محمد بشكار - عارياً كما ولدتني أفكاري!

لو سألتني عن أفظع ما يكابده اليوم حَامِلُ أو حَمَّالُ القلم في مجاهدة تتأكَّلُ النفس ألماً، سوف أحتاج إلى أن أبتلع لساني كي أومئ لكَ، أن الكاتب مازال يختبئ مستشبحاً، خلف ظل القلم؛ بالكاد يتجاوز هذا الظل إلى دائرة النار المستعرة بما لا ينقال، في محاولة للخروج علناً أو عارياً كما ولدتني أفكاري، وخلخلة بعض الثوابت التي اكتسبت سلطتها النمطية المقدسة من فرط ما سافرت كموروث في التاريخ، فأصبحت تملي على الإنسان طرائق التفكير والعيش وربما حتى الإحساس؛ لذلك ما فتئنا هذه الأيام، نسمع في بعض بلدان العالم العربي (السعودية، الأردن، مصر...) تمثيلا لا حصراً، شحذاً رهيباً لمقصلات الرقابة، تجز أعناق الكتب التي أسرفت إما في شعرية إيروتيكيتها التي لا يستطيعون كبتها سريراً ويريدون فطامها شعراً؛ أو أوغلت بالتحليل في النص القرآني، أو ارتجت بالزلازل في صنم سياسي؛ مما يحذوني إلى أن أستحضر من جديد مقالة «في السلطة» لـ«ميشيل فوكو» التي كم تعذب قراءتها النفس التواقة لمن يصف واقعا مغايرا غير الذي نعيش مآسيه، ولو من باب التغليف الديمقراطي والكذب الشعري والإحالات المدعية عالمة بتبشيرها باليوطوبيا.. مقالة فوكو «في السلطة» ليست من جبلة قصيدة أو نص بورخيسي يحقق للقراءة لذة الاستيهام، ولكنها بحبكتها التوصيفية لاعتمالات السلطة داخل المجتمع، وانبنائها اللبني المحكم من أسفل إلى فوق أو العكس، في سلسلة يشرط حلقاتها ناموس «الإخضاع»، أشعرتني بالعيش في «السجن»، وبضغط نفسي فادح رتج كل منافذ الإنعتاق. في «السلطة» لا تنابذ يفصل بين الأشياء، صغيرها وكبيرها. جميعها تصبح عناصر مكونة للقوة، أو بالأحرى: القطيع موحد القوائم والأظلاف في إطار أو أجهزة ومؤسسات لا تخرج عن سيادة الدولة أو القانون اللذين يعتبران ضمن الأشكال المنفرزة من رحم السلطة؛ إذن لا مطلق ينشده المرء خارج هذا النظام الذي انعكس بفتوره على القصيدة أيضا. حتى لو تعطلت عقارب العقل، فهناك المصحة التي يمكن تصنيفها كأحد الأجهزة الرادعة أكثر منها استشفائية لذا الصنف من العلل. وجرب أن تصاب بأمراض أخرى كالتي قتلت بشار بن برد بتهمة الزندقة وصلبت عمارة اليمنى وأعدمت لوركا وسيد قطب والسهرودي...




إن استحضار مثل هذه الأرواح القلقة، كفيل بأن يخلخل تناغم السنفونية النموذجية، التي تعزفها السلطة لتحقيق ذلك الإذعان الذي أكد «مونستيسكيو»، أنه «مطلب وظيفي لكل المجتمعات»، هذه الأرواح: الشعراء، الصوفيون، الفنانون... هي التي تخلق «الخارج المطلق» الذي ترفضه الوئامية المنظمة: فلا هم بالمسيطرين ولا يرزحون تحت السيطرة، أو يرفضون.
ربما كان التحليل محض الموضوعي والواصف بلغوسية ثاقبة لعلاقات القوى التي تحكم المجتمع جعلت «فوكو» يقفر عن هذه الزمرة الرمزية والمثقفة بالمعنى الأصيل، ولا غرو أن هذه الفئة ستستمرئ هذا الغض للطرف عن وجودها، لأن حضورها في مقالة من إجرائية «في السلطة»، قد يجور عليه بتصنيف إيديولوجي من عيار تعبير «فوكو» «المقاومات المنعزلة» وهي التي آثرت أن تبقى «الذهن الحر» أو «الروح الحر» دون أن تتحدد بالآخر.
وأقصى التجليات التي يمكن أن تبلغها مثل هذه الذوات الخارجة عن القانون أو السلطة دون أن تؤذي أحدا، هي أن تستسلم للجنون أو تنتحر ذلك الإنتحار الذي يؤازر في بنائه الاجتماعي - بمذهب دور كايم - نمط حياة ما ويزعزع استقرار الأنماط الأخرى: وهذه لعمري أبلغ سلطة وأشدها انوشاما في النفس وفي جسد التاريخ.
2/4/2009

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...