خالد صالح عطية - فاطمة كورتش: من البوسنة إلى فلسطين، سيرة الضمير الحي

فاطمة كورتش ليست اسماً عابراً في سجلّ الناجين، بل ذاكرة تمشي على قدمين، وضميراً قرر ألا يتقاعد.
هي ابنة البوسنة التي خرجت من رحم الإبادة لا لتنجو فحسب، بل لتشهد. ومن ينجو من الإبادة لا يعود إنساناً عادياً؛ يعود كائناً مثقلاً بالأسئلة، حادّ الحساسية تجاه الظلم، كأن العدالة أصبحت عضواً داخلياً لا يمكن استئصاله.
فاطمة تعرف الفقد لا بوصفه فكرة، بل كفراغ حقيقي في الأرواح والبيوت والقبور. تعرف كيف تُصاغ الأكاذيب الكبرى، وكيف تُدار المجازر بخطابٍ بارد، وكيف يُطلب من الضحية لاحقاً أن تكون “محايدة”. لذلك، حين رأت فلسطين، لم ترَ خبراً عابراً ولا نزاعاً سياسياً، بل رأت صورتها القديمة، رأت البوسنة وهي تُترك وحيدة، رأت الإنسان يُجرّد من إنسانيته باسم سردية أقوى.
هي بوسنية المولد، نعم، لكنها فلسطينية الموقف حتى النخاع.
والانتماء هنا ليس جغرافيا ولا هوية ورقية، بل انحياز أخلاقي. فلسطين بالنسبة لها ليست قضية، بل اختبار دائم للضمير الإنساني: هل ما زلنا قادرين على تسمية الظلم باسمه؟ هل ما زلنا نملك شجاعة الوقوف في صف المقهور عندما يكون ثمن ذلك باهظاً؟
في لوكسمبورغ، وفي شوارع أوروبا، وفي فضاء السوشيال ميديا، كانت فاطمة في المقدمة. لا لأنها تبحث عن دور، بل لأن الصمت بالنسبة لمن نجا من الإبادة شكلٌ آخر من الخيانة. كانت تصرخ لا بصوتٍ مستعار، بل من عمق تجربة محفورة في الجسد. كانت تعرف أن الألم حين لا يُترجم إلى موقف، يتحول إلى عبءٍ عقيم.
وحين انقلب الزمن، وصار الدفاع عن الحق الفلسطيني يُوسَم بمعاداة السامية، خسرت فاطمة عملها.




يا للمفارقة القاسية:
ناجية من الإبادة تُعاقَب لأنها تقف ضد الإبادة.
امرأة تعرف معنى السلام الحقيقي تُحارَب لأنها ترفض سلام القبور.
هنا لا نتحدث عن وظيفة ضاعت، بل عن معركة أخلاقية كاملة. عن محاولة لإعادة تعريف الإنسان: إما أن يكون مطيعاً للسردية المهيمنة، أو يُقصى ويُجرَّد من لقمة عيشه. هذه ليست أزمة فاطمة وحدها، بل أزمة عصرٍ كامل يختبر حدود شجاعة البشر.
فاطمة لم تخسر شيئاً جوهرياً.
خسرت وظيفة، نعم، لكنها احتفظت بنفسها.
احتفظت بتلك المنطقة الصلبة في الروح التي ترفض التواطؤ.
احتفظت بإنسانيتها في زمن صار فيه أن تكون إنساناً فعلاً استثنائياً.
من غزة، من فلسطين الجريحة، من كل إنسان ما زال يؤمن أن الحقوق لا تتجزأ، وأن الإبادة لا تتبدل بتبدل الضحية، نرفع التحية لكِ يا فاطمة.
تحية لامرأة فهمت مبكراً أن العدالة لا جنسية لها، وأن الوقوف مع المظلوم ليس موقفاً سياسياً، بل تعريفاً للإنسان نفسه.
نعم، أن تكون إنساناً في زمن الهيمنة شيء عظيم.
وأنتِ، يا فاطمة، اخترتِ العظمة الصعبة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...