عبدالرحيم التدلاوي - روافد القصة القصيرة جدا قراءة في أربع مجموعات مغربية*

تصدير:
يقول أمبرتو إيكو: إن وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت الفرصة للحمقى ممن كانوا يهذرون في البارات ولا يسيئون للمجتمع، ويمكن إسكاتهم إذا تمادوا، أما في وسائل التواصل الاجتماعي فقد بات لهم الحق في الكلام شأنهم شأن الحاصل على جائزة نوبل، إنه غزو البلهاء.
"من الواضح أن هذه الظاهرة ستستمر، وسنقرأ المزيد والمزيد من الكتابات التافهة التي تندرج تحت مسمى (القصة القصيرة جدًا) ولكن المؤكد أننا سنكتشف تجارب جديدة ومهمة تضيف إلى هذا الفن، وتبدع فيه."*

على سبيل التقديم:
يتغذى نهر القصة القصيرة جدا من روافد عدة، فيتدفق ماؤه جاريا غير عابئ بالشوائب التي تغمره، فأمواجه الصافية حارسة نبهة تطردها بعيدا، وتطرحها في الخارج، وتلك الروافد ليست سوى أقلام مبدعين يمتلكون أدوات الكتابة، ويتشربون قواعد الفعل الإبداعي، ويتميزون بخصوبة الخيال، وبحس المغامرة، فتأتي نصوصهم مدهشة، قادرة على تحريك بركة القراءة، إذ، تستحث القارئ على التفاعل الخصب مع المنتوج المبهر، ليسعى من خلاله إلى القبض على المعنى المتمنع، ويدرك معمار النصوص التي هي أمامه، بيد أنه لابد من الإشارة إلى أن المبدع الجدير بهذا التوصيف، لا ينجح دوما في صنع الدهشة، فأعماله ليست على وتيرة واحدة من القوة والنضج، ثم إن كثرة المقبلين على كتابة القص الوجيز لا تضر بنهر الإبداع، لكنها تشوش على مجراه لفترة، كما أن من يعتقدون أنهم بتشربهم قواعد هذا النوع الأدبي يمكنهم كتابته، واهمون ضالون، إذ إذا لم تتوفر لديهم الموهبة، وحس المغامرة، والخيال المجنح، وإشراقة اللغة، لن تكون نصوصهم سوى تمارين كتابية، تتميز بالضحالة والسطحية والتكرار، لا روح فيها، باهتة لا أثر فيها لأي توهج؛ وقد تدفع الجرأة ببعضهم إلى نهج سياسة التقليد والسطو، مع تغيير ملامح الجريمة، لكن آثارهم المدمرة تبقى شاخصة لكل ذي بصيرة، ولا يمكن أن تنفعهم سياسة التحايل، إذ كثيرة هي الأسماء التي رامت المغامرة، وخاضت في نهر القص الوجيز لتجد نفسها تغرق، وتصير نسيا منسيا.
ثم، من الواجب على المبدع عدم الالتفات إلى وصايا النقاد أو زملاء الكتابة إلا من أجل الاستئناس، فلكل مبدع بصمته الخاصة التي عليه أن يضعها، فلو أن كبار الكتاب التزموا بالسير على نصائح من قبلهم لما ظهرت موهبة عظيمة.


القصة القصيرة جدا: خصائص ومميزات

"والقصة القصيرة جدا جنسٌ أدبيٌّ حديثٌ، يمتازُ بقصرِ الحجمِ، والإيحاءِ المكثَّفِ، والَّنزعةِ القَصصيةِ الموجزةِ، والمقصديةِ الرمزيةِ المباشرةِ وغيرِ المباشرةِ، فضلاً عن خاصيَّةِ التَلميحِ والاقتضابِ والتَّجريبِ والحَذفِ والاختزالِ والإضمارِ. كما يَتميَّزُ هذا الخطابُ الفنيُ الجديدُ بالتَّصوير البِلاغيِّ الّذي يَتجاوزُ السردَ المباشرَ إلى ما هو بيانيٌّ ومجازيٌّ ضمنَ بلاغةِ الانزياحِ والخَرقِ الجَماليِّ."**
كما في هذا النص:
"لصوص
استيقظت مبكرا، سرقوا الحلم مني." (أساطير قصصية، ص49)
فرغم أن النص من سطر واحد، فهو يتكون من جملتين فعليتين فقط؛ في الأولى: استيقظت، وسرقوا. مع الإشارة إلى أن النص يستضمر مقولة مشهورة، ألا وهي: "لفياق بكري، بالدهب مشري"، والحلم المسروق هنا هو بمثابة الذهب المنشود.
وهكذا تعد الـ(ق.ق.ج) نصا سرديا حديثا تجريبيا معاصرا يمتاز بقصر الحجم مع تكامل المنظومة القصصية والإيحاء والرمز واللغة الشعرية، فضلا عن خاصية التلميح والجمل التصويرية والتوتر والتأزم بالمواقف والأحداث، علاوة على سمات الحذف والإضمار...
وقد قادتنا عملية الإحصاء إلى استنتاج أن المتن المدروس انضبط لهذا المسألة، إذ سيج نصوصه في حدود ثلثي الصفحة، بمعنى أن نصوصه قد انحصرت بين النص ذي السطر الواحد، والنص الذي يشغل ثلثي الصفحة، بحيث يبلغ خمسة عشر سطرا.
وفي ما يلي نتائج ذلك الإحصاء، حسب أسطر النصوص، مع الإشارة إلى أن المجموعات مرتبة كما يلي:
"ومضات"، تليها "رسومك حيطاني"، فـ"همسات الروح"، ثم "أساطير قصصية":
سطر واحد: 00_ 00_ 00_ 07 نصوص.
سطران: نصان (02)._ 00_ ستة (06) نصوص._ أربعون (40) نصا.
ثلاثة أسطر: خمسة (05) نصوص._ نص واحد (01)._ خمسة عشر (15) نصا._ سبع وثلاثون (37) نصا.
أربعة أسطر: ثلاثة عشر نصا._ ثلاثة نصوص._ ستة عشر نصا._ ثلاثة عشر نصا.
خمسة أسطر: ستة عشر (16) نصا._ أربعة (04) نصوص._ ثلاثون (30) نصا._ ثلاثة (03) نصوص.
ستة أسطر: تسعة عشر (19) نصا._ اثنا عشر (12) نصا._ عشرة (10) نصوص._ نص واحد (01).
سبعة أسطر: أربعة عشر نصا._ سبعة نصوص._ ثلاثة نصوص._ نصان.
ثمانية أسطر: ثمانية (08) نصوص._ أربعة عشر (14) نصا._ نصان (02)._ نص واحد (01).
تسعة أسطر: ستة (06)نصوص._ أربعة عشر (14) نصا._ 00_ نص واحد (01).
عشرة أسطر: أربعة (04) نصوص._ سبعة (07) نصوص._ 00_ 00
أحد عشر سطرا: (02) نصان._ خمسة (05) نصوص._ 00_ 00
اثنا عشر سطرا: 00._ ستة (06) نصوص._ 00_ 00
ثلاثة عشر سطرا: 00._ ثلاثة (03) نصوص._ 00_ 00
أربعة عشر سطرا: 00._ 00._ 00_ 00
خمسة عشر سطرا: 00._ (01) نص واحد._ 00_ 00.
أشير إلى أن المجموعات الثلاث الأولى اعتمدت في صورتها البصرية على تشكيل قصيدة النثر، بخلاف مجموعة "أساطير قصصية" التي اعتمدت نظام الفقرات، باستثناء نص واحد، جاء على صورة قصيدة النثر.
وإذا كان عدد صفحات المجموعات الثلاث الأولى يتراوح بين 87 و91 صفحة، فإن عدد صفحات "أساطير قصصية" بلغ 67 صفحة.
لكن الملاحظ، أن عدد نصوص المجموعة الأخيرة كان أكثر عددا من نصوص المجموعات الأخر. وهكذا جاء العدد كما يلي:
"أساطير قصصية": 105 نصا.
"ومضات": 89 نصا.
"همسات الروح": 82 نصا.
"رسومك حيطاني": 77 نصا.
والسبب الذي جعل "أساطير قصصية" تضم كل هذا العدد من النصوص، رغم صغر حجمها هو أنها، وخلاف باقي المجموعات، اعتمدت نشر نصين في كل صفحة، باستثناء الصفحة 84 من مجموعة "ومضات" التي نشر فيها نصان اثنان.
"همسات الروح" و"أساطير قصصية": نصوص مقصوصة الجناج

المجموعتان اعتمدتا تقنية التكثيف لدرجة صارت معها بعض النصوص سجينة، غير قادرة على التحليق؛ فاللعب في رقعة ضيقة يتطلب مهارات استثنائية، وقد لا تسلم الجرة في كل نص، مما يجعل القصص على غير قلب واحد، فالقالب الضيق يخنق النص، وللتخلص من ذلك لابد من اعتماد إستراتيجية تنقذه من الضيق، كالإضمار، والحذف الدلالي، وغيرهما، لكن ذلك لا يسمح بالتحليق السليم دوما، إذا كان التوظيف مفتعلا، لا ينسجم وبناء النص، ما يجعل النصوص كخطوط اليد، قوة وضعفا، ليصدق فيها قول نص ب"همسات الروح" بعنوان "حمامة" ص 46:
شكلها كهيئة طير...
ولئلا تسبح في سماوات غير سمائه، قص جناحيها وشرع لها الأبواب...
فبعض النصوص افتقدت بشكل ما توهجها لأن القاص لم يسمح لها بالتحليق، وكانت قادرة عليه لو لم يتم قص أجنحتها، فقد ظلت تعاني من سلبيتها بفعل القص غير المحمود، ولو مكنت من جناحيها لحلقت عاليا، ولحققت الدهشة المرجوة، هذه الدهشة التي ظلت ضمن الممكن، لا المتحقق. لنضرب أمثلة على ذلك:
نص "معاصرة" من مجموعة "همسات الروح"، يقول السارد:
"أغرته قصيدة الومضة..
أمتعته قصة الومضة..
فتجول باحثا عن زوجة ومضة.." ص47
قد يقول قائل: إن القفلة حققت الإدهاش، وجنبت النص التقريرية، فضلا عن التكرار، وحضور الفعل المحقق للحركية، لكنني لا أرى سوى حركة عادية تكاد تشبه نكتة باردة، فعشقه لكل سريع سيقوده إلى البحث عن زوجة مشابهة، والسارد يبغي من وراء النص السخرية من كل من استسهل هذا الفن الوليد، لكن نصه سقط في المحظور.
والشأن نفسه بالنسبة لنص آخر من المجموعة ذاتها، بعنوان: "إعراب" يقول السارد:
"سألها
ما محلي من الإعراب عندك؟
رفع.. نصب.. جر..؟
كتبت على اللوح:
"لا محل لك من الإعراب." ص15.
فالنص شبيه بجملة ذات سؤال وجواب، رغم الاختيارات المبثوثة بين حنايا النص والمباعدة بين أطراف الفعلين. فضلا عن أن العنوان جاء فاضحا.
ويصدق الأمر نفسه على نص "شاعر" من مجموعة "أساطير قصصية"، يقول السارد:
"بنى ألف بيت.. عاش حياته بلا مأوى" ص 15
فقد تطرق النص لموضوع مستهلك، قيل فيه الشيء نفسه؛ أقصد: بناء شاعر بيتا، وبقاؤه بلا مسكن. فالمفارقة بقيت باهتة، لم تحقق الدهشة، وخوض مغامرة التطرق لموضوع مستهلك تتطلب قدرة على اختراقه، والقبض على ما لم تبصره العيون السابقة، وتدونه.
كما أن نص "ثروة" ص10 من المجموعة ذاتها، لم يحقق الدهشة بفعل تكرار الموضوع نفسه من دون جديد، الحرارة تذيب الثلج؛ وقد تناول مبدعون مثل هذا قبلا.

وهكذا، فبفعل التضييق الشديد، لم تستطع تلك النصوص التحليق لتتمكن من تحقيق دهشة التلقي، فجاءت باردة، تمنح نفسها بسهولة للقارئ.
على خلاف:
1_ مجموعة "رسومك حيطاني" التي ترفع سقف التلقي عاليا، بحيث يتطلب التفاعل معها زادا ثقافيا كبيرا، وخلفية معرفية عميقة، فنصوصها لا تمنح نفسها بسهولة؛ إذ تتطلب قراءات عدة، ولا تفتح أسرارها للقارئ المتعجل، وتبلغ بعض نصوصها حد الاستغلاق، ما يدعو إلى فتح باب التأويل على مصراعيه، وهو ما ليس بمكنة (كثيرين، مما يضيق دائرة المتلقين لها.
2_ وعلى خلاف مجموعة "ومضات" التي تغري القارئ بالإقبال عليها والاستمتاع بنصوصها، تلك النصوص الدسمة التي تشعر قارئها بالقبض على ما يحب، ولا تمانع في تقديم وجباتها له من دون تأب، علما أنها تمتلك عمقا بينا، فمثلا، النص الأخير، والذي يحمل عنوان: "حرص" ص88، فرغم قصره، تمكن بفضل مفارقته الخروج من المباشرة ليحقق لنفسه جمالية خاصة، إذ الطباق الحاصل بين الإيقاظ والتنويم، لعب دورا في صعود النص إلى تعدد التلقي، وحققت المفارقة الدهشة المطلوبة، كما تحقق اللقاء السعيد بينه وبين القارئ/ المتلقي.
طبعا، لم يكن هدفنا عقد مقارنة تفاضلية بين المجموعات، فلكل واحدة منها بصمتها الخاصة، وحضورها في إرفاد نهر القصة القصيرة جدا، بيد أن الغرض كان إثبات أن خضوع الكتابة لقواعد القص الوجيز لا تقود بالضرورة إلى تقديم نصوص مدهشة، قادرة على التأثير في القارئ، ورجه رجا، ما يفرض على المبدع الحرص على تقديم نصوصه بأنفاس جديدة، ورؤية مختلفة، إذا كان يروم معالجة موضوع سبق طرقه، نصوص يجب أن تتسم بقدرتها المدهشة على إحداث أثر يبقى حاضرا في المتلقي حتى حين يفرغ من قراءتها.
البعد البصري، الكالغرافي في المتن:
ما سأسعى إلى مقاربته في هذا الحيز، هو جانب تمدد النص على صفحة الورقة البيضاء، في ما يشبه العناق السعيد بين الدال و المدلول، واندغامهما في وحدة تفتح النص على عوالم دلالية متعددة.
فالملاحظ أن النصوص اتخذت أشكالا عدة في حوارها مع بياض الصفحات، بين الضمور والبروز، والتقلص والتمطيط، فكان حوارا يبغي فرض تصورات دلالية، من خلال بعد البناء والتشكيل. فأتت النصوص رشيقة تكاد تفقد حضورها في حضرة سطوة البياض الذي يفغر فاه وكأنه يسعى إلى التهامها، وأخرى تسعى إلى أن تبرز حضورها بخلق مساحة سواد في حضرة البياض، تريد أن تفرض وجودها، وتتغلب على لغة الصمت، وثالثة، تتمدد طولا وعرضا، عارضة نفسها بقوة، لافتة الانتباه إليها، وإلى ما تحمله في طياتها من خصوبة، وبهذا فهي تتكلم رافضة سلطة الصمت، مدركة أن الكلام، وإن كان فضة، فهو قادر على إنتاج الدلالات.
وهكذا، فبسط النصوص لم يكن اعتباطيا، بل تقف خلفه دوافع جمالية وفنية ودلالية.
فبخصوص النصوص ذات السطر الواحد، والسطرين، هي تشبه قنابل موقوتة في أرض فسيحة، تتخفى بقوتها لتنذر من يمر فوقها بقدرتها على إحداث الزلزلة، إنها مكتنزة رغم قصرها، فتجويع لفظها كان بفعل توسع دائرة المعنى، لقد قالت بقليل كثيرا.
وتجدر الإشارة إلى أن القاصين: بنساعود وفري تفننا في عرض نصوصهما، معتبرين مخاطبة العين من العناصر ذات الأولوية، فحاسة البصر هي أول مستقبل للنص، وهي المعبر لمخاطبة العقل والفؤاد. ويمكن لأي ملاحظ أن يدرك مدى أناقة العرض، وجمال تشكيل النصوص على الصفحات. لقد بدا كل نص بصورته الخاصة، معبرا عن تفرده، ومشيرا إلى بصمته المختلفة التي تميزه عن بقية النصوص، سواء تلك التي تشترك معه في المكان، أم تلك التي تنتمي لخيمة أخرى بعيدة عنه.
هكذا، نصل إلى أنواع من طرق بسط النصوص:
فهناك:
1_ الفضاء السطري، حيث يتكون النص القصصي من سطر واحد.. تشغله جملة أو جملتان كما في نص "لصوص" من مجموعة القاص حسن لختام، يقول فيه:
"استيقظت مبكرا، سرقوا الحلم مني." ص 49
ويقول في نص آخر من المجموعة ذاتها بعنوان: "قدر":
"في صغره، رضع الريح..كبر، صار عاصفة." ص 8
2_ الفضاء السردي الذي يتعدى فيه النص سطرا، حيث يطول السرد نسبيا، كما في النصوص التالية:
* "عبادة" من مجموعة "أساطير قصصية":
اختلى بنفسه، فسمع صوتا داخليا يهتف:
_ "يا الله، أنا عبدك الضعيف!"
حين رفع بصره، لمح ملاك الكون يجثو راكعا على ركبتيه! ص 30
*_ "حادث" من مجموعة "همسات الروح":
تدلت رجلاها من نافذة الطابق الخامس...
تصايحت نسوة..
فغر أطفال أفواههم..
وانشغل البعض بالتقاط صورة انتحار مباشر..
قبل الاصطدام المميت، سحبها حبل الإشهار لتعيد المشهد.. ص؟؟؟
*_ "نُرَيْجِسَة" من مجموعة "ومضات":
عندما تمايلت وريدة النرجس بدلال وغنج
لم تنتبه إلى ظل غشيها
ولم تشعر بشجرة سرو باسقة
تسامقت خلفها
تظللها في صمت
وتقيها حر الهجير ص27
وقد وظف القاص التصغير للتعبير عن غرور؟؟؟
*_ "ظلال" من مجموعة "رسومك حيطاني":
مساء، أرسم على وسادتي وجها جديدا،
يبحر في تفاصيلي، ينتشي لنشوتي،
هي النشوة نفسها التي كنت أشعر بها حين أرسم وجهي:
رسمتني شابا أنيقا، ها أنذا أرسمني عجوزا اعتزل الحياة.
تتدهور صحتك،
تموت لأحيا. ص 43
3_ الفضاء الشعري {فضاء قصيدة النثر} حيث يأخذ النص القصصي شكل قصيدة النثر، والذي تتجاذب فيه الأسطر طولا وقصرا... كما في:
*_ "اختناق" ص55 من مجموعة "رسومك حيطاني":
كانت الغيوم تجثم على صدري،
ظهرت امرأة تهرول، تطلب النجدة،
اقتربت،
ثيابها ممزقة،
يداها مخضبتان...
مددت لها يدي،
خلعت لي ضلعا،
ربما ضلعين...
تنفست ملء جفوني.
*_ "قلم أحمر" من مجموعة "ومضات":
اقتنى قلما حادا
وصباغة حمراء
ثم
شرع في تلوين الحروف .. وتمزيق الصفحات..
في لحظة متأخرة
انتبه إلى يديه ... فوجدهما مضرجتين دما ص 35
والمثير للانتباه أن هذا النص خلا من علامات الترقيم باستثناء نقط الحذف، ما منحه انسيابية، وتدفقا للأحداث، وتسارعها باتجاه المخرج المدهش، إذ إن انتباه الكاتب يوازيه انتباه المتلقي، ليتعانقا بحرارة الاندهاش، فهما معا لم يتوقعا الحدث، ولم يخطر ببالهما، بالرغم من وجود مؤشرات داخل نصية توحي بالنتيجة، من مثل: قلم حاد، وصباغة حمراء، والتمزيق...
*_ "غارقة" من مجموعة "همسات الروح":
رأت فيه بحرها المنشود..
ضربت بعصا لحظها يمه..
انفلق..
وحين اتخذت لها بين فلقتيه سبيلا، ارتدت ذراعاه، فغرقت في يم
عناقه.. ص 45
*_ "قرابة" من مجموعة "أساطير قصصية":
قال مشيرا بسبابته والغضب يتطاير من عينيه:
" عذرا يا أخي"، ثم هوى بكل ما أوتي من قوة بصخرة
الزمن على رأس هابيل، حتى اصطبغت الكرة الأرضية
بالدم. ص 60
3_ الفضاء المشهدي الحواري: والمقصود به، ذلك النص المعتمد على الحوار والمشهد الدرامي، والذي نلتمس فيه نوعا من المسرحة؛ وقد وظف هذا الجانب بكثرة القاص حسن لختام، بخلاف باقي زملائه الذين وظفوه بتقتير. ومن أمثلة ذلك:
*_ "معراج" من مجموعة "أساطير قصصية":
سأله إلى أين؟
أجاب "أسير صاعدا نحو الله"
_ كيف؟ سأل مندهشا.
_ ألم تقل أنه بفعل الخير نرتقي الدرجات؟" ص 60
*_ "فرحة" من مجموعة "همسات الروح":
دموع الفرح بللت معطف الأم..
راح هو يطارد عجلات الدراجة المهداة له..
سألته: ما اسم هذا العيد؟
أجاب: عيد الدراجة.. ص 34
*_ "مقابلة" من مجموعة "ومضات":
في مقابلة انتقائية
سأل المرشحة اللعوب
_ ما اسمك يا حسناء؟
_ دلال اللولبية
أجابته متغنجة
_ مبروك الوظيفة..
المسؤول بلهفة (كذا) ص 53
*_ "طريق" من مجموعة "رسومك حيطاني":
قلت: أرافقك؟
ردت: طريقي صعب، علي أن أمضي فيه وحدي...
ألححت.
حين قبلت، سألتني:
_ أي نوع من الزهور تحب أن أضع على قبرك، سيدي؟
باسما، قلت:
_ ضعي النوع الذي تجود به حديقتك سيدتي!
قطفت باقة مخاوف وشكوك... ص 45
وتجدر الإشارة إلى أن هذا النص يتمثل الحوار الذي كان بين سيدنا موسى والخضر عليه السلام.
4_ الفضاء الذري {التشظية/ التفتيت}: وهو النص الذي تم فيه توظيف بعض الكلمات وهي مفككة إلى حروف، وأصوات...ومن أمثلة ذلك:
*_ "حياة" من مجموعة "أساطير قصصية":
صوب فوهة بندقيته نحو عصفور يغرد..
طلقة غادرة.. يسقط العصفور مضرجا في دمائه..
كان صوته العذب لازال يردد:
"الحياة
ج
م
ي
ل
ة. ص 44
والبين أن هذا الملمح يغيب في باقي المجموعات، وكأنها لم تهتم به لأنه لا يخدم أغراضها الفنية والدلالية، لكن مجموعة "ومضات" استعاضت عنه بتقنية أخرى، تتجلى في عملية تمديد الصوت مع حذف نصف الكلمة لكونها تخدش الحياء، كما في نص "شكوى":
بصوته الأجش اشتكى محتجا:
_ والله مظلوم .. يحتقرني الجميع .. يهمشني المجتمع
بالرصيف الآخر مرت فتاة
صرخ نحوها شاتما:
_ واااااالقح...
ثم التفت مستأنفا شكواه ص 79
*_ "ذاكرة" من مجموعة "رسومك حيطاني":
حيث وردت الكلمة الممطوطة في السطر ما قبل الأخير:
" لا تخف"، قالت له،
"لن ألوث يدي بروحك،
أنا في انتظااارك"...
ولى الأدبار... ص 52

وتجدر الإشارة إلى أن هناك أشكال أخرى في عملية بسط النص على مساحة البياض، منها:
الفضاء المتقطع أو المقطعي: ويتجلى في النصوص المعتمدة على أسلوب التقطيع الذي هو بنية من بنى الأسلوبية، إذ إن النص القصصي يأتي مكونا من أكثر من مقطع واحد، ويفصل بين مقطع وآخر رقم أو علامة {خظ_ عارضة_ نجمة_ نقطة_ فراغ وبياض...} أو عنوان... ومن أمثلته:
*_ التقطيع بالنجمة:
كما في نص "قرار" من مجموعة "رسومك حيطاني":
مشاكله لازالت عالقة...
يغتسل،
يحس أن الأدران لم تغادر جسده...
** ** **
لا ماء يطهرني،
سأترك هذه الجثة تتحلل... ص 20
وقد أتت تلك النجيمات لتفرق بين مرحلتين، الأولى كانت الذات منسجمة، تدرك آثامها وتسعى إلى طهارتها حتى تشعر بالرضا، وفي الثانية كانت معبرة عن مفارقة الذات، وتحولها جسدين. الفاصل جاء ليعبر عن الرغبة والفشل في تحقيق الهدف وعدم بلوغه. وبذا، يرسم النص حالة من حالات توتر شخصيات النص ككل.
*_ التقطيع بالترقيم، كما في نص "مسار" ص 44 من مجموعة "رسومك حيطاني".
ولأن النص طويل، فقد اكتفيت بالإشارة إلى رقم صفحته، وهو يتشكل من ثلاثة مقاطع.
وتقنية التقطيع، تفردت بها مجموعة "رسومك حيطاني" وتميزت دون بقية المجموعات، مما يؤكد، مرة أخرى، أن الأعمال قد تتقاطع مع غيرها في توظيف تقنيات معينة، وقد تخالفها في أخرى، كما أن لكل نص خصوصيته، وبصمته المميزة.
البعد الشاعري في المتن:
وبما أن القصة القصيرة جدا قد اعتمدت في بناء شكلها الهندسي على قصيدة النثر، فإنها ولا شك قد توفرت على جانب من الإيقاع الداخلي، ووظفته في بنيتها ودلالاتها الفنية، والجمالية، والصوتية. فالإيقاع يعد روحا، يستولي على القاص ضمن حالة مناخية، وهو التوهج الداخلي، إنه حركة باطنية. كما يعد من عناصر التجربة التي ينقلها القاص إلى المتلقي، لكنه، في الحقيقة، ليس عنصرا منفصلا عن العناصر الأخرى، لأنه متغلغل في مكونات البناء السردي جميعا. ويتمثل هذا الإيقاع في التكرار، والعلاقات الصوتية...
هذا البعد الشعري يلاحظ في ثلاث مجموعات، وهي: "رسومك حيطاني"، و"ومضات"، و"همسات الروح"، دون أن يدل ذلك على غيابها في الإضمامة الرابعة، "أساطير قصصية"؛ لأن بعض مقومات الشعر موجودة، لكنها موظفة في غير إسراف، بيد أن المجموعات السابقة جاء فيها الشعر بصريا، أي موظفا البعد الكاليغرافي، ومن خلال الجانب الإيقاع الداخلي، ولربما يعود ذلك إلى أن مبدعيها مارسوا كتابة الشعر، وبالأخص القصيدة النثرية.
لكن، ما الشاعرية؟
يقصد بالشاعرية تلك"الخصائص الأسلوبية التي تحيد بالنثر عن دائرة السرد الواقعي التقليدي القصدي الواضح، المقيد بإكراهات الإحالات المرجعية طبقا لمقتضيات الانعكاس، وتنقله إلى عوالم الصور الطازجة البكر، وخيمياء التشكيل اللغوي.. وومضات الاستعارة، وإشراقات التجليات.."1
ففي نص "فوبيا" من مجموعة "رسومك حيطاني"، يقول السارد:

أخبرني أن شخصا يسيطر عليه:
"صوت داخلي يتحكم فِيَّ، قال،
أتضايق، عندما يبدأ الكلام،
يحادثني، يخاصمني، يدمرني لأتفه الأسباب...
أهزمه تارة، ينتصر على تارات.
لا يريدني أن أتزوج،
أن أخالط الناس أو أرتقي.
لا أرضى بالهزيمة..."
يضحك، حينا، يملأ الدنيا أملا وابتسامات،
وحينا، ينقطع عن الناس،
يقلق، يخسر أصدقاء وخلانا.
أكَّدَ، "أخاف الخروج من البيت،
أرهب الدخول إليه.
فقدت السيطرة على نفسي.
لست مسؤولا عما تتوهمون." ص 24
نلمس العديد من الخصائص الأسلوبية التي منحت هذا النص فرادته ورونقه، وجماله، ومن بينها:
التشكيل البصري، فالنص بسواد حبره المتمدد على بياض الصفحة، يمنحه بعد القصيدة النثرية، حيث الأسطر من جهة، والحوار بين البياض والسواد من جهة أخرى، فمرة يتمدد السواد كنوع من الرغبة في التعبير عن ذاته، كالسارد المتكلم الذي يريدنا أن ننصت له، وأن نعترف بحضوره، هو المريض بداء الفوبيا، أو الخوف الشديد من الناس، من غير مبرر، ومرة يضمر السواد فاسحا المجال لاكتساح البياض كتعبير عن سطوة الصمت، وانهزام الشخص الفاقد للسيطرة على نفسه.
كما أننا نلمس قافية تمنح النص إيقاعا داخليا: ابتسامات، تارات، أرتقي، نفسي...
ثم، هناك التجانس الصوتي الحاضر في الفعلين التاليين: يحادثني ويخاصمني، فهما معا يخضعان للوزن ذاته: يفاعلني، وهذا الوزن يزيد من حدة توتر الشخصية، ويعمق معاناتها.
إضافة إلى الاستعارة البينة في الجملة التالية: يملأ الدنيا أملا وابتسامات، وهي جملة بها عدول، إذ لا تمتلئ الدنيا بالمجرد، إلا مجازا، فضلا عن أنها جملة تضاد التي بعدها، وهي: ينقطع عن الناس، كنوع من التعبير عن تناقضات الشخصية، وتمزقها، فهي تعيش حالة من عدم الاستقرار النفسي، مرة تكون في حال، وأخرى في حال مناقض، إنه العبور غير الإرادي من النقيض إلى النقيض...
كما أن تعدد الأصوات جاء ليضفي بعدا جماليا أخرج النص من مونولوجيته، ليدخله فسيح النص الحواري، وليؤكد حالة التمزق النفسي الذي تشتكي منه الذات المتكلمة.

والمزدوجتان الموجودتان في النص تعبران عن انسحاب السارد وتسليمه زمام الحكي للشخصية، فتملكت زمام القول، ودفة الحديث
وهي في كلامها تتناص مع نص شهير وتنزاح عنه وتعارضه... (الجنة تحت أقدام الأمهات).

وفي نص "بركة" من مجموعة "ومضات"، يقول السارد:
حملوا اللافتات
اعتصموا أمام القبة
التمسوا بركتها
فجأة..
أمطرت السماء
هراوات مختلفة العيار ص 62
ففضلا عن التشكيل البصري الشبيه بقصيدة النثر، والتكثيف، وتسارع الأحداث، بفعل توظيف الأفعال، وكلمة، فجأة، التي تفيد وقوع الحدث سريعا، نعثر على تضادات، منها: حملوا التي تفيد الرفع، وهي حركة تناقض الإمطار غير المنتظر، إضافة إلى المفارقة الناجمة عن التضاد بين المتوقع وغير المتوقع، وهي حركة منحت النص إيقاعا داخليا، وأضفت عليه جمالا، وأخرجته من دائرة الضيق والأحادية إلى فساحة التعدد الدلالي.
وكما في نص "الفتح المبين" من مجموعة "همسات الروح"، يقول السارد:
فتح البقال جبهة التشظي..
فتح التواكل عرين البرلمان..
فتح الطفل جبهة أخيه..
فتحت زوجة المهاجر ساقيها للريح..
وشرع الوطن أبواب الانهيار.. ص 65
فالقارئ سيلاحظ أن النص اعتمد صورة القصيدة، إضافة إلى التكرار الذي يسعى إلى لفت الانتباه، وخلق موسيقى معينة، وتأكيد معنى سيتوضح في القفلة.
فالفتح، هنا، سلبي، لأنه شرع أبواب الوطن للضياع والانهيار.
لقد كان تكرار فعل الفتح إعلانا عن بناء أدراج الهبوط صوب التفسخ، والفساد، وضياع كل القيم الإيجابية.
وبالنسبة لمجموعة "أساطير قصصية"، فبالرغم من أنها لم تعتمد الجانب الكالغرافي في بناء قصصها، إلا أنها وظفت جوانب شعرية غيرها، مثل: الاستعارة، والتشبيه، والتكرار...
فالتكرار نجده في هذا نص: "آية":
فتنه جمالها ونهداها المدوران، فراح يدور ويدور حولها ليل نهار حتى أصابته نوبة دوران. تضامنا، توقفت الأرض عن الدوران. ص 20
لقد كررت كلمة: الدوران مرات، فعلا، ومصدرا: المدوران، يدور ويدور، الدوار، الدوران. إضافة إلى التضاد بين الليل والنهار.
هذه أمثلة قليلة من أخرى كثيرة في مجمل المتن المدروس.


استعارية اللغة وتعدد الإيقاع:

جاءت اللغة في المتن استعارية تعتمد الإيجاز والترميز والإيحاء، والحذف، وبإيقاعات متعددة في عبارات محدودة. كما اعتمدت الحذف والتشذيب والتركيب المقتصد. كما استندت إلى الانزياح بما هو خلخلة للتركيب والمعنى، والخروج عن معايير التفضية البصرية المألوفة، فضلا عن أن القفلات جاءت في أغلبها مدهشة وغير منتظرة، تخيب أفق انتظار المتلقي، بفعل مراوغتها، تشبه في هذا ضربة الجزاء حيث الكرة في جهة والحارس في الجهة الأخرى.

خطاطة النصوص:

من الملاحظ أن بعض المجاميع القصصية، قيد القراءة، جاءت نصوصها وفق ترتيب محدد، ونسق معين، ونقصد به الترسيمة التالية: فعل، ورد فعل، ثم نتيجة، وقد ترتدي أخرى بعض المسوح الزائدة، لكنها لا تؤثر في الخطاطة، إذ بإزالتها تظهر بوضوح لا شك فيه، وقد تأتي بأقل من ذلك، دون أن تخل بالترسيمة المذكورة، إذ قد تكون مختصرة، تقتصر على: فعل ورد فعل فقط. وهذه الخطاطة ترد في كثير من نصوص إضمامتي: ومضات، وأساطير قصصية.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك، قصة "حرص" من مجموعة "ومضات":
في عز الليل
أيقظته الممرضة من نوم عميق
ثم
ناولته قرصا منوما. ص 88
فالنص اعتمد في بنائه على فعلين، الإيقاظ والمناولة، فالإيقاظ يمثل الفعل، والاستجابة هي رد الفعل، أما المناولة فكانت النتيجة. وقد عبر السارد من وراء ذلك عن سخريته من ممارسة الممرضة، إذ أن ما ترومه، بغض النظر عن هدفها، متحقق أصلا.
والأمر نفسه في نص "رد فعل" من المجموعة نفسها:

تطلع إلى القمر
خاطبه متوددا
عندما أشاح عنه دون رد
شتم كل النجوم المحيطة به. ص 15

نجد في العنوان ما يؤكد الطرح، فردة فعل الناظر كانت بفعل التجاهل.
فهناك فعل، وهو التودد، ورد فعل، وهو التجاهل، أما النتيجة، فكانت هي الشتم.
أما في مجموعة "همسات الروح" فتحضر في نص "ميزان" على سبيل المثال:
جاعوا...
من برجه رماهم بالفتات فصيروه إلها...
انبطحوا... قابلهم بالإهمال...
وحين حلقت طيور الموت حول مضارب الرافضين، تخفف من نياشينه ورحل... ص 59
فقد اعتمد النص مرتين بنية الفعل ورد الفعل، مع نتيجة تجمع بينهما، بمعنى، أن الترسيمة جاءت مضاعفة بنتيجة واحدة تجمع بينهما.
فالجوع كفعل قاد إلى رد فعل، هو رمي الفتات لإسكات جوع الجوعى، كنوع من امتصاص الغضب.
والانبطاح المتولد كنتيجة، قابله الإهمال.
أما السطر الأخير، فكان نتيجة العنصرين السالفين، وهو نتيجة غير متوقعة بالنسبة للحاكم فلم تنفع سياسته في بقائه.
أما في مجموعة "رسومك حيطاني"، فنجد هذه الخطاطة ماثلة في نص "احتفاء" ص10:
يتمثل الفعل في: النزع، والدهن، والإدخال، فالأفعال جميعها كانت معبرة عن فعل أتى به فاعل مجهول.
أما رد الفعل، فيكمن في: الانقضاض، والإيقاظ.
فيما تحضر النتيجة في الآتي: الصراخ، كنوع من الاحتجاج، والخوف، وطلب النجدة، ولعل في ما قالته الشخصية، أكبر دليل عما يجول بنفسها، وما يعتريها من هواجس، وأفكار سوداء، فهي ترى أن المدينة غابة تنصب للناس، وبالأخص، للشخصية، الكمائن، ترى في كل المنعرجات خطرا يهدد حياتها. تجدر الإشارة إلى أن النص يتوزعه صوتان: صوت السارد وهو يخاطب الشخصية، وصوت الشخصية وقد تسلمت زمام الكلام، ودفة السرد...
ونرى الخطاطة ذاتها في النصين التاليين، على سبيل المثال لا الحصر، وهما: "بذرة" ص11، و"نظرة" ص67.


المفارقة: أبعاد ودلالات

المفارقة من التوابل والبهارات التي لا يمكن للقصة القصيرة جدا، الاستغناء عنها، فهي تحول العادي إلى فني... وبها تتميز الكتابة الإبداعية عن الكتابة العادية... إذ تعطيها بعدها الدلالي، والفني، والجمالي...
إن المفارقات التي تعتمدها النصوص، لا تخلو من غرائبية... وبما أن نهاياتها تحمل مفاجآت، وتحمل صدمة لكل توقعات المتلقي، فهي غرائبية في صورتها، وفي حمولتها، ودلالتها... ما دامت تنطلق من الواقع، وتركب أحداثه، لكن، أثناء الطرح، تتحول إلى شيء مخالف، صادم، مدهش، ومؤثر...
ففي نص "خصام" ص 55 من مجموعة "ومضات"، تحضر المفارقة في موقف الرجل، فقد عبر عن شجاعة في طرد زوجته، وشعر برجولته، لكنها حين غادرت البيت، وجد نفسه بين حيطان باردة، ومكان فارغ، فشعر بالنقيض، الأمر الذي دفع به إلى اللحاق بها. إنه موقف متناقض ينم عن ضعف حقيقي، سعى إلى تغطيته بعنجهيته، لكن السارد أفشل خططه، وعراه أمام القارئ_المتلقي.
كما أن المفارقة تحضر في الكثير من النصوص، بل فيها جميعا، فهي من مكونات القص القصير الأساس، وتعد من توابلها، فهي التي تمنح القص طعما، وتدل على مهارة القاص في اقتناص اللحظات الهاربة، ملتقطا ما تزخر به تلك اللحظات من مفارقات صارخة، تسمح للقارئ بالسخرية من أصحابها، ومن أمثلة ذلك: نص "انتظار" ص59، و"إسعاف" ص 58، وغيرهما...
ونجد المفارقة موظفة بنباهة في مجموعة "أساطير قصصية"، لحسن لختام، كما في نص "حقيقة" ص19، إذ بالرغم من محاولتهم حجبها، فهي تتمرد، رافضة تلك الألبسة الزائفة، معبرة عن هذا رفض الظهور عارية، والبين أن المفارقة كانت بين موقفين، موقف الساعين إلى الإخفاء، وموقف الحقيقة الراغبة في البروز من دون مساحيق ولا ألبسة حاجبة.
وكما في نص "قديسة" ص27:
اتهموها بالهرطقة، حكموا عليها بالإعدام، حين كان لهيب النار يلتهم جسدها، كان قلبها ينبض بالحب والغفران.
فالنص يضعنا أمام مشهد ينهض على مفارقة واضحة، تتجلى في التناقض بين فعل الكره وفعل المحبة، بين فعل الاتهام بالضلالة، وبين فعل الغفران الدال على الإيمان. مع الإشارة إلى أننا نجد حضورا بارزا للتناص، فالقاص يستضمر في نصه قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام.
والمفارقة موجودة وبقوة في مجموعة "همسات الروح"، كما في نص "متدين" ص23:
بسمل وهو يلج الدكان...
رتب بضاعته في ذهنه، ووزع الوهم بالتقسيط...
فالبائع ينبغي له أن يقدم بضاعة حقيقية للزبائن، لكن الرجل، وهو المتدين، لم يبعهم سوى الوهم، لتكون المفارقة، هنا، نقدية وساخرة من موقف الرجل المتناقض، أو المنافق، فمثل هذا يعيش التناقضات من دون أدنى إحساس بالتضارب بينها.
وكما في نص "قلب نظام" ص20، إذ تتجلى المفارقة بين زمنين، زمن المنح، وزمن النضوب، الأمر الذي حتم على الزعيم الرحيل هربا.
ويمكن تلمس المفارقة في مجموعة "رسومك حيطاني" في نصوص عديدة، كما في نص "بذرة" ص11:
لا رغبة لي في النوم.
يتسارع نبضي،
أغرق في شبه إغماءة،
يطن النحل في أذني،
يتساقط شعري...
لا شهية لي...
أحس بالموت،
تتشقق بشرتي،
ينبت لي نبض جديد...
نشير قبلا إلى وجود الفاصلة في الأسطر الأربعة الأولى، وفي السطرين ما قبل الأخير، أما بقية الأسطر فانتهت جميعها بنقط الحذف. فالفاصلة تفيد توالي جملتين فعليتين، مترابطتين، وفي حين، تفيد نقط الحذف وجود فائض من كلام ترك للقارئ ملؤه بمعرفته.
أما بخصوص المفارقة فهي ترتبط بالحالة، بين حالة التلاشي باتجاه الموت، وحالة الانبعاث، وتجدد الحياة. بين الرغبة في الموت، وإرادة الحياة.
والأمثلة كثيرة، تشير في مجملها إلى أن القصة القصيرة جدا، لا يمكنها التخلي عن هذا الجانب، وإذا ما فشلت في تحقيقه، تكون قد فقدت طعمها، وصارت من دون نكهة، وغير مثيرة ولا جذابة، ولن تحقق الدهشة المرجوة، كما تدل على فشل القاص في التقاط المشهد المعبر والمكتنز. وفي المتن المدروس، أدرك القصاصون مدى أهمية هذا البعد، فشغلوه بذكاء وحكمة وتبصر دال على بعد نظر، وفكر ثاقب.
كما أدركوا أهمية القفلة، فأولوها عناية خاصة، فكانت متنوعة، ومثيرة للاهتمام بفعل مراوغتها، وتخييبها لأفق انتظار القارئ، كما جاءت منسجمة.
والملاحظ أن مجموعة "همسات الروح" قد وظفت حرفي عطف، هما: الفاء والواو، هذا الحرف الذي صبغ نهايات القصص بحضوره، ومن أمثلة ذلك:
"خيانة" ص 10
"نشر ظله على أرض بكر، وبقيت لها الحسرة...
فالواو أتى للتفريق بين حالتين، حالة الرجل وقد حلق باتجاه مغامرة جديدة مع فتاة عذراء لم يمسسها من قبل رجل، وحالة المرأة التي تخلى عنها الرجل بعد قضاء مآربه، مخلفا في نفسها الحسرة. والعنوان جاء ليلقي الضوء على النص، ويتناغم مع قفلته؛ فبفعل الخيانة، تجرعت المرأة الحسرة والندم. والنص ينتقد سلوكات الرجل الأناني الذي يسعى وراء نزواته غير مبال بمشاعر المرأة.
"منطق" ص77
"بلمسة "الفوتوشوب" برر الحفل المقام لنجاحه، وراح ينتشي بشهادته..
وكذلك في "صفعة" ص74 و "تجسس" ص33...

أما مجموعة "رسومك حيطاني" فقد تميزت بالقفلة المدهشة وغير المنتظرة باعتمادها تعدد الأصوات، بمعنى أنها تنتهي بغير صوت السارد، مما يخيب أفق توقع القارئ، فهو لم يكن ينتظر بالمطلق تولي صوت آخر دفة السرد، وظهوره على مسرح الأحداث؛ وهذا الانعراج، مكن النصوص من فتح آفاق جديدة للقص الوجيز. فبدل السير على نهج واحد، تحت إيقاع صوت واحد، نجد تلك النصوص تعتمد التنويع، وتحقق لنفسها مراتب قول مختلفة، ومن أمثلته:
"احتفاء" ص10، وقد تمت الإشارة إليه قبلا، وفي:
"فوبيا" ص24، و"تشخيص" ص27، و"قدوة" ص29...
إنه ملمح تجديدي يخص المجموعة دون غيرها؛ وقد قصد من ورائها محاولة لركوب مغامرة على مستوى الكتابة، تسعى إلى الانزياح عما تواضعت عليه الققج حتى الآن، وذلك عبر بنيات متعددة، منها تلك القفلات المخيبة لأفق انتظار المتلقى/ العبثية/ الصادمة/ المدهشة/ المفاجئة/ المفتوحة التي تعكس بؤس المعيش والعبث/ اللامنطق الذي يحكمه...

أما مجموعة "أساطير قصصية"، فقد اهتمت بالمدهش وغير المتوقع، باعتمادها جملا صادمة، ومحيرة، تنسجم والموضوع المطروق، ومن الأمثلة الدالة:
"تهمة" ص9
"اعترف قبل إعدامه أنه كان يفضل العيش في سلام!
فالتهمة ازدراء الأديان، والدين محبة، فهل يستقيم القتل والمحبة؟ ثم إن المتهم لا يريد إلا العيش في سلام، وهو بهذه الرغبة، يعبر عن إيمانه الذي يتقاطع والهدف الجوهري للدين، مما يجعل التهمة باطلة، فالهدف المنشود هو زرع الرعب بتأويلات شاذة ومتشددة.
ويصب في مجرى النص السابق، نص: "سلام":
"لما عاثوا في الأرض ظلاما، تركهم وصعد... ثم صفق السماء خلفه!" ص11
لم يكن فعل إقفال باب السماء إلا تعبيرا عن غضب ناتج عن الظلامية التي أفسدت الحب، والغاية من الحياة. فجملة: صفق السماء خلفه، قفلة مدهشة، وغير متوقعة لغرائبيتها.
في حين، نجد مجموعة "ومضات" تتخير النهايات الساخرة، وتلاعب القارئ بجعله يسير في الاتجاه غير المنتظر، بحيث تفاجئه بقفلات مدهشة، تصدمه لكي يعيد قراءته من جهة، وإعادة النظر في الموضوع المعالج من جهة أخرى، ومن الأمثلة الدالة، نسوق التالي:
"عقارب"
"شعرت بجرح غائر بجسمي
ينضاف إلى جروح سابقة." ص12
فمحاولة إيقاف عقربي الساعة، أدت إلى إحداث جروح إضافية، وهنا، يتحول العقرب من بعده الرمزي إلى بعده الواقعي، فيصير ساما، ينفث سمه في الذات المهزومة.
أما نص "اكتشاف" ص14 فينتقد الأنانية، إذ الإحساس بالتفرد تفنده المرآة التي أظهرت للرائي كل الناس.
في حين يسخر نص "غباء" ص16، من انتفاخ الذات، فالبالون ما هو إلا رمز لكل إنسان مغرور، امتلأت ذاته بالهواء، فرأى نفسه أفضل خلق الله، ولم يكتشف حقيقة نفسه إلا بعد مرور النحلة صغيرة الحجم، هذا الكائن الضئيل سيوقظ الذات من هذيانها لحظة الاحتكاك، وأتت القفلة بسخريتها صادمة، لعلها تكون درسا لكل مختال مغرور.
أما "برنامج" ص49 و"روزنامة {ألوان}" ص 50، فهما نصان اعتمدا قفلة مغايرة تتمثل في تصعيد وتيرة السرد بالحذف والإضمار، وإبعاد الزوائد، معتمدين على خبرة القارئ في إدراك أبعاد التحول السريع والموجز:
في الأول، اعتمد على المؤشرات الزمنية المعبرة عن اليوم: في الصباح، في الظهيرة، وفي المساء، ثلاثة إيقاعات من يوم واحد، تحققت فيه الكثير من الأحداث، والمعبر عنها بالأفعال التالية: نال، أقام، واعتصم. إنها تؤرخ لمسيرة حياة بشكل سريع وموجز، وتشير إلى الارتفاع الذي قاد إلى السقوط المدوي. والنص بذلك ينتقد وضعا اقتصاديا وتعليميا متأزما.
وفي الثاني، أتى بمؤشرات زمنية ذات مساحة أكبر من اليوم، إنها تمتد لشهر كامل من حياة كل موظف، تم اختزال قصته في بضعة أسطر، لا تتجاوز الثلاثة: في بداية الشهر، ووسطه، وآخره، وهي ترصد تحولات في حياته، وما يعتريها من ألوان معبرة عن تلك الحياة، من خلال ملامح وجهه، ففي البداية يكون الوجه أبيض، وفي الوسط بنيا، وفي آخر الشهر أسود، ما يعني أن أجرته لا تكفيه ليعيش حياة كريمة ومستقرة.

وعلاوة عما سلف، ترصد مجموعة "رسومك حيطاني" الجرح في أبعاده المتعددة: الجسدي والنفسي، الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي، ولعل هذه الجروح، هي ما تنعكس على نفسية الشخصيات وتجعلها مختلة ومضطربة ومعطوبة، بل عاجزة عن أن تبلغ أهدافها ومراميها، خصوصا بعد أن تنسد في وجوهها أبواب البشرى والأمل... ما جعل الكوابيس والأشباح تضغط بكلكلها عليهم، ليلا ونهارا، صاحين كانوا أو نائمين... ما جعل حياة هذه الشخصيات حياة عذاب، ودفعها بالتالي إلى أن ترى الفضاء/ المدينة حيث تعيش معادية بشعة قاتمة تصد سكانها وتعذبهم، وتنصب لهم الكمائن...
أما مجموعة "أساطير قصصية"، فجعلت شغلها ينصب في كثير من المحطات، على الجانب الميتافيزيقي، منتقدة التطرف، والفساد، واستحلال قتل النفس البريئة، معبرة عن رؤية مخالفة للدين والمتعالي، فهي ترى أن العيش في سلام ومحبة بمثابة رسالة الإنسان في هذه الحياة، من دونها لن يستطيع أن يعمرها، ولا يستحق أن يكون خليفة الله في أرضه.
في حين، عالجت مجموعة "همسات الروح" موضوعات عدة، من بينها: علاقة الرجل بالمرأة، توترا وانسجاما، منتقدة العلاقة المبنية على الطمع، والمعتمدة على حب النفس، والسعي إلى إرضاء نزواتها، من دون أن تحس بما تخلفه هذه الأنانية من آثار مدمرة للطرف الآخر، منتقدة، في الوقت نفسه، الحب المفرط، الساعي إلى الاستحواذ على موضوع الحب، مع إفساح المجال للجانب السياسي، من خلال انتقاد التسلط، وحب الكرسي، والرغبة في استدامة السلطة، دون اهتمام بالناس ومشاكلهم، ومن دون اهتمام بالجانب التشاركي في السلطة والسعي إلى اقتسامها.
أما مجموعة "ومضات"، فهي، كما قال عنها الناقد الألمعي، محمد داني: "تمثل صراع الكاتب محمد فري مع واقع مهزوم، ووضع منهزم، متخاذل، مترد، فاشل، مقهور، لذا، يلجأ السارد إلى المقاومة في صيغة ساخرة تلتقط مفارقات الواقع، وانتقاد الخطاب الرسمي." ص6

وكخلاصة سريعة:

اتخذت نصوص المتن المدروس طابع الهجاء، والتهكم، والنقد، والاستعراض، لهذا الواقع المتعفن، وللظواهر التي تسوده، كما تناولت قضية الموت والحياة، وعالجت قضية المتعالي، إضافة إلى قضية التسلط، وعلاقة الرجل بالمرأة.
فضلا عن اعتمادها شكل السطر الشعري/ القصيدة، والجملة القصيرة جدا، واللغة المكثفة، والصورة المشهدية المعبرة، والمفارقة البليغة، والموقف القصصي المؤثر، وتعدد الأصوات، والقفلة المدهشة وغير المتوقعة.

ختاما:

تميز القاص علي بنساعود بحس المغامرة، والسعي إلى التجريب بغرض توسيع أطر القص الوجيز، والأمر نفسه بالنسبة للمبدعين، محمد فري، وحسن لختام، فيما ظلت محاولات القاص عبدالرحيم هري محتشمة، غير قادرة على تكسير القيود لمعانقة الرحب من الكتابة، بخلاف مجموعته الأولى التي تمكنت من التحليق بحرية من دون وصاية، ولا يد تقص أجنحتها، والكتابة مغامرة تكتب مغامرتها، إنها حين تقول الواقع فإنها تقول ذاتها، لا يهمها أن تكون مباشرة، معبرة بوضوح عن قضايا المجتمع، بل همها الأساس كيفية بنائها، والبحث عن أشكال أخرى لم تجرب من قبل. لن تتجدد الكتابة من دون مغامرة وجرأة، ولابد لها أن توسع أطر القص بتكسير القيود، وتشغيل ما لم يسبق تشغيله، واكتشاف تقنيات جديدة حتى لو كانت مستوردة من حقول أخرى مغايرة.

******

المصادر والمراجع:
1 _ محمد فري: ومضات، المطبعة السنة والمدينة؟؟
2 _ عبدالرحيم هري: همسات الروح، المطبعة السنة والمدينة؟؟
3 _ علي بنساعود: رسومك حيطاني، دار الأمان، 2016، الرباط، المغرب
4 _ لحسن لختام: أساطير قصصية، المطبعة السنة والمدينة؟؟؟
5_ محمد داني: جماليات القصة القصيرة جدا، المطبعة السنة والمدينة
6 _ محمد داني: الكتابة والرهانات، قراءة في ومضات محمد فري؟؟؟؟؟
بعض الفقرات تم الاستفادة منها من دون معرفة مرجعها، وقد وضعت بين قوسين.، مشفوعة برمز: *، **.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...