إلهـام الصنابـي - الشعــر فـي زمـن العولمـة بيـن الإبـداع والتلقـي... التجربـة الشعريـة لبوعـلام دخيسـي أنموذجـا

استهــلال:
أصبح الحديث عن العولمة في عصرنا الحالي جزءا من المسلمات التي ترسخت في الثقافة الفردية في المجتمع الإنساني ككل، حيث أضحت من بين المؤشرات الدالة على تحضر الشعوب إلى جانب التعليم والصحة والثقافة، فكان لزاما على الأدباء الانخراط في هذا العالم باعتباره قفزة نوعية في مجال التواصل الذي يعد مكونا مهما من العملية الإبداعية، وبالتالي فوسائل العولمة وتقنياتها ستسهم في نشر الأعمال الأدبية وتنويع القراء والمتلقين، وهذا ما نلحظه بشكل لافت على مواقع التواصل الاجتماعي وقبلها على المواقع الإلكترونية المتخصصة منها في الأدب والنقد أو العامة والمشتملة لمجموع الأنشطة الفكرية الإنسانية.
وانطلاقا من هذا وجدنا شعراءنا يخصصون لأنفسهم صفحات تواصلية ينشرون من خلالها ما ينتجون من نصوص، وينتظرون تفاعل القراء معها، ويترددون بشكل مطرد ليقيسوا حرارة التفاعل بين النص والقارئ، وهنا نطرح مجموعة من الأسئلة حول: من يكون هذا القارئ؟ وهل يمكن إدراك مستواه الفكري والأدبي؟ وهل فعلا قرأ النص وتلقاه؟ ثم أي نوع من التلقي هو؟ أهو مجرد قراءة عمودية؟ أم مجرد قراءة اسم الناشر أو الناشرة؟ أم هي قراءة ذوقية؟ أم واعية نتجت عنها نقرة إعجاب أو تعليق ما؟ لنتساءل بعد ذلك أيضا عن التعليقات وعن نوعيتها، وأعتقد أن هذا الموضوع يغري بالدراسة.
الشاعر بوعلام دخيسي لم يشذ عن هذه القاعدة وإنما انخرط فيها أيما انخراط، وتكفي إطلالة سريعة على صفحته الزرقاء لتجد سيلا من المقاطع الشعرية المنشورة بين فترات متقاربة تارة ومتباعدة أخرى، وهي نفسها المقاطع الشعرية التي ستتجمع وتحتضنها دواوينه الشعرية خصوصا الأخير منها (كي أشبه ظلي)، وانطلاقا من هذا وجب البحث عن العلاقة التي تربط الشعر بالعولمة، بالتركيز على قضيتين اثنتين تعدان من أهم أسس العملية الإبداعية وهما: الشعر والمتلقي، مع أن الشاعر لن يغيب عن هذه الدراسة، فهو المنتج الأول الذي سيسلم إنتاجه للمنتج الثاني عبر وسائط متعددة.
1ـ الميتاشعـر فـي تجربـة بوعـلام دخيسـي:
إن الحديث عن الميتاشعر والمقصود هو الكتابة عن الشعر بالشعر، أي أن القصيدة الشعرية تتضمن حديثا عن الشعر نفسه، إذ تصبح عبارة عن نقد شعري حيث يبث الشاعر معاناته في نظم المعاني وتقريب الصور وصياغة التشبيهات والاستعارات المنفلتة من فيض الفكر أحيانا، ويقدم على غرار ذلك مفهومه للشعر ونظريته حول مقاصده وغاياته، كما يحضر المتلقي والهاجس من موقفه تجاه النصوص الشعرية، ونستحضر في هذا المقام قول الشاعر المتنبي[- "شرح ديوان المتنبي"، وضعه عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي - بيروت 1407هـ - 1986م، ج 4 / 83.] )البسيط(:
أنا الّذي نظرَ الأعمى إلى أدبي
وأسمعَتْ كلِماتي مَنْ بهِ صَممُ

أنام مِلءَ جُفوني عن شَواردها
ويَسهرُ الخلقُ جَرّاها ويَختصِمُ

ويمكن الحديث عن هذه الظاهرة في شعر بوعلام دخيسي انطلاقا من مستويين اثنين هما: مستوى العتبات ومستوى المتون.
1-1على مستـوى العتبــات:
إن إطلالة على عناوين المجاميع الشعرية الثلاث إضافة إلى العناوين الداخلية للنصوص يجعلنا نقف على حضور موضوعة الحديث عن الشعر بالشعر، فالديوان الأول وسمه بـ (هديل السحر)، فالهديل هو صوت الحمام الشجي وقت السحر، حيث الناس نيام إذ تبيت النفوس المبدعة في معاناة مع الحرف، كما نقف أيضا على عناوين داخلية من قبيل: أين الغاوون، ساعة صمت، هكذا علمت شعرا، آخر الشعر، مرثية الفراق، الصمت أبلغ، القصيدة والأمير، ضع لها عنوانا، هذه العناوين تقف شاهدة على مدى الهاجس الذي يحمله الشاعر، في تعبير عن الرؤية الأدبية والنقدية التي يتعامل بها مع نصوصه الشعرية، رؤية تنطلق من موقف الشاعر نفسه ونظرته إلى القصيدة ومفهومها ورسالتها، حيث ينطلق من نظرية الارتباط الوثيق بين الشعر والوجدان.
وهو المعنى نفسه الذي سيؤكده الديوان الثاني (الحرف الثامن) وفي أول قصيدة جاءت بعنوان "أول شعري"، فالشعر ليس إلا ذاك الشعور الذي ينتاب الذات الإنسانية لحظة جنون ولحظات صدق، وما هو إلا ذاك الإحساس الذي يترجم اللغة رغم بساطتها: "ماما" "بابا" فمن منا لم ينطقها، إلا أن إحساس الشاعر جعل منها شعرا يبوح به ويفيض بإحساس الأمومة والأبوة.
وتتبلور نظرته للشعر أكثر في ديوانه الأخير (كي أشبه ظلي) فيغدو الشعر في نص عنونه ب "القصيدة" نصا محبرا بكل المعاني الشريدة، المطرزة بالدمع والوجع، يقول )الرمل(:
اِتّقِ الشّوقَ بشِعري
)...(
كنتُ إنْ طرَّزتُ شِعري مِنْ دموعي إنْ جَرتْ
مِنْ يَدَيْ إنْ أورقتْ
مِنْ أضلعي
كلُّ سرّي في المعاني[- بوعلام دخيسي، "كي أشبه ظلي"، مطبعة الجسور، وجدة، ط 1، 2016م، ص 86.]
انطلاقا من هذه النماذج التي تؤسس للمراحل الشعرية الثلاث من تجربة الشاعر إلى الآن، يتضح إذًا أن الشعر عند بوعلام دخيسي هو مزيج شعور وإحساس إنسان مسكون بالوجع والألم، وهو تطريز من حبر الدموع وطقطقات الضلوع، ولحن موشوم بأشجان آخر الليل على صفحات الزمن.



1-2-تجليـات الميتاشعــر علـى مستــوى المتــون الشعريــة:
لم يقف الشاعر عند حدود العتبات ليستحضر فيها هوسه بالشعر، وليبث شعره بالشعر، بل تعداها إلى المتن الشعري حيث نقف عند بعض النصوص التي تعد بحق بيانا تنظيريا يقدم من خلالها الشاعر موقفه النقدي حول الشعر، ويستعرض الكثير من مقومات الكتابة الشعرية كما لو أنه يمارس التنظير والنقد أيضا شعرا.
ومن هنا يمكن الوقوف في نصوص الشاعر في دواوينه الثلاثة المؤسسة لتجربته الشعرية الموثقة إلى حدود الآن - فالشاعر مستمر في الكتابة على صفحته الزرقاء - عند الكثير من القضايا الأدبية المتعلقة بالكتابة الشعرية إن على مستوى الموضوعات أم الأهداف والمقاصد، أم الجوانب الفنية ما تعلق بالبناء دون إغفال الحديث عن المعاناة النفسية مع القصيدة لحظة المخاض.
وقف الشاعر مطولا في ديوانه الأول (هديل السحر) للحديث عن مصادر إلهامه الشعري وموضوعاته التي اهتم بها، وكأننا به يريد التأصيل الموضوعاتي لشعره وهو يدخل عالم النشر وعالم الإعلان عن ميلاد الشاعر ضمن المنظومة الشعرية المغربية، حين وقف في نصه الأول "وأنا... عندي حنين" )الوافر):
أنا... عِندي حنينٌ... إنّما
عِندي اليقينْ
أنّ الذين تمكّنوا
مِنْ ضَرْبِ أوتاري
أرَتِّبُهمْ:
حُروفٌ تُتقِن الذّكرى
ولحنٌ ناعمٌ يُخفي الأنينْ
وجمالُ لوحةِ آخرِ المستبشِرينْ[- بوعلام دخيسي، "هديل السحر"، مطبعة الجسور، وجدة، ط 1، 2012م، ص 13.]
أولا على مستوى العنوان نجد أن ثمة تناصا واضحا مع أغنية مشهورة للفنانة فيروز وهي تحمل العنوان نفسه "أنا عندي حنين"، لكنها لا تعرف لمن هذا الحنين؟ فالإحساس إذًا حاضر في مقابل عدم إدراك لمن هو موجه، في حين أن الشاعر بوعلام يدرك شعوره ويصفه، كما يدرك لمن هو موجه ومن متلقيه، إذ يقول: عندي اليقين، ويقينه من مصادر تجربته الشعرية وهي تقوم على ثلاثة أسس إن غابت غابت القصيدة معها، وهي "حروف" والمقصود واضح منها: إنها اللغة، ثم "لحن ناعم" وهو الإيقاع، وأخيرا "جمال لوحة" وقطعا المقصود به الصورة الشعرية التي يحاول الشاعر أن يأتي بآخر ما استجد فيها مؤكدا قول الشاعر المعري قديما )الطويل(:
وإنّي وإنْ كنتُ الأخيرَ زمانُهُ
لآتٍ بما لم تستطعْهُ الأوائِلُ

فهو المستبشر القادم الذي راودته القصيدة آخر العمر كما قال "فجاءت في ختامي بالبداية"، ولذا نجد الشاعر يصف معاناته مع الحرف وقد استعصى عليه وانفلتت الصورة من بين ثنايا الإيقاع ورفضت الانصياع يقول:
هلْ تعلمُ أنّي أحترقُ
وأنا أقترِفُ الحرفَ
)...(
هلْ تعلمُ أنّي ذات قصيدٍ
لم أذُقِ النّومْ[- نفسه، ص 82.]
يدخل الشاعر في هذا المقطع في حوار مع متلق يستحضره وقت كتابة قصيدته هذه وهو يصف من خلالها معاناته معها، هو المتلقي الذي وصفه بالغاوي في استحضار للآية القرآنية التي جاء فيها قوله تعالى: ﴿والشُّعَراءُ يَتبَعُهُمُ الغَاوُونَ﴾[- سورة الشعراء، الآية 223.]، والغاوي ما عساه يكون سوى ذلك العاشق للحرف، المستمتع بلحنه وصوره، فالشاعر يتساءل عن هذا الغاوي المتلقي الشغوف بحرفه، والمتتبع لسحر الإيقاع، يتساءل عنه وعن مدى إدراكه لصعوبة القصيدة، ورفضها الانصياع لرغباته، وتمنعها ليحترق بلهيبها ويعيش الأرق والسهاد، إلا أنه يفاجئ بغياب الغاوي الذاكر لله، أو حتى ذاك الذي يوسوس له الشيطان، حيث نقف أمام إشكالية التلقي الشعري وغياب القارئ، لذا يلوذ بالصمت فيجده أبلغ من الكلام، يقول مثلا في نص "هكذا عُلِّمْت شعرا" )الرمل(:
ليسَ شِعرًا ما أبوحُ
)...( إنمّا أضغاثُ جُرحي(...)




مِنْ شُجوني جئتُ أسعى
راجيًا في الشِّعر رَوْحي(...)

جاءني الشِّعر ولكنْ
لا لِمدحٍ، بلْ لنُصْحي[- "هديل السحر"، م س، ص 93 - 94.]

ينطلق الشاعر من نظرية الارتباط الوثيق بين الشعر والوجدان، وهنا نرجع للدلالة اللغوية لكلمة شعر: وهو ما يشعر به الإنسان، أو كما سيقول فيما بعد الشاعر عبد الرحمن شكري )الوافر(:
ألا يا طائرَ الفِردو
سِ إنّ الشِّعرَ وِجْدانُ

والأمر نفسه يستمر في تجربته الشعرية الثانية الموسومة ب (الحرف الثامن) حيث تتبدى قصيدة "خير الشعر عاجله" منتصبة واصفة حال المكابدة الشعرية التي يعاني منها الشاعر ساعة المخاض الشعري، إذ تستفز تلك الأنثى شاعريته وتطلب قصيدة عصماء، قصيدة ذات شروط ومقاييس أدبية تنافس شعرَ جميلٍ في بثينة غرضا وجمالا، قصيدة تفضح المشاعر وفيض الأحاسيس المرهفة، خالية من الكسور والاختلالات العروضية، ذات وزن وبحر لا تحده شواطئ ولا سواحل، ويظهر أن الشاعر بوعلام مهووس بالإيقاع وبالعروض، وحريص على سلامة نصوصه الشعرية من الكسور والعلل، ومهتم بالحفاظ على الوزن وبقانون العروض الخليلي، إذ تتكرر مفردات عروضية من قبيل: الإيقاع، الوزن، الكسور، اللحن، القصيدة، الشعر، إضافة إلى مفردات بلاغية كالمجاز والصورة كما جاء في نص "استقالة شاعر" )الخبب(:
مَنْ يَسألُ عنّي الآنا...
قُلْ إنّي أخلِطُ أوزانا...
أرسمُ شِعرًا
آخذُ مِنْ كلّ الألوان لأصنعَ ألوانا...[- بوعلام دخيسي، "الحرف الثامن"، مطبعة الجسور، وجدة، ط 1، 2014م، ص 100.]
يقف الشاعر عند مستويات عدة من القصيدة الشعرية ومن اختلافات عميقة في مستويات القراء الذين تتعدد اتجاهاتهم وتختلف، وبالتالي يصل أفق الانتظار لديهم إلى تعدد واختلاف، فأحدهم يريد شعرا إيمانيا ملتزما، والآخر يريد شعرا في الحب، وآخر يريده في قضايا المجتمع وآخر يريد شعرا في النضال والجهاد، مما جعل الشاعر يقف وقفة تأمل يعلن بعدها استقالة ترفض من خلالها الذات الشاعرة أن تكون بوقا يردد ما يقوله الآخر، دون إحساس أو معايشة، فما معنى أن يكون شاعرا تحت الطلب، لذا فضل الإبقاء على إنسانيته على أن يكون متشاعرا، فالشعر عنده ليس أحرفا ولا لحنا فقط وصورا، وإنما هو إحساس وحرقة ومعاناة وطول سهد وأرق ساعة السحر، وبحروف ثامنها لغز ليشبه ظله أو يكون هو الشبه.
وهو ما يتأكد في تجربته الثالثة أيضا، إذ يقول )البسيط(:
يا سَادتي، لا تكونوا مِثلنا الشُعَرَا

الحرفُ يُتْعِبُنا، والوَزْنُ والصُّوَرُ[- "كي أشبه ظلي"، م س، ص 53.]





فمنظور الشاعر أيضا حسب بوعلام، هو ذاك المتعب الذي يعاني من السهد والغم ومن السهر، وتعد قصيدة "القصيدة" تعبيرا حيا عن مفهوم الشعر الحقيقي عند الشاعر، فهي مجمع المعاني ومحفل الأسرار ونهر الدموع الجارية، يقول )الرمل(:
لا تَسَلْ عنّي أنا العارف ما أعْني
وسَلْ شِعري
تُجبْكَ الرُّقع السَّبْعُ الشَّريدهْ
القصيدهْ[- نفسه، ص 87.]
بل ويصبح الشعر أيضا مجمع الحكم إذ يوصي الشاعر بالاستمرار في الدرب الصحيح شرط أن يبقى بعيدا، )الخبب(:
قال الشِّعرُ: "هو الدَّرب صحيحٌ
يوصلُكَ الدّرْب إلَينا ما دُمتَ بعيدًا
)...(
إنْ ذابَ الشّوقُ حُرِمتَ الشِّعرا..."[- نفسه، ص 111.]
ولم يقل الشاعر بعدُ النص الذي يريد،
"ألفَ قصيدٍ قلتُ وما قلتُ الشّعرا"[- نفسه. ]
2 - الشعـر بين التلقـي التقليـدي والتلقـي الإلكترونـي في تجربـة الشاعـر بوعـلام دخيسـي:
إن قطب المتلقي في العملية الإبداعية يظل من أهم المرتكزات التي يقيس من خلالها المبدع مدى تقبل الوسط الفني لإبداعه، إذ تقوم عملية التلقي كما تحدث عنها ياوس على شقين اثنين، أحدهما متعلق بالاستقبال وثانيهما بتأثير العمل وأثره، وتعتمد هذه العملية طبعا على طبيعة المتلقي الذي يفترض فيه أن يكون ذا قدرة وثقافة وخبرة في قراءة النصوص وتحليلها، مما يخلق تفاعلا بين النص والقارئ يؤدي إلى بناء نص آخر.
وقد حضر المتلقي في تجربة الشاعر بوعلام بشكل لافت، ولا عجب من ذلك ما دام الشاعر ينظر لشعره بشعره وفي شعره، فلا بد إذًا أن يتطرق لعملية التلقي في شعره، إذ يستحضر القارئ في كتابة نصوصه الشعرية، ويحاوره فيها، بل ويسائله ويستفسره.



وباستقراء المتن الشعري المجموع ضمن الدواوين الثلاثة يمكن تقسيم المتلقي من منظور الشاعر نفسه إلى نوعين وهما، المتلقي التقليدي والمتلقي الرقمي، فأما المتلقي التقليدي فالمقصود منه ذلك القارئ الذي استقبل نصوصه بالطريقة التقليدية، إن ورقيا وإن إنشادا، في ملتقيات شعرية وجلسات إبداعية، ومنهم من يتقاسم مع الشاعر المعاناة الشعرية نفسها، كالشاعر المغربي محمد علي الرباوي الذي راكم تجربة شعرية منذ بداياته في السبعينات، وقد أخذ هذا الشاعر على عاتقه رعاية التجارب الشعرية وتوجيهها ومباركتها، فكان أول متلق لنصوص بوعلام يقول )البسيط(:
محمّدٌ ذاك أستاذي ومِلءَ فمي
أقولها، خابَ في العشّاق أشباهُ

باركتَ أوّلَ إنشائي وضعتَ لهُ
علامةَ العَشْرِ ما عيَّرْتَ مَبناهُ

وها أنا اليومَ يا حِبّي أحاوِلُهُ
بِلا عُيوبٍ لعَلّ العينَ ترضاهُ[- "هديل السحر" م س، ص 48. ]

يعترف الشاعر بوعلام أولا بفضل الشاعر الرباوي باعتبار علاقة الأستاذية التي تجمعه به، ثم علاقة التلقي باعتباره متلقيا لنصوصه الأولى، لذا أهداه هذه القصيدة التي جاءت بعنوان "أنت لها" معترفا بمكانته في الساحة الشعرية وبخصاله الإنسانية وقدراته الفنية والجمالية، ويتجلى التلقي التقليدي من خلال مجموعة من الإشارات من بينها، كلمة "إنشاء" و"علامة العشر"، إذ شاع في ثقافتنا أن الإنشاء هو كل ما عبر عنه الإنسان كتابة، فكان جزءا من مكون مادة اللغة العربية، وتأتي مفردة "علامة العشر" لتزيد من تأكيد دلالة التلقي التقليدي، كما دل عليه مقطع من قصيدة "أنا عندي حنين" إذ جاء فيها:
أنا المهجورُ في أرَقي
أجثو على ورقي
وأكتُبُ مِنْ جديدٍ ما يَسُرُّ المُبْتَدينْ[- نفسه، ص 14.]
وقوله أيضا في قصيدة "ساعة للصمت" )الخفيف(:
أيّها السّامعونَ قولي توارَوْا
ساعةً، لا يُطيق طوقي الكلاما (...)


يَتْبع الغاوونَ الشُّداةَ فنَصْحو
إنْ رضينا، على الرَّصيف رُكاما[- نفسه، ص 80 - 81.]

وهو يتساءل عن الغاوين، فقد قدم لنا مفاتيح هذا المتلقي الذي تؤشر عليه المؤشرات كونه تقليديا يقول )الخبب(:
هلْ تعلمُ أنّي أحْترقُ
وأنا أقترِفُ الحَرفَ
تَقْصِفني الأقلامُ
ويَسْحَبُني الوَرَقُ[- نفسه، ص 82.]
إن وجود المفردات الآتية: "الأقلام" و"الورق" لدلالة واضحة على وجود المتلقي التقليدي الذي سيتلقى العمل قراءة، أو إنشادا في محفل أدبي، ويعتبر الإلقاء الشعري من بين أنواع التلقي التقليدي، ويعود بنا إلى العصور الأدبية الأولى حيث النوادي الأدبية والخيم الشعرية، وقد وجدنا هذا النوع من التلقي في نص الشاعر ضمن مجموعته الثانية يقول )الطويل(:
وليلَى على البحرِ الطّويل تُطاوِلُ

قصيدي وتُخفي حِلمَها وتُجادِلُ


تقولُ إذا شئتَ القصيدةَ ألْقِها
كما كان يُلقي في النّوادي الأوائِلُ[- "الحرف الثامن"، م س، ص 11.]



ونستحضر في هذا المقام خيمة عكاظ الشعرية والناقدة أم جندب التي كانت تتلقى أشعار المتبارزين شعرا، ويحتكمون إليها لنيل أعلى المراتب الأدبية في القول الشعري، وفي المجموعة الثانية (الحرف الثامن) يؤكد الشاعر حضور المتلقي التقليدي من خلال قوله )الخبب(:
يا سامعَ نَبضِ يَراعي...
يا قارئَ حُرقةِ إبداعي...[- نفسه، ص 23.]
إلا أن عملية التلقي الإلكتروني ستبدأ خفية في التحول في الديوان الأول، يقول )الخبب(:
غازلتُ اليومَ فراشهْ
)...(
طافتْ بين نواميس الحاسوبْ
بين الأزرارِ وبين الممدودِ
على سطح الشّاشهْ[- "هديل السحر"، م س، ص 89.]
وبالقطع فإن التلقي الإلكتروني لا بد أن يكون ناتجا عن النشر الإلكتروني الذي أصبح الآن ضرورة يفرضها الواقع الجديد، ولا يمكن لأي منا أن ينكر انخراطه في هذا العالم وإن بنسب متفاوتة ومختلفة، وعندما نتحدث عن الأدب الإلكتروني فإننا نعني به نقل الأدب من مجال النشر التقليدي الورقي إلى النشر الإلكتروني عبر مواقع إلكترونية، وإن كان الورق غير غائب كليا والدليل هو نسبة الإصدارات اليومية الورقية، والنص أعلاه يبين ذلك، حيث تم نقل نشر الكتابة من الورق إلى الكتابة على شاشة الحاسوب بالاعتماد على الأزرار، والفراشة ذات المفهوم المتعلق بالبحث عن الحق وطوافها الكثير حول النور ظنا منها أنه الحقيقة، إن وجود مفردات "الحاسوب" و"الأزرار" و"الشاشة" لدليل قاطع على دخول الشاعر عالم التكنولوجيا، حيث عملية النشر الإلكتروني يتبعها تلقائيا تلق إلكتروني، وسيستمر الحديث عن النشر والتلقي الرقميين، إذ فاعلية النص الرقمي الإلكتروني لا يمكن أن تتحقق إلا بفاعلية التلقي الرقمي الإلكتروني.
في الديوان الثاني حضرت عملية التلقي بشكل خفي ومتوار في قصيدة "جيم" حيث تحتمل هذه الكلمة احتمالين اثنين، يقول )الخبب(:
لمّا حاولتُ كـتابتَهُ
عاد يُخاصِمني
ويُعدِّدُ لي الأخطاءْ
يَستنطقني حُبّي
سين
:
ما شأنُكَ بي؟
)...(
جيم: ...[ - "الحرف الثامن"، م س، ص 56 - 57.]
انطلاقا من هذا المقطع نستشف الدلالة الأولى ل"جيم" وهي اختصار لكلمة جواب التي دلت عليها مؤشرات من مثل: يستنطقني، سين بمعنى سؤال، إلا أن المقطع الموالي يجعلنا نستشف دلالة ثانية، يقول )الخبب(:
تِلكَ علامةُ إعجابٍ لا تَعرفُها...
عَلَّقْتُ عليها أملي
وخرجتُ أوَزِّع أشواقي
وأفتِّش عنّي
بين ضُلوع الجدرانْ...[- نفسه، ص 58.]
عندما تعلق الأمر بالتلقي التقليدي وجدناه يقول "علامة العشر"، وأما الآن فنجد "علامة إعجاب" وهي من المفردات الحديثة التي ظهرت مع عصر التكنولوجيا عبر وسائط التفاعل الإلكتروني، J’AIME، أضف إليها مفردات أخرى من قبيل "علقت" والمقصود بها "تعليق" COMMANTAIRE، أما الجدران، فهي جمع "جدار" والمقصود به "FACE، هي مؤشرات يمكن اعتمادها إرهاصات أولى لوجود عملية التلقي الإلكتروني أكثر مباشرة من الديوان الأول.
إلا أن ديوانه الأخير (كي أشبه ظلي) قد حقق طفرة نوعية في مجال الحديث عن التلقي الإلكتروني، بعدما كان متخفيا في العنوان السابق له، وكما سبقت الإشارة فقد انخرط الشاعر بوعلام في العوالم التواصلية التفاعلية، ربما من بين أسباب ذلك - إضافة إلى كونها ضرورة حتمية - هو كونه علمي التكوين ووظيفته تحتم عليه التعامل اليومي مع التقنيات الحديثة، لذا نجده دائم الحضور على صفحته الزرقاء، وكثير التواصل، يقول )الخبب(:
ألفُ صديقٍ لا أعرفهمْ
)...(
أهدي للواحدِ مِنهمْ في المَأتَمِ والمَغْنَمِ
ما طاب مِنَ النَّقْرِ ولَذَّ مِنَ الحركاتْ...
أتحيَّنُ أعيادَ الميلادِ
لأثبِت أنّي ما زلتُ على قيْدِ الميعادْ...[ - "كي أشبه ظلي"، م س، ص 36 - 37.]
يوضح هذا المقطع والقصيدة كلها انتقال التفاعل الإنساني من مجال التفاعل المباشر المادي، إلى مجال التفاعل الافتراضي حيث ملايين الأصدقاء والأسماء، إلا أنها أسماء وهمية "لا تجد لها في الشارع وجودا عند موعد اللقاء"، وصدق الحكيم إذ قال ذات زمن )الطويل(:
فما أكثرَ الإخوانَ حين تعُدُّهمْ
ولكنّهمْ في النّائباتِ قليلُ




ويقف الشاعر في هذا النص عند قضية جوهرية وهي قضية ثنائية الحقيقة والافتراض، فإذا كان الإنسان عموما على هذا الحال، فما بال النقرات على العالم الأزرق، حيث الضجيج الفيسبوكي، يقول )الكامل(:
والنّاسُ في الحاسوبِ
والدّنيا جميعًا هاهُنا
ما عُدت أشتاقُ البشرْ
كَثُرَ الضّجيجُ ولم أعُدْ أصغي لنفسي[- نفسه، ص 13.]
إن هذا الانخراط الكلي للناس في عالم التكنولوجيا بهذا الشكل الذي يصفه لنا الشاعر يجعلنا فعلا نتساءل عن مدى فاعلية وسائل التواصل الاجتماعي هذه، وهل فعلا هذه التسمية تنطبق على فاعليتها الاجتماعية؟ حيث الكل يكتب شعرا إلا الشعراء، والكل أصبح ناقدا إلا النقاد، والكل )الخبب(:
... مُسْتَتِرٌ في عُلَبِ اللّيل الأزرقْ[- نفسه، ص 39.]
والكل يتلقى ما ينشر، وإذ كثر الضجيج ليلا فقد ارتأى الشاعر أن يخصص مجالا لحواره مع غاويته ضمن صفحة خاصة بعيدا عن الضوضاء، يبادلها العشق والحب والألم والشعر، يقول )المتقارب(:
ولمّا عَجزتُ عنِ البحثِ عنها
وَضَعتُ لها صفحةً للِحوارْ
أغازِلها اللّيلَ أفْشي لها كلّ عشقي
وأمضي أراجع شوقي... وشِعري... لها في النّهارْ
أذَكِّرُها بالّذي كان مِنّا زَمانًا
تقول: أتذكُرُ أوّلَ شِعرٍ
وأوّلَ نَقَرَةِ حُبٍّ وضعتَ بَعيدًا عن النّاسِ
لمّا هممتَ تُعَلِّقُ:
أُقسِمُ، إنّ القصيدةَ مِنْ نَسْلِ حَوَّاءَ...[- نفسه، ص 81.]
هي صفحة عشق طبعا وأيضا صفحة حوار شعري، حيث يتحول الشاعر إلى متلق والمتلقي إلى شاعر، أو بالأحرى شاعرة، فالنص لا يكتمل وجوده إلا بالمتلقي، وهنا لا بد أيضا من الإشارة إلى سلطة الصورة التي ترافق النشر الإلكتروني، إذ إن وجود أي أيقونة مرافقة للنص المنشور فإنها هي نفسها تؤسس سلطة على المتلقي، وتسهم أيضا في توليد الدلالة والمعنى.



خلاصــات ونتائــج:
إن التراكم الفني الذي حققه الشاعر بوعلام دخيسي عبر ثلاث تجارب شعرية وهي (هديل السحر) (الحرف الثامن) (كي أشبه ظلي) في ظرف زمني ما بين 2012 وبين 2016 أي بنسبة ديوان كل عامين، يجعلنا نقف عند بعض من سمات هذه التجربة والتي يمكن حصرها في الآتي:
- حضور القصيدة العمودية بشكل قوي جدا في المجموعة الأولى ولعل السبب في ذلك راجع إلى اهتمام الشاعر واطلاعه على المتون الشعرية القديمة، خصوصا ما صرح به في نصوصه الشعرية ومثاله: جميل بثينة وقيس والمتنبي، والانتقال من العمودية إلى التفعيلة في تجاربه التالية.
- تميزت المرحلة الأولى من تجربته الشعرية بوجود قضايا ذات بعد اجتماعي وسياسي، ولعل الأمر مرده إلى الانتماء الجماعي للشاعر آنذاك، مما جعله يستجيب في نصوصه لمتطلبات المرحلة.
- حرص الشاعر أيما حرص على مواكبة شعره تنظيرا كما سبق وتم بيانه، إذ وقفنا على نصوص شعرية اشتملت البعد التنظيري والنقدي لنصوصه الشعرية مهتما بذكر مصادر شعره، إضافة إلى وصف المعاناة النفسية والروحية التي يكابدها أثناء المخاض الشعري حتى تستوي القصيدة على عودها.
- استمرار الحديث عن الشعر أو ما سميناه بالميتاشعر منذ الديوان الأول مرورا بالمتون الشعرية التي أبانت عن هوس الشاعر بشعره وقد عرفت هذه الظاهرة تحولا عبر مساره، إذ انتقلت من مرحلة الوصف إلى مرحلة الدعوة للمشاركة والتفاعل.
- حضور المتلقي في تجربة الشاعر عبر مستويين، أولهما المتلقي التقليدي العادي الذي تلقى نصوص الشاعر عبر الورق أو الإنشاد، والثاني المتلقي الإلكتروني التفاعلي، وقد ظهر هذا النوع من التلقي بعد الانفتاح الكبير للقارئ على وسائل التواصل الحديثة، مما يجعلنا نطرح العديد من التساؤلات حول هذه العملية، واستحضار الناقد باللفظ في تجربته مرة في ديوان (الحرف الثامن) وثلاث مرات في (كي أشبه ظلي) لدليل قاطع على اهتمام الشاعر بالمتلقي وعنايته بالناقد.



* التجربـة الشعريـة لبوعـلام دخيسـي أنموذجـا[- نشرت الدراسة في جريدة "بيان اليوم" بتاريخ 25 يناير 2019م.]
إلهـام الصنابـي[ - باحثة، الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، جهة الشرق.]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...