المستشار بهاء المري - حين تقتلنا الظروف

في أحد الأحياء الشعبية كان "السيد" يتنقل بتوك توك ‏حاملا الموت في لفافات صغيرة يبيعها لمن أنهكتهم الحياة. وفي ظل ‏هذا المشهد، يظهر "إسماعيل" و"عبد الجليل"، شابان سُلبا من ‏أحلامهما، فاختارا الحشيش والسرقة طريقًا للهرب. يقع صِدام ‏بينهم حين يسرق الشابان كيسًا من المخدرات من السيد، لتقودهم ‏هذه اللحظة إلى مواجهة دامية تنتهي بمقتل إسماعيل على يد السيد.
في مثل هذه الأحياء البائسة لا تنبت الجريمة فجأة، بل تتسرب كالماء في شقوق الأرصفة، تسقي بذور اليأس المزروعة في نفوس أُغلقت في وجهها أبواب الأمل. ليست قصة "السيد" و"إسماعيل" مجرد واقعة جنائية، بل هي مرآة قاتمة لانهيار منظومة القيم حين يُستبدل العدل بالنجاة الفردية، والحق بالقوة، والدين بالخوف.
نحن أمام طبقات مسحوقة، حوصرت بين فقر مادي واغتراب معنوي. لم يكن "السيد" شريرًا، بل كان صورة مشوهة لإنسان دفنته الظروف تحت ركامها، حتى صار يتاجر بالمخدرات. وتلك هي المفارقة: أن يتحول الضحية إلى جلاّد، حين يتخلى المجتمع عن مسؤوليته، وحين تغيب العدالة الاجتماعية وتُختزل الحياة في معادلة البقاء بأي ثمن.
أما "إسماعيل"، فكان ضحية أخرى. قتلته اللامبالاة المجتمعية قبل أن تقتله "المطواة". الشاب الذي جُرّد من المستقبل، لم يختر المخدرات أو السرقة لأن قلبه مظلم، بل لأن الضوء في النفق كان مزيفًا، وحين سرق، لم يكن يسرق طمعًا بل انتقامًا، أو ربما استغاثة أخيرة من قلب أنهكته السنين.
وما بين اليد التي ارتفعت لتطعن، والعين التي ارتجفت قبل أن تطلق دمعتها، يقبع سؤال لا يُمحى: من القاتل؟ أهو من ضغط على الجرح؟ أم من أهمل النزيف حتى تعفّن؟ إن القاتل الحقيقي ليس فردًا، بل نظامًا اجتماعيًا منهكًا، ومدرسةً لم تُعلِّم، وأسرةً عاجزة، وإعلامًا يكرّس العنف، واقتصادًا لا يرحم، ومجتمعًا يرى الانهيار ولا يمدّ يده.
ثمِ تتجلى الكارثة في بُعد أعمق: لقد تحوّل الإنسان عن فطرته، وابتعد عن "الحق" بمعناه الأصيل، حين بات الدين مجرد قشرة فوق واقع متعفن. إن قِيَم الرحمة، التكافل، والستر، تآكلت، لتحل مكانها لغة الإدانة والتجريم، في حين أن الدين كان دومًا مشروع نجاة جماعي.
قال النبي ﷺ: "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس". فأين نحن من هذا؟ حين يصبح الإنسان عبئًا لا قيمة له إن لم يُنتج، يُهمَل، يُجرَّم، ثم يُقتل.
أين المجتمع من وصايا القرآن الداعية إلى حفظ النفس، وصيانة الكرامة، وإقالة العثرة؟ قال تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا" "المائدة: 32". أي إحياء أعظم من أن نُنقذ شابًا قبل أن يتورط؟ أن نمد يدنا قبل أن ينزلق إلى الهاوية، ونمنحه ولو فرصة أخيرة.
نحن لا نحتاج فقط إلى محاكمات، بل إلى مراجعة ضمير: كيف وصلنا إلى مرحلة يقتل فيها الإنسان ذاته بأيدي غيره؟ كيف غاب صوت "الرحمة" في أحياء يعجّ بها صوت المؤذن؟ ولماذا أصبحنا نحاسب الضحية، ونتغاضى عن جذر الجريمة؟
الحل ليس في سجن القاتل فقط، بل في إصلاح ما أنتج القاتل. في إعادة الاعتبار للفقراء، للضائعين، وللمهمّشين الذين ضاعت أسماؤهم في زحام الانشغال والأنانية. في أن نعترف أن الجريمة ليست فعلًا فرديًا دائما، بل هي في كثير من الأحيان، صرخة مجتمع يتهاوى.
وفي النهاية، ربما تكون أكثر الأحكام عدلًا، ليست تلك التي تُنطق في قاعات المحاكم، بل التي تصرخ بها الضمائر الحية: "كلنا مسؤول، وكلنا مذنب، حين نفشل في أن نكون إنسانيين بما يكفي."

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...