خالد عطية - خالد عطية - فلسطين بعد الطوفان: سؤال التأسيس

لم يأتِ هذا النقاش العلني المتصاعد حول مستقبل السياسة الفلسطينية من فراغ، ولا يمكن قراءته بوصفه ترفًا فكريًا أو سجالًا نخبويًا معزولًا عن الواقع. ما نشهده اليوم هو اشتباك فكري ضروري، فرضته لحظة انسداد تاريخي غير مسبوقة، وتقاطعت فيه محاولات جادة للإجابة عن سؤال واحد بات ملحًّا بعد الطوفان: كيف نخرج من حالة الاستعصاء الفلسطيني دون أن نعيد إنتاجها بأدوات جديدة؟

في هذا السياق، جاءت ورقة د. غانية ملحيس التي قدّمت تشخيصًا بنيويًا حاسمًا لأزمة نموذج الحكم الذاتي، لا بوصفها أزمة أداء أو قيادة، بل أزمة نموذج صُمّم منذ البداية لإدارة الحياة تحت الاحتلال لا لقيادة مشروع تحرري. وجاء مقالي حول الانقسام الوظيفي ليحاول تفكيك كيف تحوّل هذا النموذج، عبر الانقسام، إلى بنية استقرار سلبي تحرس حدود الممكن السياسي وتمنع تشكّل مركز وطني جامع، رغم الصعود غير المسبوق في الشرعية الرمزية الفلسطينية بعد الطوفان. ثم جاء مقال الأستاذ يحيى بركات ليضع الإصبع على السؤال الذي يتجنبه الجميع رغم حضوره في كل سطر: من يحمل هذه اللحظة؟ ومن يحوّل الشرعية إلى سياسة؟
هذا التلاقي بين النصوص الثلاثة لا يعكس اتفاقًا شكليًا، بل يكشف عن حاجة فلسطينية عميقة للانتقال من توصيف الأزمة إلى التفكير في شروط الخروج منها. فبعد أن بات واضحًا أن نموذج الحكم الذاتي بلغ سقفه التاريخي، وأن الانقسام لم يعد خللًا عارضًا بل آلية ضبط، لم يعد كافيًا أن نطرح الأسئلة دون أن نقترح أفقًا سياسيًا واقعيًا، حتى لو كان هذا الأفق مفتوحًا على النقاش والتعديل.

ما كشفته لحظة الطوفان، وما تبعها من انفجار أخلاقي عالمي لصالح فلسطين، هو مفارقة قاسية: الفلسطينيون اليوم يمتلكون أعلى رصيد من الشرعية الرمزية منذ عام 1948، لكنهم يفتقرون إلى حامل سياسي قادر على تحويل هذا الرصيد إلى مسار سياسي منظم. غزة بلغت ذروة القوة الرمزية تحت الإبادة، لكنها محاصَرة ومكبّلة سياسيًا. الضفة تمتلك بنية إدارية مستقرة نسبيًا، لكنها بلا شرعية شعبية حقيقية. الشتات يشكّل قوة ضغط عالمية غير مسبوقة، لكنه بلا قناة وطنية تمثيلية. النتيجة ليست غياب الشرعية، بل تشظّيها، وغياب الجهة القادرة على جمعها.

من هنا، يصبح من الضروري التمييز بين ما هو قائم بحكم الضرورة، وما يجب أن يُعاد تأسيسه بحكم المشروع. وجوهر الحل يبدأ من الاعتراف بما لم يعد قابلًا للإنكار: السلطة الفلسطينية، كما تشكّلت وتعمل، لا يمكن أن تكون حاملًا سياسيًا للتحرر، لكنها في الوقت نفسه باتت جزءًا من شروط البقاء اليومية لمجتمع مُنهك. التعامل مع هذه المفارقة لا يكون بإسقاط السلطة ولا بإعادة تدويرها سياسيًا، بل بنزع السياسة عنها صراحة. أي تحويلها إلى سلطة خدمات وإدارة مدنية محدودة الوظيفة، بلا ادعاء تمثيل وطني ولا احتكار للقرار السياسي ولا دور «قيادي» في الصراع. سلطة تُدار بوصفها جهازًا تقنيًا لتسيير شؤون الناس تحت الاحتلال، لا بوصفها التعبير الأعلى عن الإرادة الوطنية.

هذا ليس تنازلًا عن السياسة، بل تحريرٌ لها. فحين تُنزع السياسة من السلطة، يُفتح المجال لإعادتها إلى مكانها الطبيعي: منظمة التحرير الفلسطينية، بعد إعادة بنائها لا ترميمها. إعادة بناء المنظمة تعني إعادة تعريفها كإطار تحرري جامع، لا كظلّ بيروقراطي للسلطة، ولا كمرجعية رمزية بلا أدوات. وهذا يقتضي إعادة فتح سؤال التمثيل من جذوره، وبناء صيغة انتقالية واقعية تعيد وصل الداخل بالشتات، والقيادة بالمجتمع، بعيدًا عن أوهام الحلول السريعة أو الانتخابات الشكلية داخل سقف النموذج نفسه.
في هذا الإطار، تُعاد صياغة المقاومة بوصفها جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة تُقرّ داخل المنظمة، لا عبئًا أمنيًا على السلطة ولا مشروعًا محاصرًا داخل جغرافيا بعينها. مقاومة متعددة الأدوات، تستثمر الشرعية العالمية، وتربط الفعل الميداني بالفعل السياسي والقانوني والاقتصادي، بدل أن تُترك كل ساحة لتعمل بمعزل عن الأخرى.
ويبرز هنا اعتراض يُتداول أحيانًا بوصفه عقدة مستعصية: كيف يمكن بناء إطار تمثيلي جامع في ظل تباينات سياسية عميقة، وبرامج لا تتطابق مع الصيغة السياسية التي استقرّت عليها المنظمة خلال العقود الأخيرة؟ هذا الاعتراض، رغم وجاهته الظاهرية، يفترض أن البرنامج القائم ما زال يمثل مرجعية تحررية مكتملة يُطلب من الآخرين الالتحاق بها. في الواقع، البرنامج الذي يُستخدم اليوم كشرط اصطفاف لم يعد برنامج حركة تحرر وطني، بل تعبيرًا عن مرحلة سياسية محددة جرى تثبيتها داخل منطق الحكم الذاتي وإدارة الصراع لا حسمه. إعادة بناء منظمة التحرير، كما تُطرح هنا، لا تعني توسيع عضوية إطار قائم بشروطه القديمة، بل إعادة تعريف الإطار نفسه بوصفه ساحة جامعة تُدار داخلها الخلافات السياسية للشعب الفلسطيني، لا أداة لإقصاء مكوّناته الأساسية. حركة تحرر وطني لا تُبنى على توحيد البرامج التفصيلية أو فرض رؤى مسبقة للحل، بل على الاتفاق على سقف تحرري جامع: حق تقرير المصير، وحدة الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، ورفض شرعنة الاستعمار. ما دون ذلك يُناقش ويُدار داخل الإطار التمثيلي، لا خارجه. بهذا المعنى، تتحول المنظمة من جهاز ضبط سياسي إلى حقل صراع ديمقراطي منظّم، وتنتقل الشرعية من منطق الاشتراط والإقصاء إلى منطق الاحتواء وإدارة التعدد.

في هذا الإطار، تُعاد صياغة المقاومة بوصفها جزءًا من استراتيجية وطنية شاملة تُقرّ داخل المنظمة، لا عبئًا أمنيًا على السلطة ولا مشروعًا محاصرًا داخل جغرافيا بعينها. مقاومة متعددة الأدوات، تستثمر الشرعية العالمية، وتربط الفعل الميداني بالفعل السياسي والقانوني والاقتصادي، بدل أن تُترك كل ساحة لتعمل بمعزل عن الأخرى.

أما الشتات، فلا يعود مجرد مصدر تعاطف أو ضغط أخلاقي، بل يُستعاد كقوة سياسية فاعلة في القرار الوطني، من خلال تمثيل حقيقي داخل منظمة التحرير المعاد بناؤها. وحدها بنية تمثيلية جامعة قادرة على تحويل التضامن العالمي من موجة وجدانية إلى نفوذ سياسي مستدام.

قد يبدو هذا الطرح صعب التحقيق في ظل موازين القوى الراهنة، لكنه في الواقع أكثر واقعية من استمرار الدوران في الحلقة المغلقة نفسها. فهو لا يدعو إلى قطيعة انتحارية، ولا إلى إصلاحات تجميلية، بل إلى إعادة توزيع الوظائف داخل الحقل السياسي الفلسطيني: سلطة بلا سياسة، منظمة بلا تبعية، ومجتمع يستعيد موقعه بوصفه مصدر الشرعية لا مجرد متلقٍّ للقرارات.

وقد يُقال إن هذا الطرح يبدو نظريًا أكثر مما يحتمل واقع القوة القائم، أو أنه يفترض قابلية سياسية لنزع السياسة عن السلطة وإعادة بناء منظمة التحرير في ظل شبكة مصالح متجذّرة، وموازين إقليمية خانقة، ومجتمع منهك. هذا الاعتراض مشروع، لكنه يفترض أن التحول السياسي فعل قرار لحظي، لا مسارًا تراكميًا. ما يُقترح هنا ليس انقلابًا على الواقع، ولا تفجيرًا للبنية القائمة، بل إعادة توزيع تدريجية للوظائف والشرعيات، تبدأ بنزع الادعاء التمثيلي عن السلطة قبل نزع وجودها، وبإعادة الاعتبار السياسي لمنظمة التحرير بوصفها إطارًا تحرريًا لا جهازًا إداريًا. هذا المسار لا ينتظر توافقًا فصائليًا كاملًا، ولا يقوم على رهانات بطولية، بل يتقدّم عبر ضغط مجتمعي متراكم من الداخل والشتات، يعيد تعريف المقبول سياسيًا، ويحوّل إعادة بناء التمثيل من مطلب نخبوي إلى ضرورة وطنية. في هذا المعنى، لا يُطرح الحل كقفزة في المجهول، بل كخروج محسوب من وهم الاستمرار، يوازن بين حماية شروط الحياة اليومية، وفتح أفق تحرري لا يمكن للنموذج القائم أن يحمله مهما طال عمره.

هذا المقال لا يقدّم وصفة نهائية، ولا يدّعي امتلاك الإجابة الكاملة. لكنه محاولة لالتقاط لحظة فكرية نادرة، تجرأ فيها كتّاب وباحثون وناشطون على الاشتباك العلني مع الأسئلة المؤجلة، وعلى كسر التوافق الصامت حول ما لم يعد قابلًا للاستمرار. فإذا كانت هذه اللحظة قد فتحت باب السؤال، فإن التحدي الحقيقي الآن هو تحويل هذا الاشتباك الفكري إلى مسار سياسي تراكمي، يضع فلسطين، للمرة الأولى منذ عقود، على طريق تأسيس جديد لا على حافة ذروة رمزية أخرى سرعان ما تُستهلك.



بقلم خالد عطية
15-12-2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...