أ. د. عاهد حلس - ليل اطول من القامة

في وسط حرب الإبادة، نشر الصديق أحمد شامية، قبل استشهاده بأيام قليلة، «اسكتشًا» تعبيريًا على صفحته؛ فأصابني وقتها الاسكتشُ بالرعب والدهشة لفرط ما كان مطابقًا لصورة الإنسان القابع في أعماقنا: إنسانٌ يمشي معصوبَ العينين بخطى سريعة، جعله الخذلانُ مستسلِمًا ومتعجِّلًا أيَّ نهايةٍ يقرّرونها له، حتى إنه لا يحاول نزع العصبة عن عينيه.




لم أكن أعلم وقتها أن هذا الاسكتش التعبيري يمكن أن يتحوّل إلى صورة مشهدية أشدّ رعبًا، تجسّدها لوحة «زاحف الليل» للرسّام البولندي زديزواف بيكشينسكي:
كائنٌ بشري، أو شبه بشري، فقد وضعيته العمودية، كنايةً عن انكسار الروح تحت وطأة قمعٍ طويل الأمد؛ ملفوف الرأس أو بلا ملامح، كنايةً عن محو الهوية؛ أطرافٌ طويلة، عظمية، حادّة، كنايةً عن الهشاشة…
«زاحف الليل» يمكن أن يكون أيَّ شخصٍ ألقت به الحرب في أرضٍ قاحلة، وجعلته في حالةٍ من القلق والخوف والتأهّب الدائم للانقضاض على أيّ شيء من أجل حفظ بقائه، دون أن يأبه كثيرًا للكرامة.

أشار الكاتب والناقد الدكتور عادل الأسطة
Adel Al-osta
أكثر من مرة، على صفحته – في يومياته عن حرب غزة – إلى قصة غسان كنفاني «زمن الاشتباك، أو الصغير يذهب إلى المخيم»، مستشرفًا ما قد تؤول إليه أخلاق الناس بعد الحرب.
«زمن الاشتباك»، كما يُستنتج من القصة، ليس اشتباكًا بالسلاح، بل اشتباكٌ مع الجوع، والفقد، والذل، والقلق، وانهيار المعنى في مخيمات اللجوء بعد النكبة؛ زمنُ العيش على الحافة، حيث تتراجع القيم الكبرى أمام ضغط الحاجة.

لكن القصة لم تُشر إلى هذا النوع من الانكشاف الأخلاقي: دعاةُ مقاومةٍ وصمودٍ ينقضّون، كـ«زاحفي الليل»، على أول فرصة سفر للنجاة بأنفسهم وعائلاتهم، غير آبهين بشتائم ولعنات من صدّقوهم. ولم تتضمّن القصة أيضًا أيَّ حوارٍ يُستنتج منه أن ضغط الحاجة أدّى إلى ظهور فئةٍ كبيرة، في مخيمات اللجوء الأولى، من محترفي التسوّل.




لقد تشابهت النكبتان في كل التفاصيل، واختلفتا في «زمن الاشتباك»؛ فهل كان تفشّي ظاهرة التسوّل بهذا الشكل – الذي أضرّ بصورة غزة – نتاجًا تراكميًا للانكسارات الصغيرة في النفس، بفعل الوقوف أمام طوابير «وكالة الغوث» على مدار أكثر من سبعين عامًا؟
هل نجح من صمّم منظومة الإغاثة في تحويل من طُرد من بيته، من صاحب قضية إلى متلقٍّ دائمٍ للمساعدة، ومستمرئٍ للتسوّل؟
أم أن نشوء هذه الظاهرة ما كان ليحدث لولا فترةٍ من الحكم اعتُبرت فيها جمعُ التبرعات نوعًا من «الج..هاد المقدّس»؟

ربما، وربما يحتاج الأمر إلى دراسةٍ أوسع وأعمق. لكن السؤال المؤرّق أيضًا: لو كان إسماعيل شموط حيًّا اليوم، هل كان سيرسم شخوصه خارجين من هذه الحرب بأعناقٍ طويلة كما رسمها بعد النكبة الأولى؟
وهل كان درويش سيكتب «أحمد الغزّاوي» كما كتب «أحمد العربي»؟
ويقول :

"يا أحمد المولود من حجر و زعترْ
ستقول : لا
ستقول : لا
جلدي عباءة كلّ فلاح سيأتي من حقول التبغ
كي يلغي العواصمْ و تقول : لا"

أم أن القصيدة نفسها كانت ستنكسر تحت وطأة هذا الزمن؟

آه… كم هي مرعبة لوحة «زاحف الليل».
…لا عودةَ تعيدنا كما كنّا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...