محمد عرش - "الخراب المجدول " أو حين يجدلك الزمان والمكا... ن قراءة في منجز الشاعرː عبد العزيز أمزيان.

تقديم: قبل القراءة يسترعي الانتباه ،عنوان المجموعة "الخراب المجدول"ومرد ذلك إلى أل التعريف ،حيث يتحول المجدول إلى نعت ،عوض الخبر ،مما ينفي التوارد عبر الحقب ،وقطع التأثر والتأثير ،ما يسمح للشاعر أن يقتل ما يسترعي اهتمامه ،وقلعه ثقافيا وواقعيا ،وأيضا على مستوى القراءة والتجربة ،خاصة وأن المعجم الشعري ،يتطور من تجربة لأخرى ،وقد أشرت سابقا في بعض الدراسات المخصصة لدواوين شعراء وشاعرات من الشمال إلى تميز هذا الإبداع ،بالمعجم. الممزوج بما هو أندلسي ،للاقتراب والدنو من ضوء الحضارة سابقا ولاحقا.
"الخراب المجدول "عنوان المجموعة، وعنوان قصيدة داخل المجموعة إذن يمكن قراءته من زاويتين ،من الباب كمدخل ،ومن البيت بكامله، كإحدى الغرف المستقبلة لهذا (الخراب المجدول) بماذا؟: مجدول بماء الشعر:حيث اللغة الشعرية الراقية والملموسة حسب المصطلح الذي وثقه الناقد د.محمد مندور ،حين أشار إلى الشعر المهموس، انطلاقا من شعر أبي القاسم الشابي، وتأمل الديوان يؤكد هذا الجانب، حيث انسياب الجمل بسلاسة وسكينة، برغم الهدم بالمطرقة النيتشوية .
"الليل طويل بين جناح الوقت الضامر
الريح تزلزل يقيني الماحق بين الدروب !
أرتج، لعل الوجوه تسترد قطاري البعيد
تسقي بواري المديد، نوحي الطلق
شرودي الحائم على ممرات التيه" ص73.
هذا الهدوء، وهذه السكينة ،مردهما إلى المعجم الشعري لدي الشاعر ، فهو لا يكتفي بهدوء المفردة ،بل يربطها بسبيل أو درب من المفردات، التي تشكل ضفيرة متكاملة ومتناسقة، تتشكل وفق نسق متكامل ،يقود إلى ختام القصيدة، وكأننا أمام صحائف تصور الخراب في الزمان و المكان بيد المعطف ، وكأن ما وقع، وقع نتيجة لوقائع ساهمت في ذلك ،آملا أن تعود الحياة إلى صفائها وخيرها ،وهو هنا ينأى عن خراب ،أو "الأرض اليباب" للشاعر ت .س.إيليوت ، حيث جسد الخراب واليباب المرتبط بالحرب العالمية ،
فالخراب هنا مجدول باللغة، لأن الكتابة داء ودواء حسب جاك دريدا، لأن هذه القصائد ذات نسق متحد ومتكامل، وهنا يلج الشاعر أمزيان طريق المشروع الشعري، حيث لا يجمع القصائد كيفما اتفق، بل تتحد في الرؤية و الرؤايا، عبر المخزون اللغوي الذي يتوفر عليه، والمرتبط في حالات كثيرة بالمشبه ووجه الشبه، ليوضح أكثر، ويبقي الغموض محببا ،ومكملا لبواعث الحضرة الشعرية ، أو ربما في اعتقادي لجوء الشاعر إلى التشبيه، ليخفف من غلواء الخراب المجدول ، بثقل الزمان و المكان، والقتل يختلف ويتنوع، حسب أنواع الحبال المستعملة ،عبر امتداد النصوص الشعرية والسؤال المطروح ،عبر هذا الامتداد: لماذا البدء ب(حرائق دمي)؟
وما السببب في ذلك؟(تربض لانمحاء الأثر-ولانسحاق الوجوه -تغدو صرخاتي وجع صدى - وجعي الموشوم بالردى- ينكوي .تعتليني حرائق الموتى تغفو مدن في رأسي . تغفومدن في رأسي، تخبو في رمادي كالأنين...الخ 3 وص 4.
كل هذه الآثار، تساهم في حريق دم الشاعر، ولعل غياب الأصدقاء الذين طواهم الردى، أكبر ألم ووجع، ترصده الكتابة عبر هذا (الخراب المجدول )حتى المحو، وإعادة الكتابة لم يسلما من ذلك، بمعنى وقوف الشاعر في وجه/ وجوه النسيان .
إن هذا (الخراب المجدول )، من كيان الشاعر أمزيان، يشير إلى شاعر تنوعت طرائقه، وتنوعت حباله، فهو يجدل لكل نوع ، شكله المناسب، عبر لغة شفافة وراقية ، مثل روحه الشفافة والسامية، والباحثة عن قيد لغة، تعبر الزمان والمكان، وتظلل كل الفراغات بترياق المحبة والوفاء.
الناقد محمد عرش.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...