أحمد عبدالله إسماعيل - الكرة البيضاء...

اعتاد يوسف على تقديم نفسه كبطل؛ فمنذ العاشرة، والكرة البيضاء الصغيرة تطيعه فوق الطاولة الخضراء ككائنٍ تعلّم السحر باكرًا. كان المضرب امتدادًا لذراعه، والطاولة مساحة وحيدة لا ينازعه فيها أحد. ثلاثة ألقاب متتالية، تصفيق لا ينتهي، واسم يُنطق بثقة في الصالات.

لكن البطولة، كما اكتشف لاحقًا، لم تكن درعًا. بل قفصًا لامعًا، يرى العالم من خلال قضبانه.

عند بوابة الجامعة، بدت سيارته البيضاء - المستعملة - كخطأ بصري. صفٌ طويل من السيارات الداكنة اللامعة، وهي تقف بينها كجملة زائدة في نص أنيق.

في الأيام الأولى، ازداد الهمس:
- بطل الجمهورية، يركب سيارة كهذه؟

ثم صار الهمس ضحكًا:
- الصورة مهمة يا يوسف. كيف تمثل البلاد وأنت تصل إلى النادي هكذا؟

تصل الكلمات إلى أذنيه، لكنها لا تستقر فيهما؛ تنحدر مباشرة إلى صدره، وتتكسر هناك كشظايا زجاج. شعر، للمرة الأولى بأن المضرب في يده لا يكفي.

وفي المساء، وقف أمام والده في المكتب الواسع الذي كان يفخر به يومًا، ثم صار يضيق عليه كسجن آخر.

أريد سيارة تليق بمكانتي.
مكانتك لا تُقاس بالماركات.
لكن الجميع يعرفون اسم عائلتي.
الجميع؟! هل يدفعون ثمن أي شيء؟!

ساد صمت قصير، ثم قال يوسف بصوت انفلت منه دون استئذان:
- أحاول طوال عمري أن أكون جديرًا بثقتك. أحمل اسمك على كتفي؛ لأثبت لهم، مثلما أثبت لك.

نظر الأب إليه طويلًا، ثم قال:
- نجاحك لا يحتاج إلى سيارة فاخرة.

انتهى الحوار كما تنتهي مباراة خاسرة: بضربة واحدة، خاطئة، لا فرصة لتصحيحها.

في بيت الجد، كان الشاي يبرد ببطء. قلّب يوسف الكوب بين يديه كأنه يبحث فيه عن شيء غائب.

- أتظن أن أباك قد ورث كل ما لديه؟
لم يُجب.

بدأ الجد الحكاية بلا استعجال: شاب نحيل في السابعة عشرة، حقيبة بالية، سلة فاكهة أكبر من جسده، صراخ في ميدان رمسيس من الفجر حتى الغروب. نوم على أرضية غرفة مكتظة. جوع يُخفى في الرسائل إلى القرية. ثم أكمل الجد:

- لم يمنعك أبوك شيئًا… كان يخشى فقط أن يمتلكك.

سمع يوسف ما لم يُقل. الغياب الطويل للأب في طفولته، الساعات التي قضاها وحده بعد البطولات… كلها تكدست الآن في صورة سيارة لم تُشترَ.

في اليوم التالي، اصطحبه والده في جولة صامتة.

توقفا عند كشك فاكهة قديم. نهض عامل مسن متكئًا على عكازه:
- فكري… ما زلت واقفًا؟

احتضنه الأب. لاحظ يوسف اليد نفسها التي توقع عقودًا بالملايين، وهي الآن تربت على كتف رجل أنهكه الزمن.

في المستودع، أخرج الأب صورة قديمة من محفظة مهترئة: شاب يحمل سلة فاكهة، عيناه أوسع من وجهه. على ظهر الصورة:
1992 — أول يوم في القاهرة.

- كل هذا يمكن أن يزول، قال الأب.
ثم وضع في يد يوسف مفتاحًا باردًا.
- هذا مشروعك. إن أردت سيارة فاخرة، فاشترها بيديك.

لم يرد يوسف. لكن المفتاح لم يكن قطعة معدن؛ كان ثقلًا جديدًا، حقيقيًا، لا يُشبه الهبات.

مرت الأشهر.

تعلّم يوسف لغة أخرى: أرقام لا ترحم، مواعيد لا تنتظر، وأكتاف تؤلم في المساء. يداه اللتان كانتا تضربان الكرة بخفة، صارتا تحملان صناديق ثقيلة، وتنزلانها ببطء، كمن يتعلّم ميزانًا مختلفًا.

ذات ظهيرة، وهو يضع صندوقًا أرضًا، سمع صوتًا مألوفًا:
- يوسف؟ البطل… هنا؟

رفع رأسه. وقف زملاؤه كأنهم يرون نسخة لا يعرفونها.
ابتسم، ومسح عرقه:
- أتعلم كيف أوازن.

في تلك اللحظة، فهم؛ فالطاولة لا تثبت، والكرة لا تعود دائمًا، لكن الضربة التالية، عليك!

بعد ستة أشهر، وقف في الجراج.
فيرنا بيضاء، وبجوارها سيارة مستعملة، لامعة بهدوء.

- اشتريتها بمالي.

ثم وضع المفتاح في يد جده:
- هي لك.

نظر الأب إلى ابنه. رأى في عينيه الشاب النحيل في الصورة القديمة، لكن واقفًا هذه المرة، بلا سلة، بلا انحناء. لم يقل شيئًا. الدموع لم تكن بحاجة إلى تفسير.

في اليوم التالي، دخل يوسف الجامعة بالفيرنا نفسها.

لم ينظر إلى السيارات من حوله. نظر إلى شجرة باسقة في الساحة، جذورها تشق الإسفلت بصبرٍ أعمى. ابتسم.

لم تعد السيارة قناعًا ولا عبئًا. صارت مجرد وسيلة.
أما الكرة البيضاء - التي صنعت بطولته الأولى - فصارت تذكرة صامتة:
أن النصر الحقيقي… ليس في الإبهار، بل في أن تبقى واقفًا حين تعود الكرة إليك.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...