غزوان حمدان الجبولي - دراسة نقدية أكاديمية، لقصة "كرامة أحمق" للكاتب مصطفى الحاج حسين

السياق العام للقصّة
تجري الأحداث في حافلةٍ تقل المسافرَينَ إلى حلب، حيث يُفاجأُ الراوي بحالةٍ من العدوان والذلّ، بسبب مقعدٍ بسيط. التفاصيل اليومية البسيطة تتحوّل إلى مشهد درامي يحمل ثقلًا رمزيًا. الراوي (كاتبٌ فَقيرٌ لا يحملُ سوى شهادةِ الابتدائي) قد نال جائزةً أدبيّة، لكنّ تلك اللحظة “الانتصارية” تتحوّل فجأة إلى احتكاكٍ مع سلطةٍ تمثّلها شخصية “رئيس مرافقة سيادة العميد”.
القصة تكشفُ كيف أن الكرامة الشخصيّة تصبح “مجرد كرسي” في لعبةِ سلطةٍ، وأن القهرَ والفقرَ والوساطةَ يخترقون الحياة اليومية. من هنا جاء العنوان “كرامة أحمق” الكرامة التي لا تُحسب في معادلة السلطة، أو تُفرض عليها بالوشائج والسُلطة وليس بالقيمة الذاتية.
"الراوي"استخدام ضمير المتكلم “أنا” يمنح النص بُعدًا شخصيًّا، وشهادة داخليّة على ما يحدث، ويُضفي صدقيّة عالية.
يبدأ النص بلحظة استلام الجائزة ثم الرحلة، لكن الذروة تَأتي في الحافلة، بمشهد الصراع. النهاية مباغتة لكنها مفاجئة لا تفضي إلى رحمة أو عدالة، بل إلى إقامة سلطة جديدة أو تفاوض ضمن اللعبة نفسها.
عنوان القصة إدانة مبطنة أم اعتراف داخلي؟
"كرامة أحمق" ليس مجرد عنوان ساخر. إنه صفعة مباشرة لواقع يُجرَّد فيه الإنسان من كرامته كلما ظن أنه استعادها. الكرامة هنا ليست قيمة مطلقة، بل لعبة خاسرة في مجتمع يُكافئ التبعية والوساطة ويحتقر الاستحقاق الفردي. من هو الأحمق؟ هل هو من يدافع عن كرامته في وجه دولة بوليسية؟ أم من يتنازل عنها لينجو؟ النص يطرح السؤال ولا يجيب، لكنه يفضح المأساة.
الشخصيات: الكل مقهور.. إلا الجلاد.
"الراوي" كاتب حالم، طموح، فقير، يعيش التناقض بين "الرمزية الثقافية" لجائزة مرموقة، وبين الواقع اليومي العفن، حيث لا تساوي الجائزة شيئاً أمام فوهة مسدس.
"المرأة" ليست مجرد راكبة وقحة، بل تمثل فئة من الشعب تسلّحت بالقانون الشكلي لتحقق امتيازاً صغيراً. هي ضحية مثل الراوي، لكنها تبحث عن قوتها من خلال الإخضاع لا التضامن.
"الرجل الضخم" تمثيل فجّ للسلطة الأمنية الطاغية، بكل ساديّتها وبذاءتها واحتقارها للناس. حضوره اختزال لعقيدة الأمن في الوطن العربي، السيطرة لا الخدمة، الإهانة لا النظام.
"الركاب".. جماهير خانعة، تصلي على النبي حين يُشهر المسدس. لا ينصرون المظلوم، ولا يعارضون الظالم، بل يطلبون فقط أن تهدأ الأوضاع.
المشهد المركزي الكرسي كرمز سلطوي، المقعد هنا ليس مقعد حافلة. إنه رمز للوطن، للسلطة، للمكانة، للكرامة. الكل يتصارع عليه، لا لأنه مريح، بل لأنه يمثل "الحق المكتوب على ورقة التذكرة". حين يختار الكاتب الدفاع عن المقعد، يدافع فعلياً عن كرامته، عن رمزيته الجديدة كـ"فائز". لكنه يُسحق، تماماً كما تُسحق الرموز الفردية في وطنٍ لا يعترف إلا بالولاء الأمني.
التحوّل الدرامي: من المواجهة إلى الخديعة..
حين يقول الراوي: "أنا ابن عمة الرائد طلال الأسعد.
القصة ترصد ببراعة الصراع الداخلي في نفس البطل بين الكرامة والنجاة. لحظة التحدي تتقاطع فيها الرغبة في الحفاظ على الذات مع الخوف من الذل. الشخصية تعاني من "التضخم الوجودي" بعد فوزها بجائزة أدبية، فتظن نفسها جديرة بالتقدير، ثم تنهار أمام عنف السلطة.
التحول النفسي، واضح من النشوة إلى الذل، من الصلابة إلى المساومة، ثم إلى النجاة عبر الكذب الذكي.
الافتتاحية.. تبدأ بهدوء، مع فوز البطل بجائزة، ما يخلق توقعاً بالفرح.
" التأزم" تصعيد متواتر عبر حوار وشخصيات متداخلة، يؤسس لذروة تهديد السلاح.
"الذروة" تهديده بالقتل علناً.
"الانفراج" كذبة "ابن عمة الرائد" تعيد إليه الحياة.
"الخاتمة" مفارقة ساخرة، تنهي القصة بطريقة مضادة للبطولة.
"اللغة" سردية مباشرة، مشبعة بالمونولوج الداخلي، تنقل التوتر دون زخرفة.
"الأسلوب" ساخر، يستخدم العامية والتعبير الشعبي في مواطن عدة لتعميق واقعية الموقف.
"السخرية" حاضرة بشدة، خاصة في مفارقة كذبة "الرائد طلال" التي أنقذته من الموت.
الكرسي رمز للحق البسيط والرمزي في امتلاك مكان.
المسلّح تمثيل للسلطة القمعية، المستعدة للإذلال والقتل لأتفه الأسباب.
البطل.. الإنسان العربي البسيط، الذي يظن أن "الكرامة" محفوظة في سياق غير عادل.
المرأة.. تعكس طبقة اجتماعية وقحة لكنها محمية ضمنياً، بسبب تغوّل الذكورة والعنف.
النجاة بالكذب.. ترميز مرير لحقيقة أن الكرامة قد تُنتزع، لكن الكذب المحمي بالسلطة هو ما يُنجي.
القصة تفضح أنظمة اجتماعية وأمنية جعلت الإنسان ضعيفاً، بلا حماية، حتى حين يكون على حق. وتطرح سؤالاً مؤلماً: هل تستحق "الكرامة" الموت؟ أم أن النجاة بالحيلة أذكى من الفداء بمبادئ لا تحميك؟
البطل مثقف مهمّش، حالم، هشّ أمام العنف، لكنه ماكر في النجاة.
العنصر الأمني، سادي، متغطرس، تمثيل فج للسلطة.
المرأة مستفزة، صوت الفوضى الشعبيّة.
السائق والمعاون والركاب الجمهور الصامت/السلبي، الذي يميل للأقوى.
"كرامة أحمق" ليست مجرد قصة موقف، بل صرخة عميقة ضد النظام الاجتماعي والسياسي القائم على التسلّط والرياء. ما يبدو بطولة في البداية، ينقلب إلى "غباء وجودي"، إذ لا مجال للكرامة في مجتمع يسحق الإنسان.
الرسالة الأهم في بيئة القمع، الذكاء أحياناً أن تهرب بكذبة، لا أن تموت واقفاً.
تصلح القصة أن تُدرّس كنموذج للسخرية السوداء في الأدب العربي المعاصر.
تتقاطع مع أدب زكريا تامر وحنّا مينه في تصوير السلطة والعجز الشعبي.*

غزوان حمدان الجبولي.





**

((كرامةُ أحمق))..
قصة: مصطفى الحاج حسين.

حينَ نِلتُ جائزةَ الإبداعِ الأدبيِّ والفكريِّ من دولةِ الكويتِ، ذهبتُ إلى دمشقَ لأصرِفَ الشِّيك، لأنَّ البنكَ في حلبَ لم يُسلِّمني المبلغَ.
ذهبتُ بمفردي ليلًا، وكنتُ في تمامِ الثامنةِ صباحًا أقفُ أمامَ البنكِ.
صَرَفوا لي المبلغَ، وعلى الفورِ عدتُ راجعًا إلى حلب.
الوقتُ صباحًا، والرُّكَّابُ قلَّةٌ، والبُولماناتُ كثيرة.
قطعتُ تذكرةً وصعدتُ، وقدَّمتُ التذكرةَ للمُعاوِن، فقال لي:
– لا ركابَ كُثُر، اجلسْ حيثُ ترغبْ.
اخترتُ مقعدًا، خلعتُ مِعطفي، ووضعتُه مع حقيبتي الصغيرةِ على الرَّفِّ فوقَ رأسي، وجلستُ.
وحين تحرَّكتِ الحافلةُ لتمشي، صعدَ رجلٌ يَشكو من شللٍ في رجلِه، ومعه امرأةٌ.
والمقاعدُ كثيرةٌ وفارغةٌ، نحنُ بُضعةُ ركابٍ، لا يتجاوزُ عددُنا العشرةَ.
لكنَّ هذه المرأةَ نظرتْ في تذكرتِها، وتقدَّمت نحوي، قالت:
– هذا المقعدُ لنا.
ابتسمتُ لها، وقلتُ:
– أُختي، المقاعدُ كلُّها فارغةٌ.. اقعدي أينما أردتِ.
قالت بحدَّةٍ:
– هنا مكانُنا.. وسنقعدُ هنا.
نظرتُ إليها.. تأمَّلتُها جيِّدًا، تبدو هذه المرأةُ رَزيلةً، ووقحةً، ووَسِخةً.. وزوجُها عاجزٌ، وتبدو عليه علاماتُ الطِّيبة، فحاولتُ إقناعَها بلُطف:
– أُختي، ما الفرق؟!.. أنا سألتُ المعاوِن، وقال لي: اجلسْ في المكانِ الذي تُريده، وجلستُ هنا بعد أنْ خلعتُ مِعطفي، ووضعتُ حقيبتي كما ترين، فلماذا تُريدين عذابي؟!.. المهمُّ أنْ نصلَ بالسَّلامة.
صاحتْ غاضبةً، بطريقةٍ بشعةٍ:
– انهضْ من مكانِنا، يا عديمَ الذوقِ!
وقبل أنْ أردَّ عليها، فأنا شعرتُ برغبةٍ بالتحدِّي.
قال لها زوجُها:
– تعالي إلى هذا الكرسي.. يعني ما الفرق؟!
زَعقتْ بوجهِه بانفعالٍ، وعدمِ اكتراثٍ واحترامٍ:
– اسكُتْ أنتَ، لا علاقةَ لكَ بالأمر!
قرَّرتُ ألَّا أُعطيَها المقعدَ، مهما كلَّفَ الأمرُ، مع أنَّه لا فرقَ عندي بين مقعدٍ وآخر، بل لستُ جاهزًا لمثلِ هذه المشكلةِ التافهةِ.
فأنا سعيدٌ بحصولي على هذه الجائزةِ العربيَّةِ، والتي كانت حلمَ جميعِ أصدقائي، وأنا لا أحمِلُ الابتدائيَّة، في حين كان عددُ من شاركَ في هذه المسابقةِ يتجاوزُ الثلاثةَ آلافٍ – نسيتُ الرقمَ – وكلُّهم من حملةِ الشهاداتِ العليا.
ثمَّ إنَّ سعادتي عظيمةٌ بهذا المبلغِ الذي حصلتُ عليه، أكبرُ مبلغٍ ألمسُه وأحوذُ عليه في حياتي، ويكونُ لي.
منذُ اليوم، لن تحتجَّ زوجتي على متابعتي للكتابةِ والنشرِ، وسيتوقَّفُ أبي عن قولِه:
– الأدبُ لا يُطعِمُ خُبزاً..
لكن هذهِ المخلوقةُ التافهةُ والسّاقطةُ، مِن أينَ بَرَزَتْ لي، لتقتلَ عليَّ فرحتي، وتُشتِّتَ لي خيالاتي وأحلامي؟!..
وتقدَّمَ منِّي المعاونُ، يسألني بلُطفٍ:
– أستاذ، من فضلك تعالَ إلى المقعدِ المجاورِ.
وتوقّفَ السائقُ عن المسيرِ، وكان قد خرجَ من المحطَّةِ، واجتازَ مسافةً ليست بالقليلةِ..
وتدخّلَ بعضُ الركّابِ، والكلُّ يرجو أنْ نُنهيَ هذه المهزلةَ..
فقلتُ مخاطباً المعاونَ:
– حينَ أعطيتُكَ تذكرتي، قلتَ لي أنْ أجلسَ على المقعدِ الذي أختارُه.. وأنا اخترتُ هذا الكرسي، فلماذا لا تطلبُ منها أنْ تجلسَ، ومن معها، على كرسيٍّ آخر؟!
قال المعاونُ، وعلاماتُ الحرجِ والارتباكِ باديَتَين عليه:
– يا أخي.. هي مُصمِّمةٌ أن تأخذَ الكرسيَّ المُخصَّصَ لها.
وتحرَّكَ السائقُ من خلفِ مقعدِه، وتوجَّه نحونا، قائلاً في استياءٍ:
– سوف أُلغِي الرحلةَ بسببِكم.. ما رأيكم؟.
صاحتِ المرأةُ، التي شكلُها وهندامُها يدُلّانِ على مستواها الوضيعِ:
– ناسٌ لا تحترمُ النظامَ والقوانينِ.
صرختُ بازدراءٍ:
– وأنتِ ما شاءَ اللهُ، تَبدينَ في قمَّةِ التَّحضُّرِ والذوقِ.
وهُنا نهضَ رجلٌ، كان مقعدُه يقعُ خلفَ كرسيِّ السائقِ، أي في الصفِّ الأوَّلِ.. واتَّجه إلينا، كان ضخمَ الجِثةِ، غزيرَ الشَّنبِ، مُكفهرَّ الوجهِ..
تقدَّم نحونا مسرعاً، في عينيه غضبٌ واضحٌ.. وحينَ وصلَ إليَّ، صرخَ:
– أنتَ رجلٌ لا يفهمُ.. ولا تأتي بالذوقِ.. هَيّا انهضْ من هنا قبلَ أن أُحطِّمَ وجهَك.
تفاقمَ الوضعُ.. وجدتُ نفسي في ورطةٍ لا نهايةَ
والمرأةُ استبشرتْ خيراً بهذا الحيوانِ.. وأنا في قرارةِ نفسي ألعنُ نفسي على هذا المأزقِ الذي وضعتُ نفسي فيه.. ليتني منذ البدايةِ نهضتُ وتخلّيتُ لهما عن هذا الكرسيِّ اللعينِ.
ولكن الآن، وفي هذه الطريقةِ المُهينةِ، صعبٌ عليَّ جدّاً التنازُلُ والقبولُ، والرُّضوخُ للأمرِ الواقعِ.. كرامتي لا تسمحُ لي أن أُهانَ.. كبريائي يمنعُني من القيامِ بكلِّ هذا التنازُلِ.
يا ربِّي، لمَ أرسلتَ لي هذه المرأةَ اللئيمةَ؟!.. ما عساني أن أفعلَ؟!..
الوضعُ تأزَّم.. الرجلُ البغلُ يقفُ فوق رأسي، ويلتقطُ أنفاسَه بصعوبةٍ.. يبدو أنَّه مجنونٌ، عصبيٌّ إلى أبعدِ الحدودِ.. جسدُه الضخمُ بحجمِ جسدي مرَّتين.. أردتُ أن أمهِّدَ لتنازلي، لخيبتِي، لمرارتي، لانهزامي، لاستسلامي، فقلتُ:
– كُلُّكم وقفتم معها لأنَّها امرأةٌ.. لكنكم لم تكونوا مع الحقِّ والمنطقِ.
لكنَّ هذا المتوحِّشَ الذي يقفُ فوقَ رأسي، لم يُمهلني.. بلِ امتدَّت يدُهُ الضخمةُ وصفعَتني على وجهي، وهو يصرخُ في هياجٍ:
- قلتُ لك انهضْ يا عديمَ الذوقِ، وإلّا قضيتُ عليك!.. أنتَ لا تعرفُ مع مَن أنتَ تتحدَّث.. ليكنْ في علمِكَ.. أنا رئيسُ مرافقةِ سيادةِ العميدِ الركنِ (مصطفى التاجر)، رئيسِ فرعِ الأمنِ السياسيِّ.
هالني ما أنا فيه من موقفٍ فظيعٍ.. أنا الآن أُضرَبُ.. أتعرضُ للضربِ من قبلِ هذا الخنزيرِ.. بسببِ تلك الحقيرةِ الفاجرةِ.. يا الله!!!
اليومُ هو يومُ فرحتي، يومُ سعادتي.. أنا حصلتُ على أهمِّ جائزةٍ عربيةٍ في الأدبِ، عن مجموعتي القصصيةِ الأولى.. الكلُّ اليومَ يحسدُني، وكان يتمنى أن ينالَ الجائزةَ بدلاً عني، فأنا بنظرِهم لا أستحقُّها، لأنِّي لا أحملُ حتى وثيقةَ الابتدائيِّ، في حينَ هم يحملونَ الشهاداتِ الجامعيةَ.
ولكن، ما العملُ الآن؟!.. أردتُ التراجعَ.. لكنّ هذا السفيهَ لم يمنحني الفُرصة.. وأنا بهذه الطريقة لا ألبّي وأتنازلُ،
حتّى لو قُتلتُ.
أحتاجُ إلى معجزةٍ من عندك يا ربي.. معجزةٍ سريعةٍ، خاطفةٍ.. لأنجو من هذا الموقفِ.. زعقتُ وأنا أَهُمُّ بالنهوضِ:
- أتَضربني؟!.. أنتَ تَضربني!!!.. ومن أجل هذه التافهة؟!.. أنا سأريك.
قلتُ هذا، بينما كنتُ في داخلي أَهزأُ من نفسي:
- وماذا ستفعلُ يا بطل؟!.. هذا يأكلك من دون مِلح.
لكن هذا الضبعَ، لم يتراجعْ، ولم تَهتزَّ لهُ شعرةٌ من شنبه الغزيرِ الشعرِ والأشقرِ اللونِ، بسبب تهديدي له.. بل امتدّت يدُه إلى خاصرتِه، واستلَّ مسدسًا، أشهرَه بوجهي، وهو يصرخُ:
- وحقِّ اللهِ سأَقتلك!.. سأُفرغ طلقاتِ المسدسِ في صلعتك!
دبَّ الذُّعرُ بين جميعِ الركَّابِ، والسائقِ، والمعاونِ، وزوجِ المرأةِ العاجزِ، بلْ وحتّى المرأةُ خافتْ وندَّتْ عنها صرخةُ ذُعرٍ .. وهي تصيحُ :
- لا.. لا تقتله!.. خلاص!.. ما عُدتُ أريدُ كُرسيَّه، دَعْه له.
وأنا بدوري كانتْ أوصالي ترتعدُ، رغمَ محاولتي كبحَ ارتعاشي.. وبذلتُ جهدًا عظيمًا لكي أتظاهرَ بالتماسكِ والشجاعةِ.
هتف السائقُ، بعد أن كان يطلبُ منَّا أن نُصلِّي على النبيِّ، ونهدأَ :
- الحمدُ لله!.. ها هي الأختُ.. تنازلتْ له عن الكرسيِّ.. وانتهتِ المشكلةُ.
وانبعثَ الأملُ في داخلي من جديدٍ .. انتهتِ المشكلةُ، وسأعودُ لخيالاتي وأحلامي.
لكنَّ صاحبَ الشَّنبِ الكثيفِ، عنصرَ المُخابراتِ، زَعَقَ كالحيوانِ:
- بلْ سينهضُ غصبًا عنه!.. وإلّا أفرغتُ المسدسَ في صلعته!
عاودتْني موجةُ التحدِّي.. شعرتُ بالإهانة، مع أني أتمنّى من كلِّ قلبي أن أُغادرَ هذه الحافلةَ، دون أن يُعيدوا إليّ نقودي، وسآخذُ تكسي وأعودُ للكراجِ لأصعدَ على حافلةٍ أخرى..
قلتُ في يأسٍ وأنا أتظاهرُ بالشجاعة:
- هيّا اقتلني.. ماذا تنتظر؟!.. لن أتركَ الكرسيَّ.
وصاحَ الجميعُ بصوتٍ مملوءٍ بالضيق:
- يا جماعة، صلُّوا على النبي.
وما كان من البغلِ الذي يُشهِرُ مسدَّسَه، إلّا أن ضربني بأخمصِ المسدَّسِ على رأسي، وهو يزأرُ كوحش:
- وحقِّ اللهِ، سأقتلك!
وصرختْ جوارحي بجنونٍ وقنوط:
- يا ربّ!.. أعطِنا حلًّا يُرضي الجميع!.. يا ربّ، لا أريدُ أن أموت!.. أريدُ أن أبقى وأعيش، وأكتب!.. سأكونُ كاتبًا عظيمًا، مثل نجيب محفوظ، ونزار قبّاني، ومحمود درويش، وزكريا تامر...
وفجأةً، ومثلَ انبعاثِ البرق، خطرَ لي أن أقول:
- إن كنتَ تظنُّ نفسَك رئيسَ مرافقةِ سيادةِ العميد (مصطفى التاجر)... فأنا ابنُ عَمَّةِ الرائد (طلال الأسعد).
وما إن أنهيتُ كلامي هذا، وأنا في غايةِ السوءِ والقلق، حتّى رفع مسدّسَهُ عني، وتطلَّعَ بي بِتَمَعُّن، وهتف:
- قول وحقِّ الله إنّك ابنُ عَمَّةِ سيادةِ الرائد طلال الأسعد!
وكان الرائد (طلال الأسعد) هذا، هو بالفعل قريبٌ لصديقٍ عزيزٍ على قلبي، ولا أعرف كيف تذكَّرتُهُ في هذا الوقتِ العصيب.. فقلت:
- نعم، أنا قريبُه، واليومَ ستلقاني عنده.
تراجع ذو الشنبِ الضخم، نظرَ إليّ باسماً، وهتفَ بفرحة:
- لك أبوس اللِّي خَلَق الرائد (طلال).. سيادتُه حبيبُ قلبي!
واقْتَرَبَ مِنِّي ليُحضِنَني، وتنهَمِرَ على رأسي ووجهي قُبُلاتُهُ الحارَّةُ والصَّادِقةُ.
وهكذا انتهتِ المشكلةُ.*

مصطفى الحاج حسين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...