عبد الخالق مساعد - الخيمة في الرحامنة: من السكن إلى الأرض والاستغلال( الجزء الثاني)

( الجزء الثاني)


تحول مفهوم الخيمة من خباء للسكن إلى مفهوم الخيمة كقطعة أرضية من أراضي الجموع والأراضي السلالية ،هذه القطعة يحوزها كل كانون في الجماعة إذ الكانون هو الأسرة والعائلة ، وتجد هذه التسمية وهذا المصطلح تقعيده في كون المحاصيل الزراعية التي تنتجها هذه القطعة كافية لإعالة ما في الخيمة وما تشمله من أفراد الأسرة والكانون طيلة سنة كاملة.
غير أن هذه الخيام الأرضية لا تكون ذات مساحة موحدة إلا في جماعة معينة ، و تصغر حسب مساحة الأرض الجماعية التي توزع على الكوانين (كوانين الدوار أو الجماعة) ، ومساحة هذه الخيمات يمكن أن تزيد أو تنقص حسب عدد الكوانين المكونة للجماعة، وكذلك مساحة الأرض الجماعية موضوع التقسيم، حيث تقدرالأنصبة بالخطوة وبالخدام أو الحبل .
وظل مفهوم الكانون قائما في الرحامنة ليس بين السكان فقط بل يعتبر آلية من آليات المخزن في تحصيل الضرائب ،فالى حدود النصف الثاني من القرن التاسع عشر 1865، فقد كان مخطط جمع الضرائب مبنيا على المحاصيل وانتاج الارض والمواشي وعلى أساس الكانون الشرعي، لكنه فشل وجاء امر جديد الى قواد الرحامنة كي يبطلوا قانون التضريب في القبيلة على هذا الاساس لان جمع الضريبة صعب التحقيق ،وفرض ضريبة مالية اجمالية على القبيلة قدرها ثلاثون الف ريال.

إلا أن الأرض الجماعية لجماعة ما تتناقص مساحة خيماتها بعد كل عملية توزيع، حيث يضاف إلى المستفيدين وذوي الحقوق في الأراضي الجماعية كل من تزوج وكون كانونا جديدا، وتزداد أعواد جديدة إلى مجمل العدد السابق. والتعبير بالعود عن النصيب من الارض لا يتناقض مع مفهوم الخيمة كقطعة ارض سلالية لرب أسرة من ذوي الحقوق،وإنما التسمية بالعود دليل على أن مجموعة الخيام توزع عن طريق ضرب العود ،أي إجراء القرعة حتى تكون القسمة فيها نوع من التراضي الذي فرضته القرعة بضرب العود . وهذا التقسيم يجرى بعد كل ثلاث أو أربع سنوات حسب العرف في الجماعة السلالية .
وان كان مفهوم الخيمة – قطعة الأرض- نشا فوق الأراضي السلالية وأراضي الجموع فان كل جماعة سلالية تضع شروطا خاصة بها لاكتساب صفة ذي حق. فأغلب الجماعات السلالية في المغرب تحتكم الى اعراف معينة في توزيع خيمات الارض، ففي منطقة الجنوب ومنطقة الوسط تضع معيارين لاكتساب هذه الصفة: وهما الذكورة و الزواج ، أما في المناطق الجبلية بشمال المغرب فالذكور هم من يرثون عن آباءهم ، و النساء يستفدن فقط من نصف النصيب في السكن وخيرات الأرض دون العين، أما الأراضي العارية فتبقى من نصيب الرجال ، و بعض مناطق سهل الغرب صفة ذوي الحقوق لا تمنح إلا للذكور.أما في قبيلة الرحامنة فانها تتصرف في هذه الأراضي بطريقة تشبه التصرف في الملك الخاص،فقد تخلت القبيلة عن توزيع الخيام بخلط الاراضي ثم اعادة توزيعها لاسباب منها الاراضي الوافرة ثم كونها اراضي بورية وليست سقوية ،وهو ما سمح بظهور اسلوب جديد في استغلال هذه الاراضي، فالأرض في أصلها سلالية لكنها تورث أبا عن جد ولذلك نجد أن مفهوم الخيمة قد اندثر كمقياس لإعادة التقسيم وبقي دارجا في التراث الشفهي، وهذا الأمر خلق تفاوتا كبيرا بين الأسر في الانتفاع بهذه الأراضي من حيث المساحة فهناك اسر تستفيد من هكتارات واسعة،واخرى تستفيد من أراضي صغيرة جدا،وثالثة لا أراضي لها. ولعل ذلك راجع إلى شراء هذه الأراضي من اصحابها وضمها ابان هجرة اصحابها في ازمنة الجفاف وهجرتهم الى سهول الغرب وسايس سنوات القحط،، أو الاستيلاء عليها وضمها لطول زمن استغلالها ، وهذا العامل هو الذي ألغى آلية خلط الأراضي بعد كل فترة زمنية وإعادة توزيعها على المتزوجين الجدد.
وقد عمدت سلطات الحماية الى تحديد الاراضي الجماعية بناء على عدة ظهائر منها ظهير 1919 وظهير 1924 ،وقد سمحت للدواوير والتجمعات السكانية بمحيط دائري مابين نصف كيلومتر الى كيلومتر واحد ،يسمى حرم الدوار تقام فيه بعض مصالح الدوار او الجماعة كحفر بئر عام او بناء مسجد او مقبرة،لكن بعض الدواوير في الرحامنة عمدت الى تقسيم اراضي هذا الحرم رغم ضيق مساحتها على عدد الكوانين الموجودة في الدوار،واستغلت هذه القطع الصغيرة جدا كحظائر للحيوانات او مكان للاجران واطلقوا عليها تسمية الخيمة لانها قسمت بنفس نظام توزيع الخيام القديم،وغالبا ما تكون مسيجة بنبات الصبار او اكوام الاشجار الشوكية كالسدر والطلح.
هناك سؤال جوهري يطرح نفسه وهو من حدد مساحة الخيمة من الأرض في بداية الأمر؟
في بداية الأمر كانت الأراضي مشاعة وواسعة والمساحات ممتدة وكل رب أسرة يستغلها حسب كفايته وبالمستوى والحد الذي يستجيب لحاجات أسرته وكانونه، وحيث إن الأسرة والكانون متوسطها مابين 5 إلى 6 أفراد كما أورد ذلك إبراهيم الحساني في تحديد أفراد الكوانين في كتاب ديوان قبائل سوس خلال العصر السعدي،فان أرباب الخيام والأسر في الرحامنة اعتمدوا نظرية أخرى مشابهة لهذا المفهوم الإحصائي القديم.
فقد كان الرجل يحرث خيمته الأرضية إلى الحد الذي يعطيه إنتاجا ومحصولا يكفيه وعياله خلال سنة كاملة ،من الحبوب والزرع بمقياس العبرة .
ولكون هذه الخيمات من الأرض دخلت في المعاملات من كراء ورهن فان السادة العدول المكلفين بتوثيق هذه المعاملات استخلصوا القيمة المادية لهذه القطع الأرضية (الخيمات) ومن ما تنتجه من محاصيل، وحولوا هذه المنتوجات العينية بحسابها وترجمتها إلى قيمة مادية مالية وذلك لاعتمادها في الرهون العدلية .
وقد عرضت العقود الخاصة بالشراء والكراء والرهون قيمة و سومة هذه الأراضي ببلاد الرحامنة ، وان السادة العدول كانوا على دراية بالإشكالات التي تطرحها ،حيث يتعذر ضبط المساحات الحقيقية لهذه الأراضي لتفاوت الوحدات المعتمدة في التقدير: كالفدان والعبرة والخدام والهكتار ، وقد كانوا يستحضرون مؤهلات المناطق التي تمتد فيها هذه العقارات وميزوا بين البورية والسقوية في التقدير .
ومن خلال دراسة لمجموعة من الوثائق العدلية لسنة 1936 تبين ان البقع في الرحامنة قدر بيعها ما بين 200 و 250 فرنك للبورية و600 فرنك للسقوية. وهذه أمثلة على ذلك:
عقد شراء بقعة بورية بالبحيرة:

عقد شراء بقعة بدوار لهنادكة:

عقد شراء بقعة سقوية بحربيل:

عقد صدقة لاحد الرحامنة بخصوص ارض سقوية بالويدان تابعة لايالة العيادي:

ولكي يتعرف العدول القيمة المالية للخيمة من الأرض سنويا ، فقد اعتمدوا المتعارف عليه عند أصحاب هذه الخيمات ،وما تنجه هذه القطع الأرضية لفائدة أسرة واحدة ، وبنوا ذلك على احتياجاتها الشهرية والسنوية .
والمتعارف عليه أن كل خيمة وكانون يحتاج شهريا إلى المقادير التالية من الحبوب والمواد الاستهلاكية الأخرى، على أن تقويم الأرض ينحصر فقط في أثمان وأسعار الحبوب والزرع لأنها خارجة من هذه الخيمة القطعة الأرضية،ولايدخلون المداخيل الاخرى المتأتية من الانشطة الفلاحية الأخرى كالكسب وتربية المواشي
نصوص إخبارية عن ميزانية الخيمة في الرحامنة والسراغنة:
جدول يبين ميزانية ومصاريف خيمة رحمانية خلال شهرواحد بالفرنك الفرنسي سنة 1932:
مصاريف الخيمة خلال شهر
المواد والحاجيات خلال شهر التقدير المالي خلال شهر
– مصاريف خاصة بالتغدية خلال شهر

– مواد استهلاكية أخرى

– اللباس
– مصاريف إصلاح البنايات
مصاريف إصلاح المعدات الفلاحية

المجموع = – 7 عبرات من الشعير
– 2 عبرات من القمح الصلب
– 65 كلغ من اللحم
– السكر اتاي الأخضر
– الكربون
– للرجال والنساء
-النوالة-البئر- الحيطان
– معدات الحرث وجلب الماء من البئر
= – 35 فرنك
– 24 فرنك
– 65 فرنك
– 137 فرنك
– 10 فرنك
– 100 فرنك
– 100 فرنك
– 120 فرنك

= 591 فرنك

أما حساب المصاريف للخيمة الرحمانية الواحدة خلال سنة كاملة فيتم بضرب العدد والقيمة في 12 شهرا.
الموارد والحاجات خلال شهرمع تقديرها المالي التقدير المالي لمدة سنة كاملة

– 7 عبرات من الشعير شهريا = 35 فرنك
– 2 عبرات من القمح الصلب =24 فرنك
– 65 كلغ من اللحم = 65 فرنك
– السكر اتاي الأخضر =137 فرنك
– الكربون =10 فرنك
– للرجال والنساء =100فرنك
-النوالة-البئر- الحيطان = فرنك
– معدات الحرث وجلب الماء من البئر=120 فرنك

المجموع =
– 35 فرنك × 12 = 420 فرنك
– 24 فرنك ×12 = 288 فرنك
– 65 فرنك ×12 = 780 فرنك
– 137 فرنك ×12 = 1644 فرنك
– 10 فرنك ×12= 120فرنك
– 100 فرنك ×12= 1200 فرنك
– 10 فرنك ×12= 1200 فرنك
– 120 فرنك ×12 =1440 فرنك

= 7092 فرنك

المدخول السنوي للخيمة بالرحامنة تقديرات 1936:
مصادر موارد الخيمة تقدير هذه الموارد القدر المالي بالفرنك
– من بيع محاصيل زراعية :
خلال سنة فلاحية

– من بيع الماشية خلال سنة فلاحية:
– عمليات مختلفة:

المجموع =
– 350 عبرة من الشعير
– 70 عبرة من القمح الصلب
– 50 عبرة من القمح اللين
– أغنام- ماعز
– منتجات الصناعة التقليدية
الحايك خيوط الصوف
= 1750فرنك
800 فرنك
450 فرنك
2000 فرنك
750 فرنك

= 6750 فرنك

من خلال هذا الجدول يتبين لنا المدخول السنوي للخيمة الواحدة في قبيلة الرحامنة ، وهذا المدخول هو بالأساس مرتبط برقعة الأرض التي تستغلها هذه الأسرة أو هذا الكانون ،وما تعطيه من كميات إنتاج في الحبوب ،أو مردود مادي من تربية الماعز والأغنام ،والمقدر سنويا ب 6750 فرنك فرنسي العملة المتداولة بالمغرب سنة 1932.
ونلاحظ أن مساهمة الحبوب بلغت 3000 فرنك سنويا في حين في حين تربية المواشي وباقي الأنشطة لم تتعدى 2750فرنك
إن كتابة العقود العدلية المتعلقة بالكراء والرهون لهذه الأراضي المعبر عنها بالخيمة ، تنبني على عدد العبرات من القمح والشعير الذي يمكن أن تعطيه تلك الخيمة خلال السنة الفلاحية وتقويم ذلك المحصول من نقله من التقديرالعيني إلى التقدير المالي . كما أن هذه الأرض تقاس بعدد العبرات التي تعطيها خلال سنة ،فالأسرة المعبر عنها بالخيمة تستهلك 7 عبرات من الشعير و2 عبرات من القمح أي 9 عبرات شهريا أي ما مجموعه 108 عبرة سنويا ، وتحول هذه الكمية من التقدير العيني إلى التقدير المالي كما يلي :
– 7 عبرات من الشعير بثمن 35 فرنك ×12 شهر= 420 فرنك سنويا
– 2 عبرات من القمح الصلب بثمن 24 فرنك ×12 شهر= 288 فرنك سنويا
وبذلك يكون مجموع كلفة مؤونة الأسرة (الخيمة) سنويا 420+ 288 = 708 فرنك سنويا ،وهذا المبلغ هو الذي يعتمده العدول في ثوثيق وجيبات الرهون والكراء .
وما تجب الإشارة إليه وتوضيحه هو المساحة التي تقدر بالخيمة هي التي تعطي 100 عبرة في السنة الفلاحية الجيدة ،فإذا كانت هذه الأرض مثلا تعطي 300 عبرة فمعنى ذلك أن مالكها تقدر أرضه بثلاث خيمات ،أو خيمة ونصف وهكذا….
وجيبات في سند ضمان الرهون لخيمات الأرض في السراغنة :
اسم الخيمة مجموع قيمة الوجيبة
خيمة السلامي من أولاد إبراهيم 420 فرنك
خيمة السلامية السرغينية بأولاد إبراهيم 500 فرنك
خيمة اليوسفي السرغيني من أولاد اعمر 275 فرنك
خيمة السرغيني من أولاد ونزار 315 فرنك
خيمة رحال بن محمد 240 فرنك
خيمة أولاد بومنيع 68 فرنك
خيمة الجيلالي الرحالي 1350 فرنك
محموع الخيمات: 7 مجموع الدين: 4640 فرنك

وباستقرائنا لمعطيات هذا الجدول المتعلق بخيمات السراغنة ووجيبات ضمان رهنها كما ورد في هذه الوثيقة العدلية ، نجد أنها لم تبلغ سقف قيمة صائر الخيمة الرحمانية من الزرع في السنة والذي يبلغ 708 فرنك سنويا.
ويعود ذلك إلى صغر المساحة المحروثة بالحبوب لان الأرض تشغلها مغروسات أخرى كأشجار الزيتون والتفاح والتين وغيرها من الأشجار المثمرة المعتمدة على السقي .باستثناء خيمة الجيلالي الرحالي والذي يظهر أن قطعته من الأرض اكبر من خيمة الرحامنة مرتين ، إذ 1350 فرنك هي اقرب إلى فرنك 708 مرتين.
أما معدل ضمان الرهن للخيمات السبع في قبيلة السراغنة فنحسبه كالآتي:46440 تقسيم 7= 663 فرنك سنويا .
إذن مردودية الخيمة من الأرض في السراغنة سنويا هي =633 فرنك
ومردودية الخيمة من الأرض في الرحامنة سنويا هو=708 فرنك
وهكذا يتبين لنا أن مردودية الخيمة في السراغنة والرحامنة هي متطابقة إلى حد بعيد ، وهوما يبرهن على المنهج العلمي الذي يتبعه العدول وكتبة الرهون والكراء في تقدير ضمانات الوجيبات في السراغنة والرحامنة.
والمستفاد من هذه المقارنات والحسابات أن هناك منطق تأسست عليه مضان الرهون ورسوم الكراء ،وهذا المنطق يحتكم إلى الأعراف والعادات والمستوى الاجتماعي وطبيعة المعاملات الاقتصادية المنسوجة بين المتعاملين ،هذه المعاملات المبنية على التقديرات العينية والنقدية للخيمة كوحدة لقياس الأرض في السراغنة والرحامنة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...