أعلنت الروائية ميرال الطحاوي انحيازها للهامشيين منذ بداياتها في "الخباء"، و "الباذنجانة الزرقاء"، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى فضاء الهجرة والمنفى مع "بروكلين هايتس"، وفي روايتها الأحدث "أيام الشمس المشرقة"، التي شهدت امتدادا لكتاباتها عن الاغتراب، مصحوبا بنقلة نوعية على مستوى الرؤية والبناء معًا؛ حيث انتقلت من الذات إلى الآخر، ومن السيرة الفردية إلى الفسيفساء الجماعية، ومن الغربة إلى الاغتراب باعتباره مأزقًا إنسانيًا واسعًا، بحيث تحولت "الشمس المشرقة" إلى استعارة كبرى لانهيار الحلم الإنساني في زمن العولمة، بما يحمله من وعود براقة تتناقض تمامًا مع واقع العنف والاستغلال وفقدان الأمان.
فسيفساء الحكايات
قسمت ميرال الطحاوي روايتها إلى خمسة أجزاء، الشمس المشرقة، حديقة الأرواح، سرة الأرض، تلة سنام الجبل، الربع الخالي، ويتفرع عن كل جزء عناوين جانبية ذات دلالات لافتة "مثل كلب أليف"، "شعر الجنية"، "النبي الكاذب"، هذا التقسيم يرصد التمزق الداخلي للشخصيات، فكل جزء يمثل "سردية صغيرة" ضمن السردية الكبرى؛ هذه الأجزاء تتقاطع وتتجاور دون أن تلتقي في حبكة تقليدية، البنية إذن تتخلى عن المركز، وتختار الفسيفساء، في محاولة لمحاكاة الواقع نفسه، في كونه غير متجانس، هشّ، ممزق، وبالتالي لا يمكن الإمساك به عبر سرد خطي.
تبدأ الرواية بافتتاحية صادمة، فالأمّ مهاجِرة (نِعَم الخباز) تفاجأ بابنها غارقا في دمائه بعد أن اخترقت رصاصة رأسه، هي تعيش في مدينة تقول عنها الرواية أنها اعتادت على إطلاق النار بسبب وبدون سبب، هذه البداية تضع القارئ في قلب العنف مباشرة، وتعلن أن مسار الهجرة يبدأ بالموت وينتهي به، الموت هنا يمثل بنية سردية متكررة.
وأحد أبرز خيارات الرواية جماليا يتمثل في لعبة المفارقة بين الأسماء والحقائق، مدينة اسمها الشمس المشرقة، لكنها غارقة في الظلام، حيّ اسمه جنة عدن، لكنه فضاء للاستغلال والتمييز، مركب يُسمّى عين الحياة ينتهي إلى جثث الغرقى، هذه الفجوة بين التسمية والواقع، عبر هذا الاستخدام الساخر للغة تقدم الرواية نقدًا للحلم الأمريكي، ونقدًا لآليات الهجرة، ونقدًا لنظام عالمي ينتج غرباء بلا وطن.
المدينة بوصفها استعارة للمنفى
تقدّم الرواية مدينة "الشمس المشرقة" كفضاء مُلتبس، فهي مدينة حدودية، شبه مهجورة، قامت على أنقاض مستعمرة لمناجم النحاس، ثم تحوّلت إلى مقرّ مؤقت للمهاجرين غير الشرعيين، أو الذين عجزوا عن الوصول إلى مدن الحلم الأمريكي الكبرى، هنا، يتضخم التوتر بين الاسم وما يحمله من إشراق، والواقع بكل ما فيه من فقر وعنف، هذا التناقض يكشف زيف خطاب الهجرة، حيث تتفاقم الهوة بين المعلن والمعاش، والمدينة نفسها بلا جذور، بلا ذاكرة، مجرد فضاء ميت، لا يمنح ساكنيه إلا شعورًا بالفقد. هذا الفراغ يبدو كمرآة لفراغ الشخصيات نفسها، التي تحيا بلا يقين، وبلا مستقبل، فتبدو وكأنها «نهاية العالم».
ورغم أن الرواية تدور في فضاء أمريكي متخيل، إلا أن الوطن (مصر) يحضر فيها عبر استدعاءات متقطعة، تتمثل في ذكريات الأمومة، الفقر، علاقات السلطة، وصلات القربى التي تمزج الحنان بالقمع، لكن هذا الماضي لا يستعاد بوصفه ملاذًا، بل باعتباره أصل الداء، لذلك تبقى الشخصيات ممزقة بين وطن أخرجها منه ضيق العيش أو القمع، ومنفى لا يراها إلا كجسد قابل للاستغلال أو الضياع.
صوت الجماعة الممزقة
في مقابل "بروكلين هايتس" التي تتركز حول سيرة «هند» وسفرها الداخلي والخارجي، تتجه "أيام الشمس المشرقة" إلى السرد الجماعي، بحيث تتوزع الرواية على عدة شخصيات، لكل منها تاريخها وجراحها وأوهامها، والشخصيات من نِعَم الخباز إلى نجوى سالم وسليم النجار وأبو عبد القادر وعلياء ليست نماذج فردية، بقدر ما هي شظايا من وعي جمعي مضطرب. تحمل كل شخصية قناعًا من الأكاذيب ترسله للوطن، وقناعًا آخر تعيش به في المهجر، وهذا التعدد في الأقنعة يؤسس لمفهوم جديد للهوية، هو الهوية المُعلّقة، أو المؤجلة، التي لا تعرف إلا الخوف.
ورغم تباين المسارات، إلا أن الجميع يكابدون تمزق الهوية وانكسار الحلم، فيبدو هذا التعدد وكأنه «شهادة جماعية» على مأساة المهاجرين كطبقة اجتماعية يطحنها المنفى والفقر والعنف اليومي، وهكذا يمثل الاغتراب في الرواية انقطاعا تاما بين الذات ومرجعياتها، الوطن، الجذور، اللغة، الذاكرة، وحتى الحلم نفسه، وهو اغتراب رباعي الأبعاد، فهو أولا مكاني، إذ تعيش الشخصيات في مكان كابوسي، لا يوفّر حماية ولا انتماء، بل يعمّق الإحساس بالتيه، وهو كذلك اجتماعي، فالمهاجرون لا يشكلون مجتمعًا، ولكنهم مجرد كتلة بشرية بلا هوية مشتركة، وبلا روابط حقيقية تربطهم معا، وهو اغتراب طبقي، فالمدينة مقسومة بين حي المحرومين وحي الجنة حيث يعيش الأغنياء، وأخيرا هو اغتراب زمني، حيث لا يتحدث أحد عن المستقبل، وكأن الشخصيات محاصَرة بين حاضر مرعب وماضٍ لا يمكن العودة إليه، يكشف هذا الغياب للمستقبل أن الهجرة ليست بداية جديدة كما هو مأمول، ولكن توقف كامل لمسار الزمن، وتجميد للهوية.
جملة الختام
"لا يكترث أحد لغياب أحد في النهاية، يتساءل البعض أحيانا لكنهم يدركون أن الغياب سنة من سنن تلك الحياة، التي يعيشونها"، بهذه الجملة تختتم الكاتبة روايتها، جملة رغم بساطتها الظاهرة وقسوتها الكامنة، تأتي كخلاصة للرواية كلها. فهي تتحدث عن تحوّل الغياب إلى قانون، وإلى طقس يومي في حياة المهاجرين، حيث يتآكل حضور الإنسان تدريجيًا تحت وطأة العزلة، والتهجير، والعمل القاسي، ومحو الروابط الاجتماعية. ففي عالم أيام الشمس المشرقة لا يمتلك أحد حضورا بما يكفي حتى يُفتقَد، فالهويات عابرة، والعلاقات مؤقتة، والحياة نفسها معلّقة بين انتظارٍ لا ينتهي ورحيلٍ محتمل. وبذلك تصبح جملة الختام إعلانًا عن سقوط معنى الانتماء في المنفى، فالهجرة لا تسرق الجسد فقط، بل تبتلع أثره أيضًا، إنها خاتمة تعيد القارئ إلى سؤال الرواية المركزي، ما قيمة الوجود حين يصبح الغياب هو القاعدة والحضور هو الاستثناء؟
فسيفساء الحكايات
قسمت ميرال الطحاوي روايتها إلى خمسة أجزاء، الشمس المشرقة، حديقة الأرواح، سرة الأرض، تلة سنام الجبل، الربع الخالي، ويتفرع عن كل جزء عناوين جانبية ذات دلالات لافتة "مثل كلب أليف"، "شعر الجنية"، "النبي الكاذب"، هذا التقسيم يرصد التمزق الداخلي للشخصيات، فكل جزء يمثل "سردية صغيرة" ضمن السردية الكبرى؛ هذه الأجزاء تتقاطع وتتجاور دون أن تلتقي في حبكة تقليدية، البنية إذن تتخلى عن المركز، وتختار الفسيفساء، في محاولة لمحاكاة الواقع نفسه، في كونه غير متجانس، هشّ، ممزق، وبالتالي لا يمكن الإمساك به عبر سرد خطي.
تبدأ الرواية بافتتاحية صادمة، فالأمّ مهاجِرة (نِعَم الخباز) تفاجأ بابنها غارقا في دمائه بعد أن اخترقت رصاصة رأسه، هي تعيش في مدينة تقول عنها الرواية أنها اعتادت على إطلاق النار بسبب وبدون سبب، هذه البداية تضع القارئ في قلب العنف مباشرة، وتعلن أن مسار الهجرة يبدأ بالموت وينتهي به، الموت هنا يمثل بنية سردية متكررة.
وأحد أبرز خيارات الرواية جماليا يتمثل في لعبة المفارقة بين الأسماء والحقائق، مدينة اسمها الشمس المشرقة، لكنها غارقة في الظلام، حيّ اسمه جنة عدن، لكنه فضاء للاستغلال والتمييز، مركب يُسمّى عين الحياة ينتهي إلى جثث الغرقى، هذه الفجوة بين التسمية والواقع، عبر هذا الاستخدام الساخر للغة تقدم الرواية نقدًا للحلم الأمريكي، ونقدًا لآليات الهجرة، ونقدًا لنظام عالمي ينتج غرباء بلا وطن.
المدينة بوصفها استعارة للمنفى
تقدّم الرواية مدينة "الشمس المشرقة" كفضاء مُلتبس، فهي مدينة حدودية، شبه مهجورة، قامت على أنقاض مستعمرة لمناجم النحاس، ثم تحوّلت إلى مقرّ مؤقت للمهاجرين غير الشرعيين، أو الذين عجزوا عن الوصول إلى مدن الحلم الأمريكي الكبرى، هنا، يتضخم التوتر بين الاسم وما يحمله من إشراق، والواقع بكل ما فيه من فقر وعنف، هذا التناقض يكشف زيف خطاب الهجرة، حيث تتفاقم الهوة بين المعلن والمعاش، والمدينة نفسها بلا جذور، بلا ذاكرة، مجرد فضاء ميت، لا يمنح ساكنيه إلا شعورًا بالفقد. هذا الفراغ يبدو كمرآة لفراغ الشخصيات نفسها، التي تحيا بلا يقين، وبلا مستقبل، فتبدو وكأنها «نهاية العالم».
ورغم أن الرواية تدور في فضاء أمريكي متخيل، إلا أن الوطن (مصر) يحضر فيها عبر استدعاءات متقطعة، تتمثل في ذكريات الأمومة، الفقر، علاقات السلطة، وصلات القربى التي تمزج الحنان بالقمع، لكن هذا الماضي لا يستعاد بوصفه ملاذًا، بل باعتباره أصل الداء، لذلك تبقى الشخصيات ممزقة بين وطن أخرجها منه ضيق العيش أو القمع، ومنفى لا يراها إلا كجسد قابل للاستغلال أو الضياع.
صوت الجماعة الممزقة
في مقابل "بروكلين هايتس" التي تتركز حول سيرة «هند» وسفرها الداخلي والخارجي، تتجه "أيام الشمس المشرقة" إلى السرد الجماعي، بحيث تتوزع الرواية على عدة شخصيات، لكل منها تاريخها وجراحها وأوهامها، والشخصيات من نِعَم الخباز إلى نجوى سالم وسليم النجار وأبو عبد القادر وعلياء ليست نماذج فردية، بقدر ما هي شظايا من وعي جمعي مضطرب. تحمل كل شخصية قناعًا من الأكاذيب ترسله للوطن، وقناعًا آخر تعيش به في المهجر، وهذا التعدد في الأقنعة يؤسس لمفهوم جديد للهوية، هو الهوية المُعلّقة، أو المؤجلة، التي لا تعرف إلا الخوف.
ورغم تباين المسارات، إلا أن الجميع يكابدون تمزق الهوية وانكسار الحلم، فيبدو هذا التعدد وكأنه «شهادة جماعية» على مأساة المهاجرين كطبقة اجتماعية يطحنها المنفى والفقر والعنف اليومي، وهكذا يمثل الاغتراب في الرواية انقطاعا تاما بين الذات ومرجعياتها، الوطن، الجذور، اللغة، الذاكرة، وحتى الحلم نفسه، وهو اغتراب رباعي الأبعاد، فهو أولا مكاني، إذ تعيش الشخصيات في مكان كابوسي، لا يوفّر حماية ولا انتماء، بل يعمّق الإحساس بالتيه، وهو كذلك اجتماعي، فالمهاجرون لا يشكلون مجتمعًا، ولكنهم مجرد كتلة بشرية بلا هوية مشتركة، وبلا روابط حقيقية تربطهم معا، وهو اغتراب طبقي، فالمدينة مقسومة بين حي المحرومين وحي الجنة حيث يعيش الأغنياء، وأخيرا هو اغتراب زمني، حيث لا يتحدث أحد عن المستقبل، وكأن الشخصيات محاصَرة بين حاضر مرعب وماضٍ لا يمكن العودة إليه، يكشف هذا الغياب للمستقبل أن الهجرة ليست بداية جديدة كما هو مأمول، ولكن توقف كامل لمسار الزمن، وتجميد للهوية.
جملة الختام
"لا يكترث أحد لغياب أحد في النهاية، يتساءل البعض أحيانا لكنهم يدركون أن الغياب سنة من سنن تلك الحياة، التي يعيشونها"، بهذه الجملة تختتم الكاتبة روايتها، جملة رغم بساطتها الظاهرة وقسوتها الكامنة، تأتي كخلاصة للرواية كلها. فهي تتحدث عن تحوّل الغياب إلى قانون، وإلى طقس يومي في حياة المهاجرين، حيث يتآكل حضور الإنسان تدريجيًا تحت وطأة العزلة، والتهجير، والعمل القاسي، ومحو الروابط الاجتماعية. ففي عالم أيام الشمس المشرقة لا يمتلك أحد حضورا بما يكفي حتى يُفتقَد، فالهويات عابرة، والعلاقات مؤقتة، والحياة نفسها معلّقة بين انتظارٍ لا ينتهي ورحيلٍ محتمل. وبذلك تصبح جملة الختام إعلانًا عن سقوط معنى الانتماء في المنفى، فالهجرة لا تسرق الجسد فقط، بل تبتلع أثره أيضًا، إنها خاتمة تعيد القارئ إلى سؤال الرواية المركزي، ما قيمة الوجود حين يصبح الغياب هو القاعدة والحضور هو الاستثناء؟