خالد عطية - من نزع السياسة الوظيفية إلى بناء الحامل: أسئلة الانتقال الفلسطيني

لا ينطلق هذا المقال من افتراض وجود فراغ سياسي مستقبلي بقدر ما ينطلق من الإقرار بأن الفراغ قائم فعلًا، ومُدار منذ سنوات بأدوات ضبط أكثر منها أدوات تمثيل. وعليه، فإن الحديث عن “نزع السياسة” لا يُقصد به قرارًا إداريًا أو قطيعة مفاجئة، بل توصيف مسار صراعي تراكمي يهدف إلى تفكيك احتكار السلطة للوظيفة التمثيلية، لا إلى تعميم الانهيار أو الدعوة إلى الفوضى. كما أن النقد الوارد هنا موجّه لوظيفة السلطة الفلسطينية بصيغتها الراهنة، لا لتاريخ منظمة التحرير الفلسطينية ولا لدورها بوصفها الإطار الجامع للتمثيل الوطني، وهو تمييز ضروري لفهم موقع هذا النقاش وحدوده.



لم يعد النقاش الفلسطيني الدائر اليوم حول مستقبل الحكم الذاتي ومنظمة التحرير نقاشًا توصيفيًا أو أخلاقيًا، بل بات نقاشًا تأسيسيًا بامتياز، يحاول للمرة الأولى الاقتراب من سؤال الانتقال السياسي دون مواربة. غير أن الانتقال من تفكيك النموذج القائم إلى التفكير في البديل لا يتم تلقائيًا، ولا يُحسم بمجرد الاتفاق على أن نموذج الحكم الذاتي بلغ مداه التاريخي. فبين لحظة نزع السياسة عن السلطة، ولحظة تشكّل حامل سياسي قادر على ترجمة الشرعية إلى مسار تحرري، تقف أسئلة أساسية لم تُحسم بعد، ولا يجوز القفز فوقها باسم الجذرية ولا تأجيلها باسم الواقعية.



غالبًا ما يُطرح نزع السياسة عن السلطة الفلسطينية كما لو كان خيارًا عقلانيًا أو خطوة إجرائية يمكن التوافق عليها، بينما هو في جوهره فعل صراعي طويل، يتجاوز القرارات إلى إعادة توزيع الشرعية والوظيفة داخل الحقل السياسي الفلسطيني. فالسلطة، بحكم نشأتها وتطورها، لم تكتفِ بإدارة الشأن المعيشي، بل احتكرت تمثيل الإرادة الوطنية، واستمدت من هذا الاحتكار جزءًا أساسيًا من بقائها، حتى في لحظات فشلها الوظيفي. من هنا، فإن نزع السياسة لا يتم عبر إعلان أو توافق نخبوي، بل عبر تآكل تدريجي في ادعاء التمثيل، وضغط اجتماعي وسياسي يعيد تعريف السلطة بوصفها جهاز إدارة مدنية تحت الاحتلال، لا حامل مشروع تحرري. هذا المسار لا يخلو من مقاومة داخلية، ولا يمكن تحييده بخطاب الإصلاح أو تجديد الشرعيات داخل النموذج نفسه. السؤال الذي يبقى مفتوحًا هنا ليس ما إذا كان نزع السياسة ضرورة، بل من يخوض هذا الصراع، وبأي أدوات، وعلى أي إيقاع، وفي مواجهة أي شبكة مصالح.



في هذا السياق، يُعاد طرح منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الإطار الطبيعي لإعادة تسييس المشروع الوطني. غير أن هذا الطرح يصطدم بتوتر حقيقي لم يُحسم بعد: هل المنظمة نقطة انطلاق لهذا المسار أم أفقه؟ التعامل معها كنقطة بداية يفترض قابليتها التنظيمية والسياسية للاستعادة، ووجود إرادة داخلها للانفصال عن منطق التبعية للسلطة، وقدرة المجتمع على فرض هذا التحول. أما التعامل معها بوصفها أفقًا، فيفترض أن إعادة بناء التمثيل قد تبدأ خارجها، وأن أشكالًا انتقالية من التنظيم والتمثيل قد تتشكّل قبل إعادة تأسيسها، وأن المنظمة نفسها قد تُعاد صياغتها تحت ضغط واقع جديد لا بقرار ذاتي. هذا التوتر، إذا لم يُفكَّك بوضوح، يُبقي الخطاب معلقًا بين الدعوة إلى العودة إلى المنظمة، والدعوة إلى تجاوزها مؤقتًا، دون حسم موقعها الحقيقي في مسار الانتقال. وربما يكون الأدق أن تُفهم المنظمة لا بوصفها الحل الجاهز، بل الساحة التي يجب أن تُفتح حين تتغير موازين الشرعية، لا قبل ذلك.



أما سؤال الحامل السياسي، فيبقى الأكثر حساسية وخطورة. التجربة الفلسطينية، كما غيرها من تجارب التحرر، تُظهر أن الحوامل السياسية لا تُعلن في لحظة، ولا تُصاغ في وثيقة، ولا تُستدعى بقرار. إنها تتشكّل حين تتقاطع إعادة تسييس المجتمع مع بروز شبكات تمثيل قادرة على الصمود، ومع عجز النموذج القائم عن احتواء الصراع أو ضبطه. بهذا المعنى، الحامل ليس شرطًا مسبقًا للتغيير، بل مخرجًا له. لكنه في الوقت نفسه ليس نتيجة تلقائية للانهيار. ما بين الأمرين، هناك فراغ خطير: فراغ تنظيم، وفراغ تنسيق، وفراغ ثقة. التحدي الحقيقي هنا هو كيف يمكن منع هذا الفراغ من التحول إلى فوضى، دون ملئه بإطار يعيد إنتاج الوظيفة نفسها تحت مسمى جديد.



لا يمكن لأي مسار تحرري أن يتقدم دون التعامل الجدي مع المجتمع، لا بوصفه كتلة صامتة أو “غير جاهزة”، بل بوصفه حقلًا للصراع السياسي والاجتماعي. الخوف المجتمعي من الفوضى، من فقدان الدخل، من انهيار الخدمات، ليس وعيًا زائفًا ولا عائقًا أخلاقيًا، بل معطى سياسي يجب دمجه في تصور الانتقال نفسه. لكن دمج الخوف لا يعني الرضوخ له، كما أن تجاوزه لا يعني الاستهانة به. التحدي هو تحويل هذا الخوف من أداة شلل إلى دافع لإعادة التسييس، وإعادة تعريف الأمان لا بوصفه استمرار الوضع القائم، بل بوصفه قدرة جماعية على التنظيم والصمود خارج منطق الضبط. هنا يبرز سؤال من يخاطب المجتمع، وبأي لغة، وبأي ضمانات، وهو سؤال لم يُحسم بعد، ولا يمكن تجاوزه بالخطاب النخبوي أو بالتطمينات العامة.



يُضاف إلى ذلك أن الزمن في الحالة الفلسطينية ليس عنصرًا محايدًا. الاستنزاف المستمر، والتآكل المعيشي، والفراغ السياسي والدستوري، كلها عوامل تضغط باتجاه انفجارات غير منظمة. هذا يفرض مواجهة سؤال غير مريح: هل نتحرك لأننا نملك فرصة تاريخية لإعادة التأسيس، أم لأننا نقترب من لحظة فقدان السيطرة؟ الفرق بين الحالتين هو الفرق بين انتقال يُدار، وانهيار يُستثمر من قوى أخرى، داخلية وخارجية.



في هذا الإطار، لا يمكن التعامل مع مسألة “ملء الفراغ” بوصفها مهمة تقنية أو استعجالًا لبناء بدائل شكلية، بل بوصفها حقل صراع سياسي واجتماعي مفتوح. شبكات التمثيل المجتمعي، والنقابات، والمبادرات القاعدية، والمؤسسات المدنية، وإعادة تعريف الشرعية على أسس المشاركة والصمود لا على أسس الاعتراف الوظيفي، كلها ليست حلولًا جاهزة ولا بدائل مكتملة، بل مساحات اختبار وتراكم. قيمتها لا تكمن في قدرتها على الحل الفوري، بل في قدرتها على كسر احتكار التمثيل، وبناء توازنات جديدة تفرض نفسها على أي إعادة تأسيس لاحقة، سواء داخل منظمة التحرير أو عبر إعادة فتحها تحت ضغط واقع سياسي واجتماعي متغير. بهذا المعنى، لا يُطرح الانتقال بوصفه خروجًا من النظام القائم دفعة واحدة، بل إعادة ترتيب تدريجية لمعنى السياسة والتمثيل، بما يمنع الانهيار دون إعادة إنتاج الوظيفة نفسها بأسماء جديدة.



لا يدّعي هذا المقال الإحاطة بكل عناصر المأزق الفلسطيني، ولا يغلق النقاش حول شروط الانتقال، بل يفتح بابًا إضافيًا على أسئلة بنيوية ما زالت تنتظر تفكيكًا أعمق، خصوصًا ما يتصل بعلاقة التمثيل بالاعتراف الدولي، وبالتحولات التي جعلت من بعض أشكال الشرعية رافعة للاستقرار الوظيفي لا للتحرر. وهو نقاش سيظل ناقصًا ما لم يُستكمل، لا بوصفه ترفًا فكريًا، بل كجزء من معركة إعادة تعريف السياسة الفلسطينية نفسها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...