علجية عيش - هذه الخطط العلمية لتحطيم الأفكار و تدمير الآخر التي ذكرها مالك بن نبي

ماذا نعرف عن الإٍهاب الفكري؟
-----------------------------
يتحدث مالك بن نبي في كتابه "الصراع الفكري في البلاد المستعمرة" عن سلبية الاستعمار و إيجابيته ، فيقول انه مرتبط بجانبين: الأول يتمثل في خططه و مؤامراته لتحطيم الأفكار الفعالة و العملية و تفكيكها، و أما الثاني فيتمثل في خلق أفكار مناسبة له و لصالحه، و يسعى لنشرها لتصبح جزءًا من يوميات أبناء الشعوب المستعمرة، بل إن حماسة الشعوب و انفعاليتها تجعلها تنظر إلى هذه الأفكار بأنها من الضروريات التي لا يمكن الاستغناء عنها، وقد أعطى مالك بن نبي مثالا عن الجانب الأول بالتشويش على محاضرة تتناول مشكلا جوهريا بالنسبة لحال الأمّة و تحدياتها المستقبلية، و ذلك من خلال التعليق عليها في وسائل الإعلام الأكثر تأثيرا و توجيها للراي العام من دون الإشارة لا إلى اسم المحاضر و لا عنوان محاضرته، و إنما يتناول نفس الموضوع و اعتبار الموضوع لا يستحق الاهتمام.

و يضيف مالك بن نبي أن الجهة التي علّقت على الموضوع تكون هي نفسها التي حضّرت لإلقاء المحاضرة و وجّهت الدعوة للمحاضر ، ثم علّقت على المحاضرة بطريقتها الخاصة لخدمة أهداف تتعلق بالصراع الفكري، تريد الإساءة له، للتقليل من قيمته العلمية و ترويج عنه صورة المحاضر الفاشل، كما أعطى مالك بن نبي مثالا آخر عن ظاهرة تمزيق المقالات، بحيث أن بعض الجرائد التي لا تتبنى قضايا الأمة حينما يُرسل إليها موضوع ما، فإنها تجزئه إلى نصفين أو ثلاث، و لا تنشر النصف الثاني إلا بعد زوال مضمون النصف الأول من الأذهان، و هكذا يعجز صاحب المقالة عن إيصال رسالته للقارئ، و لا يمكن لمن لا اطلاع له على آليات الصراع الفكري أن ينتبه إلى هذا العمل ، و قد وصفه مالك بن نبي بالعمل "التخريبي"، الحقيقة هناك أمثلة كثيرة نعيشها في الوقت الحاضر، و هي تَعَمُّدْ هيئة رسمية احتكار الساحة الفكرية لها وحدها، ففي الوقت التي تدّعي فيه أن الأبواب مفتوحة لحاملي الأفكار و اللذين يتميزون بالفاعلية نجدهم تعمل بأسلوب انفرادي، فتتعمد ثقافة التهميش من خلال وضع شروط تعجيزية ، يتعذر على من له خبرة ميدانية أن يساهم في كل مبادرة تقوم بها ، و هي بذلك تقتل فيه روح الإبداع و المساهمة في طرح الأفكار و حل المشكلات.

الأمور لا تتوقف عند هذا الحد ، فهناك من يسعى إلى تشويه صورته بأنه لا يملك الأهلية و الكفاءة لاقتحام الساحة الفكرية، حتى يدفع الناس إلى التشكيك في ثمار جهده و سهره الليالي و هو ينقب في أمهات الكتب و يغرس عينيه فيها من أجل علاج إشكالية ما مُختلفٌ فيها، أو التطرق إلى ظاهرة لم يسبقه غيره إليها، إنهم تُجّارُ الفكر الذين لم ينطلقوا من الصفر و لكنهم يصطادون الفرص للصعود عن طريق استغلال أسماء شخصيات معروف في الساحة العربية لاستقطاب الجمهور والتأثير فيه، بغية الحصول على الشهرة، و قد نجدهم يعيشون صراعات داخلية من أجل التموقع ومن له حق الرئاسة، و تمثيل تلك المؤسسة أو الجمعية، باستعمال طريقة القسمة و الضرب، و قد يلوحون في خطبهم بالمنديل الأحمر لكي يستفزون بل يُرهبون، كل من يُقحم نفسه فيما يعبرون به من أفكار حتى و لو كانتا خاطئة، وهم بذلك يخربون أي مشروع فكري إنساني أكثر ما يبنونه و هذا هو ما يمكن تسميته بالإرهاب الفكري، و هذه الظاهرة واحدة من مُعَوِّقَات النهضة.
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...