في الفضاء الصامت لقاعات المحاكم، حيث يتحدَّث القانون بلغةٍ صارمةٍ، تَتسرَّب من بين الكلمات نَبرة خفية... إنها نغمة الضمير الإنساني.
هنا، لا يقف القاضي كصوتٍ للقانون فحَسب، بل كراوٍٍ لتراجيديا بشَرية لا تخلو من الألم. وحين يكتُب حكمه، يتحول إلى كاتب أدبي خاص: يروي وقائعَ، يصفُ شخصياتٍ، يحللُ دوافعَ، ثم يختمُ بحكمٍ هو خاتمةُ السردِ.
وعلى الجانب الآخر يقف المحامي كأديب في محراب العدالة، يُتقن الحَبكة، ويُحسِن اختيار المفردات، فيوقظ الشك، أو يزرع اليقين. يبدأ بمشهد افتتاحي (الوقائع)، ثم يخلق توترًا دراميًا (التكييف)، ويبلغ ذروته في طلب الحكم (الخاتمة). بل إنه في تحليله للنصِّ القانونيِّ لا ينفصلُ عن أدواتِ النقدِ الأدبيِّ.
كم من مرافعةٍ، شَعرنا بها كقصيدةٍ نثرية مُشبَّعة بالمنطق والعاطفة، بالحُجّة والرحمة؛ كأنها تُدوِّن بين سطورها شهادة للتاريخ.
وبين تلك السطور، يُولد وجعٌ يصلح أن يكون أدبًا؛ حيث يتعانق العدلُ مع القهر، وتتوارى الحقيقةُ في حِضن الظن، وتصرخُ المرافعةُ، فيما يَهمسُ الاعترافُ بصوتٍ مكسور.
يتجلى التوازي بين الأدبَ والقانونَ في سرد الحالةِ الإنسانيةِ في أقسَى لحظاتها وأعقد مفاصلها: فَقاعةَ المحكمة تغدو مَسرحًٍا مُكثَّفًا للحياةِ، حيث لا تُروَى العدالةَ بنصوصِ القانونِ وحدها، بل بقصصِ الناسِ، وتُكتبُ بلغةِ الحياةِ.
ومن هنا، أقول: إنَّ النصوص القضائية من مرافعات وأحكام، ومذكرات دفاع، وصِيغ تشريعية تفسيرية، هي (أدب) بل أري أن يُصطلح على تسميتها بــ (الأدب القضائي).
فالأحكام القضائية الجيّدة، والمرافعات المتميزة، حين تُكتَب بوعيٍ لغويٍّ وإنسانيٍّ، لا تُمثّل مجرد فصلٍ في نزاعٍ قانونيّ، بل يُمكن أن تُقرأ بعد سنوات بوصفها وثائق أدبيةً، وتاريخيةً، واجتماعية؛ إذ تُجسّد لحظةً من ضمير العدالة، وتُضيءُ جانبًا من النفس البشرية، وتُوثّقُ واقعًا كان محل خلاف وصراع. وبهذا، تُصبح بعض الأحكام نصوصًا حيّة، شاهدة على زمنها، ومرآةً لثقافة العدالة في سياقها الاجتماعي.
وهذا الفن من الأدب، الذي يَزخر به تُراثنا القضائي - القديم والمعاصر - أدعو إلى توثيقه، ونشرِه، وتدريسهِ. أمَّا إهماله اليوم، فهو فَقدٌ معرفي وثقافي.
لذلك، أطالبُ بتدريس مادةُ «اللغةِ والعدالةِ» في كلياتِ الحقوقِ، وإقامة ورشٌ لتدريبِ الطلبةِ على الكتابةِ القانونيةِ البلاغيةِ، وصياغة المرافعات الأدبية. بل إنَّ من الأوْلى برجال النيابة العامة، والقضاء والمحاماة - لا سيما الشباب منهم - أن يُدرَّبوا على ذلك، فالكفاءة اللغوية استثمار مباشر في جَودة العدالة.
فالعدلُ لا يسكُن الكتبَ وحدَها، بل يسكُن اللغةَ أيضًا. والعدالة ليست حكمًا يُنطَق، بل حكاية تُروَى بلغةِ نابضة بالحياة.
هنا، لا يقف القاضي كصوتٍ للقانون فحَسب، بل كراوٍٍ لتراجيديا بشَرية لا تخلو من الألم. وحين يكتُب حكمه، يتحول إلى كاتب أدبي خاص: يروي وقائعَ، يصفُ شخصياتٍ، يحللُ دوافعَ، ثم يختمُ بحكمٍ هو خاتمةُ السردِ.
وعلى الجانب الآخر يقف المحامي كأديب في محراب العدالة، يُتقن الحَبكة، ويُحسِن اختيار المفردات، فيوقظ الشك، أو يزرع اليقين. يبدأ بمشهد افتتاحي (الوقائع)، ثم يخلق توترًا دراميًا (التكييف)، ويبلغ ذروته في طلب الحكم (الخاتمة). بل إنه في تحليله للنصِّ القانونيِّ لا ينفصلُ عن أدواتِ النقدِ الأدبيِّ.
كم من مرافعةٍ، شَعرنا بها كقصيدةٍ نثرية مُشبَّعة بالمنطق والعاطفة، بالحُجّة والرحمة؛ كأنها تُدوِّن بين سطورها شهادة للتاريخ.
وبين تلك السطور، يُولد وجعٌ يصلح أن يكون أدبًا؛ حيث يتعانق العدلُ مع القهر، وتتوارى الحقيقةُ في حِضن الظن، وتصرخُ المرافعةُ، فيما يَهمسُ الاعترافُ بصوتٍ مكسور.
يتجلى التوازي بين الأدبَ والقانونَ في سرد الحالةِ الإنسانيةِ في أقسَى لحظاتها وأعقد مفاصلها: فَقاعةَ المحكمة تغدو مَسرحًٍا مُكثَّفًا للحياةِ، حيث لا تُروَى العدالةَ بنصوصِ القانونِ وحدها، بل بقصصِ الناسِ، وتُكتبُ بلغةِ الحياةِ.
ومن هنا، أقول: إنَّ النصوص القضائية من مرافعات وأحكام، ومذكرات دفاع، وصِيغ تشريعية تفسيرية، هي (أدب) بل أري أن يُصطلح على تسميتها بــ (الأدب القضائي).
فالأحكام القضائية الجيّدة، والمرافعات المتميزة، حين تُكتَب بوعيٍ لغويٍّ وإنسانيٍّ، لا تُمثّل مجرد فصلٍ في نزاعٍ قانونيّ، بل يُمكن أن تُقرأ بعد سنوات بوصفها وثائق أدبيةً، وتاريخيةً، واجتماعية؛ إذ تُجسّد لحظةً من ضمير العدالة، وتُضيءُ جانبًا من النفس البشرية، وتُوثّقُ واقعًا كان محل خلاف وصراع. وبهذا، تُصبح بعض الأحكام نصوصًا حيّة، شاهدة على زمنها، ومرآةً لثقافة العدالة في سياقها الاجتماعي.
وهذا الفن من الأدب، الذي يَزخر به تُراثنا القضائي - القديم والمعاصر - أدعو إلى توثيقه، ونشرِه، وتدريسهِ. أمَّا إهماله اليوم، فهو فَقدٌ معرفي وثقافي.
لذلك، أطالبُ بتدريس مادةُ «اللغةِ والعدالةِ» في كلياتِ الحقوقِ، وإقامة ورشٌ لتدريبِ الطلبةِ على الكتابةِ القانونيةِ البلاغيةِ، وصياغة المرافعات الأدبية. بل إنَّ من الأوْلى برجال النيابة العامة، والقضاء والمحاماة - لا سيما الشباب منهم - أن يُدرَّبوا على ذلك، فالكفاءة اللغوية استثمار مباشر في جَودة العدالة.
فالعدلُ لا يسكُن الكتبَ وحدَها، بل يسكُن اللغةَ أيضًا. والعدالة ليست حكمًا يُنطَق، بل حكاية تُروَى بلغةِ نابضة بالحياة.