز نبات البوتس باعتباره الرمز المحوري الذي بنيت عليه القصة.
فهو نبات يعيش وينمو رغم القطع، ولذلك يتحول إلى استعارة للأسرة ولتاريخها الممتد.
تمدد البوتس عبر الحبال التي صنعها الأب يرمز إلى الأحلام التي تربط الغرف والقلوب، وعندما يتقاسمه الأبناء بعد بيع البيت، تظهر الصورة المؤلمة لتشتت الجذور وتوزيع الذاكرة كما تُقسّم الأشياء.

الوافد الذي يشتري البيت ليس مجرد شخص جديد، بل رمز لصعود رأس المال المتوحش وللغزو الاقتصادي والاجتماعي الذي ضرب مصر بعد عقود من الانفتاح،وحضوره يتزامن مع سقوط الحلم القديم،

انتقال النهر من صورة مطمئنة إلى مصدر رعب ليس مجرد عنصر خيالي، بل إسقاط نفسي للخوف الداخلي الذي يسيطر على البطل حين يجد نفسه بلا جذور.

الطبقة الوسطى… صعود وهبوط

تتوازى القصة مع الخريطة الاجتماعية لمصر. الأب ينتمي لطبقة وسطى رسخت موقعها في زمن المشروع الوطني، أما الابن فينتمي لطبقة فقدت سندها في زمن الخصخصة. والوافد يمثل صعود طبقة جديدة تشتري كل شيء. بذلك تقدم القصة قراءة اجتماعية عميقة لتغيرات العقود الأخيرة.

لغة ناعمة وإيقاع حزين

يكتب جمال التلاوي بلغة شفافة مشحونة بالحزن النبيل، تعتمد على جمل موجزة وصور دقيقة مثل: «السماء تسبح في مياه النهر». هذا الأسلوب يمنح النص جمالًا لغويًا يوازي جماله الرمزي.
الإيقاع بطيء، تأملي، كأن السرد نفسه يشيّع بيتًا مات.

تبدأ القصة بالنظر من الشرفة وتنتهي بالنظر إلى الشرفة التي لم تعد موجودة. وقد جلس البطل في الشرفة الجديدة لكنه أعطى ظهره للنهر ووجهه نحو الشرفة التي فقدها. هذه المفارقة تُلخص الفكرة الكبرى للقصة:
لا قيمة للعالم بلا ذاكرة، ولا معنى للنهر بلا شرفة نطل منها عليه.

في النهاية، يشعر البطل بأن «سباع النهر تنهشه»، وهي نهاية وجودية تكشف عن سقوط السند وغياب الأب وتشتت البيت وضياع الرؤية.
قصة «شرفة تطل على النهر» ليست مجرد حكاية أسرة فقدت بيتها، بل قراءة فنية لتحولات مصر، ورحلة داخل الوعي الجمعي لجيل كامل فقد شرفته… وفقد معها رؤيته للعالم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...